"جرف الصخر".. فضيحة تكشف سطوة حزب الله وضعف الحكومة العراقية


١١ أغسطس ٢٠١٩ - ٠٢:٥٤ م بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

على ما يبدو، تسير ميليشيا "حزب الله" الإرهابي، وفقًا للخطة المرسومة لها، ضمن مخطط "الهلال الشيعي"، في منطقة الشرقة الأوسط، بدأ ذلك بذريعة المقاومة للعدوان الصهيوني على لبنان، في ثمانينيات القرن الماضي، والتي شهدت صعودًا للتيار الشيعي، انطلاقًا من حركة أمل، ثم تعاظمت بوجود "حزب الله"، الذي يحظى بدعم لا محدود من قبل إيران، حتى توجت بانتصارٍ مزيف في عام 2000، خرج بعده الكيان الصهيوني من لبنان.

ومرورًا بمراحل الصراع "الشيعي الإسرائيلي"، في لبنان، بدأ الحزب يجد طريقه إلى العراق، مع قدوم الاحتلال الأنجلو أمريكي، في عام 2003، وخلو الساحة السياسية والعسكرية "نسبيًا"، من الوجود السُني، في مرحلة ما بعد الرئيس العراقي الراحل "صدام حسين"، حيث ظهرت كتائب تحمل اسم "لواء أبي الفضل العباس"، و"كتائب كربلاء" و"كتائب السجاد" و"كتائب زيد بن علي"، وجميعها فصائل مسلحة شيعية أعلنت تجمعها وتوحدها تحت اسم "حزب الله العراقي" في 2006، وفي ذلك الوقت كانت الهدف الأصلي لهذه التجمعات هي محاربة المحتل الأمريكي.

آلت الكتائب على نفسها مقاومة الاحتلال الأمريكي حتى إخراجه من العراق، اتصل الحزب بإيران من جهة العقيدي والمذهبي ولا يخفي هذا الاتصال، إذ أصدر الحزب عدة بيانات مؤيدة لإيران، ولغة تهديد الولايات المتحدة حتي جعل الولايات المتحدة تُدرج الحزب على قوائم الإرهاب عام 2009، لكن بعد انسحاب الأمريكيين نهاية 2011 تم تغيير مصطلح "المقاومة" إلى "النهضة" ليصبح اسمه حزب الله- النهضة الإسلامية.

وعقب تلك المرحلة، بزغ من جديد نجم حزب الله، انطلاقًا من لبنان، إلى الحليف السوري، وتحديدًا مع "بشار الأسد"، بأمر مباشر من إيران، دفاعًا عن النظام السياسي الشيعي الوحيد في المنطقة آنذاك، عقب إندلاع أحداث ثورة 2011، لينكل بالمعارضة السورية، ويصبح له نفوذ آخر في بلد عربي يأن تحت وطأة حكم "الملالي"، وإن كان بصورة مغايرة عن العراق وإيران.

جرف الصخر.. تفضح حزب الله

ومن سوريا ولبنان، إلى العراق مجددًا، حيث كشف العثور على 31 جثة مجهولة الهوية، أفادت السلطات العراقية بأنها تعود لأشخاص قتلوا رميًا بالرصاص بعد تعذيبهم في منطقة "جرف الصخر" التي تحتلها ميليشيات حزب الله في العراق، عن سطوة جديدة للميليشيا الإرهابية في المنطقة.

وتسلمت دائرة صحة محافظة كربلاء جنوبي العراق الجثث، بعدما رفضت دائرة صحة محافظة بابل تسلمها.

وتعتبر عبارة "مجهولة الهوية"، "مجازية" عن أشخاص تم اختطافهم وتعذيبهم وقتلهم بدم بارد ثم رميهم على قارعة الطريق إلى حين مراجعة ذويهم دوائر الطب العدلي.

وتكشف الحادثة بشكل كبير سطوة ميليشيا كتائب حزب الله وسجونها السرية، داخل جرف الصخر المنطقة المحتلة من قبل الميليشيا منذ أكثر من أربعة أعوام، بعد تهجير سكانها، وتحويل المنطقة إلى ساحة نفوذ إيراني ومستودع كبير للصواريخ البالستية الإيرانية، وفق تقارير.

