Apocalypse Now.. كيف تُطلق الحرب الوحش بداخلنا


١٧ أغسطس ٢٠١٩ - ١٠:٢٢ ص بتوقيت جرينيتش

أماني ربيع

أشجار النخيل الخضراء تتمايل في نعومة، سكون طويل يكلله اللون الأخضر يمنحنا الفرصة لنتأمل جيدا كل هذا الجمال قبل لحظات من تلاشيه لكي نرتبط به ونحزن عليه، ثم تدخل الكادر الطائرات الأمريكية المقاتلة التي تبدو مثل جراد عملاق، وكما يأتي الجراد على كل ماهو أخضر، يحول القصف الأمريكي تلك المساحة الخضراء إلى كتلة لهب، جحيم مستعر على الأرض، وفي الخلفية جيمي موريسون يغني "النهاية":


"هذه هي النهاية

يا صديقي الوحيد، هي النهاية

نهاية خططنا المحكمة

نهاية كل شيء له قيمة

لن أرى عينيك ثانية أبدًا.."


انطلقت إلى السينمات في بريطانيا يوم 13 أغسطس، وفي أمريكا 15 أغسطس، نسخة جديدة من الملحمة الكابوسية عن الحرب "Apocalypse Now - The Final Cut"، والتي تتزامن مع مرور 40 عاما على إطلاقه لأول مرة في دور العرض السينمائية في مهرجان كان 19 مايو 1979.

وفي نسخة "الفاينال كت" ضم المخرج المخضرم فرنسيس فورد كوبولا مشاهدا لم نرها من قبل في النسخة القديمة من الفيلم التي كانت مدتها ساعتين و45 دقيقة، بينما النسخة الجديدة مدتها 3 ساعات و6 دقائق، وتحتوي تلك الإضافة على مزيد من مشاهد مارلون براندو ومارتن شين والرحلة الطويلة عبر النهر، وخمس دقائق يقدم فيها كوبولا الفيلم بنفسه.

ليست هذه أول مرة يعاد تقديم نسخة جديدة من الفيلم للجمهور فقد سبق في عام 2001 أن قدمت نسخة Redux أضيف إليها 49 دقيقة، لكنه شعر فيما بعد أنه بالغ في ذلك، فخفضها إلى 14 دقيقة، فيما اعتبره أخيرا وصولا إلى الرؤية المثالية، وعلق كوبولا على ذلك قائلا: أشعر أن هذا الإصدار من Apocalypse Now يحقق نجاحه في التعبير عن المضمون الذي أردته أكثر من الإصدارات السابقة.

جنون الحرب


الفيلم مبني على رواية للكاتب جوزيف كونراد بعنوان "HEART OF Darkness" كتبت عام 1899، دارت أحداثها على ضفاف نهر الكونغو في أفريقيا، وتم تدريس هذه الرواية على نطاق واسع في مدارس أوروبا وأمريكا لتوضيح الطريقة التي تم بها تسويق المجتمعات الأفريقية كمتوحشين، وجنون العظمة الذي جعل الغرب يتصور دائما كل ما هو مختلف على أنه معادٍ وغير حضاري.

وأصبحت ظروف تصويره الذي استمر لمدة 238 يوما في الفلبين مادة أسطورية في عالم صناعة السينما، تم تصوير جزء كبير منها في الفيلم الوثائقي Hearts of Darkness للمخرج جورج هيكينلوبر والذي تم تجميع مادته من لقطات وراء الكواليس لإيلانور زوجة كوبولا، وكانت مصاعب الفيلم أشبه باللعنة، حيث أصيب البطل الأول للفيلم هارفي كيتل بعد أسابيع من التصوير ليحل محله مارتن شين الذي تعرض لنوبة قلبية، وتعرض كوبولا نفسه لنوبة أخرى، بالإضافة إلى اختفاء مروحيات تم استئجارها من الحكومة الفلبينية للمشاركة في قتال فعلي خلال تمرد في جنوب البلاد، ونادرا ما كان الطيارون هم الطيارون من مشهد لآخر، كذلك براندو الذي تعرض لزيادة كبيرة في الوزن وغير مستعد، وتم استخدام جثث حقيقية جلبت من سارق قبور محلي لمنح تأثير فزع حقيقي.