ويحظر على أية جهة أمنية أو رقابية الدخول إلى جرف الصخر كما تمنع الميليشيا رغم مطالبات الحكومة العراقية إعادة سكان المنطقة المهجرين منذ أربعة أعوام العودة إلى ديارهم.

وتسود توقعات بأن سجون الميليشيا السرية هناك تعج بمئات العراقيين المختطفين الذين أفرج عن اثنين منهم العام الماضي، إثر مفاوضات بين جهات حكومية وعناصر الميليشيا، في حادثة تعكس أيضا ضعف الإجراءات الحكومية العراقية في الكشف عن مصير مواطنيها.

ويُضاف إلى سجل ضعف الحكومة العراقية، أو ربما تخاذلها في مواجهة ميليشيا حزب الله الإرهابي، ما أعلنه رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في وقت سابق، بشكل واضح أن هناك ضغوطا سياسية تمنع عودة النازحين إلى ديارهم، مما أثار عاصفة انتقادات للرجل الذي تتزايد الانتقادات الشعبية والسياسية بل وحتى المؤسسة الدينية لإدارته الحكومية، وآخرها تسليم مفتشية وزارة الدفاع إلى أحد قادة ميليشيا الحشد الشعبي، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ المؤسسة العسكرية العراقية، التي تعتبر الأقدم في المنطقة.

سيطرة اقتصادية

تقرير آخر، يكشف حجم الكارثة التي خلفها العدوان الأمريكي الإنجليزي على العراق، في عام 2003، إذ فتح الباب على مصراعيه لسيطرة الميليشيا الشيعية، المدعومة من إيران، وعلى سبيل المثال لا الحصر، ميليشيا حزب الله، الذي بات سرطانًا ينهش في جسد الأمة العربية والإسلامية.

فـ "حزب الله" اللبناني الإرهابي، يتمتع حاليًا بسلطة سياسية كبيرة في العراق، حيث لم يعد نفوذ الحزب قاصرًا على السلاح أو الشق العسكري فقط أوحتى النفوذ السياسي فقط، بل امتد إلى أبعد من ذلك بكثير.

فقد بدأ حزب الله استثماراته في عام 2006 في بغداد ومدن عدة جنوب البلاد، خلال زمن رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، الذي فتح الباب على مصراعيه لرجال الأعمال اللبنانيين المرتبطين بالحزب، جعلته يملك ما يمكن اعتباره سلطة مطلقة النفوذ، من حيث القوة السياسية والمال والتواجد المسلح للحزب على جبهات القتال مع الفصائل المسلحة التابعة لإيران، ممثلة بمليشيات "الحشد الشعبي".

وأشار مراقبون إلى أنه ليس بالأمر السهل رصد كافة القطاعات التي استطاع الحزب اللبناني اختراقها اقتصادياً في بلد ثرواته هائلة مثل العراق.

وأكدوا أن الشركات، التي يملكها لبنانيون ينتمون إلى "حزب الله"، سيطرت على عقود استثمار وتنمية ضمن خطة بغداد 2016، شملت مشاريع إعمار وعقود تجهيز دوائر ومؤسسات وتراخيص في القطاع السياحي في البلاد، فضلاً عن عقود تجهيز مواد غذائية تابعة لوزارة التجارة العراقية، بأكثر من 312 مليون دولار.

وأوضحوا أن هناك من يؤكد أن استثمارات الحزب أوسع بكثير في قطاعات أخرى غير مرصودة، كقطاع الفنادق والمطاعم السياحية ومكاتب الاستيفاء الجمركي التي تعمل لصالح الحكومة لقاء رسوم مالية تبلغ واحداً في المائة.

وقد برزت أسماء عدة لرجال أعمال لبنانيين تخطوا صفة رجل أعمال عربي أو مستثمر، إلى كونهم أصحاب نفوذ كبير في بغداد، عبر التدخل، أخيراً، في مصالحات بين سياسيين عراقيين والتوسط لتعيين ضباط وإقالة آخرين، وحتى إطلاق سراح متهمين بالفساد، ويرجح أنهم تقاضوا مبالغ مالية لقاء خدماتهم تلك بسبب قربهم من دوائر صنع القرار في العراق.

وأشار المراقبون إلى أن من بين تلك الأسماء على سبيل المثال أدهم طباجة، ومحمد حسين، وعلي دقوق، وسليم كوثراني، وكريم سلمي، وعقيل عطوي، وزهير إبراهيم، وشركات ومطاعم واستراحات.

ويعتبر جانب الرصافة من بغداد المعقل الرئيس لـ"حزب الله" اللبناني، عبر شركاته التي تحمل جميعها أسماءً عراقية.

وأوضحوا أن من أبرز استثمارات الحزب، التي ترتبط بشكل وثيق بمصارف إسلامية عراقية وإيرانية، مثل فندق "كورال"، ذو الأربع نجوم، المملوك لشركة "وروك"، المسجلة في وزارة التخطيط على أنها شركة فرنسية، إلا أنها لا تمتلك أية قاعدة بيانات ضمن الشركات الفرنسية المعتمدة لدى باريس. ويملك الشركة لبناني يحمل الجنسية الفرنسية، يلقب باسم الحاج أبو ياسين، وهي تدير أيضاً فندق "بابل" عبر كريم نوري، أحد أعضاء "حزب الله" الناشطين في بغداد.

كما حصل الحزب على عقود استثمار ضمن خطة تنمية وإعمار بغداد، كان آخرها تأهيل بناية وزارة التخطيط ومركز الاتصالات في الحارثية، ومقر بدالة العلوية، وبناء جسر العلاوي، وسط بغداد، بالإضافة إلى عقود تجهيز الشركات والمؤسسات الحكومية بالمحابر وأثاث المكاتب والأجهزة الإلكترونية، فضلاً عن شركات السياحة الدينية.

ملاحقة إسرائيلية

شاءت أم أبت، أضحى الاحتلال الصهيوني، جزءًا من معادلة الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا عقب "ثورات الربيع العربي"، التي اقتربت من حصونه، وبالأخص في سوريا، حيث هضبة الجولان، وأصبح الدفاع عنها أمر غير قابل للنقاش بالنسبة لدوائر صنع القرار السياسي والعسكري في الكيان المحتل.

وليس ببعيد عن ذلك، ما نقلته صحيفة "إندبندنت عربية" عن مسؤول عسكري إسرائيلي قوله إن "إسرائيل تحركت في العراق كما تتحرك في سوريا"، وذلك بعد أسبوع على استهداف قاعدة عسكرية في محافظة صلاح الدين العراقية.

وقال المسؤول العسكري الإسرائيلي، إن "إسرائيل تستطيع التحرك في اليمن وفي إيران من أجل منع أعدائها من نقل الأسلحة النوعية، أو التمركز في نقاط استراتيجية في المنطقة".

وتعرضت قاعدة عسكرية تابعة لـ "حزب الله" وللحشد الشعبي في صلاح الدين، الأسبوع الماضي، لهجوم بطائرات مقاتلة، قد تكون من طراز "إف – 35"، وقال حينها المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة العميد، يحيى رسول، وفقًا لـ "روسيا اليوم"، إنه تم استهداف مواقع لـ "كتائب حزب الله العراق"، وتحديدا معسكر "الشهداء" التابع لقوات الحشد الشعبي، وأن القصف تم على مرحلتين عبر طائرة مجهولة.

وبحسب "إندبندنت" أيضًا فإن "الموقع المستهدف يحتوي على أسلحة نوعية ومنها صواريخ باليستية، نقلت قبل يوم واحد من الهجوم إلى العراق من إيران، بواسطة شاحنات للخضار والفواكه".

وفيما أعلن الحشد الشعبي حينها عن إصابة عنصرين له في القصف، أشارت "إندبندنت" إلى أن "الهجوم أسفر عن مقتل عشرات العناصر التابعين للحشد الشعبي والحرس الثوري ولحزب الله"، وخلف دمار الموقع بكامله، مشيرة إلى أنه "تم استخدام صواريخ متطورة وموجهة في القصف، كتلك التي تستخدمها إسرائيل في سوريا، حيث تبلغ زنة الصاروخ نحو طن".

إلى ذلك، لفت المسؤول العسكري الإسرائيلي، إلى أن "إسرائيل تكثف من هجماتها مؤخرا في الجولان السوري من أجل إنهاء الوجود العسكري لحزب الله وإيران هناك"، على حد تعبيره.


اضف تعليق