أعاد كوبولا كتابة قصة كونراد، وغير مكان الأحداث من أفريقيا إلى كمبوديا وفيتنام، وكتب السيناريو بمشاركة جورج ميلوش على مدار 6 أعوام، جمع خلالها كل ما يمكن من معلومات عن حرب فيتنام مستعينا بخبرات الصحفي مايكل هير الذي عاصرها.

بدأ التصوير عام 1976 في الفلبين.، واستغرق تصوير مشهد قصف القرية 16 أسبوعا احترقت فيها طائرات حقيقية، والغريب أن تصوير الفيلم بدأ والسيناريو غير مكتمل ولم يكن هناك تصور للنهاية، لقد كان الأمر جنونا حقيقيا.

ويبدو أن جنون الحرب طال كل شئ من الممثلين إلى طاقم العمل وتسرب أيضا إلى المشاهدين، فطلقات الرصاص والجثث والدماء المراقة كل هذا يشعل شهوة العنف داخلنا دون أن ندري، وعندما نرى العقيد كورتيز وهو يتحدث حول فلسفته عن الرعب، ربما لا نتعاطف معه ولكننا نستطيع أن نفهم كيف تقضي الحرب على عقول الرجال وتصيبهم بلوثة يفقدون معها بوصلة الضمير والإنسانية، كابتن ويلارد نفسه بعد مدة قضاها بين أصوات المدافع ولهب النابالم يجلس في غرفته سكيرا مغيبا عن الواقع وقد انفلت لجام أعصابه، وكل الحديث في الوطن عن شجاعة الجنود ومجد الانتصار يبدو بعيدا جدا وبلا معنى هنا، فلم يعد هناك هدفا أخلاقيا وراء هذه الحرب بالنسبة للجنود، لم يعد هناك هدفا سوى القتل في محاولة محمومة للتنفيس عن الضغط، العنف يؤدي لمزيد من العنف.

وعندما يفر كابتن ويلارد من أسره ويذهب لتمزيق كورتز في مخدعه لا نستطيع هنا أن نأخذ جانب طرف دون الآخر فلا يوجد هنا خير وشر، وفي النهاية نرى ويلارد الملطخ بالدماء وكأنه قربان بشري يقدم لشيطان العنف كورتز جديد يحمل ميراث الرعب والخوف، وهكذا ندرك أن الجيش الأمريكي ذات نفسه كان مجرد تابعا مخلصا لدين العنف والرعب.


وإلى جانب الشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم كابتن ويلارد ويؤديه "مارتن شين" وكورتز" الذي جسده "مارولن براندو"، نرى شخصية الملازم كليجور الذي يعتبر الحرب نزهة، ونشاهده يتشمم الهواء في استمتاع ككلب صيد، قائلا: "كم أحب رائحة النابالم في الصباح".


وبسبب هذا الملازم الساخر خفيف الظل الذي يريد تحدي بطل أمريكا في التزلج على الأمواج ومن حظ هذه القرية السيئ أن بجوارها مضيقا نهريا علي الأمواج، تتم مهاجمة القرية الآمنة في مشهد مخيف على أنغام فاجنر المنبعثة من الطائرات المقاتلة، ومع تصاعد أنغام "الفالكيري" التي تعكس جنون العظمة في مشهد يدين سادية أمريكا، ترى الجنود مرتدين أقنعة اللامبالاة يربتون على الصواريخ القاتلة كما لو أنها ذراع حبيبة، يمضغون العلكة غير مدركين لهول ما سيقترفونه، فيما نرى أهل القرية يجرون مثل نمل عاجز، ويبدأ القصف وتتداخل أصوات المدافع مع الموسيقى لتخلق لنا مشهدا يبدو كأنه جزء من أوبرا مرعبة.

في رثاء سينما المخرج


والسؤال الآن: لماذا نسخة جديدة من فيلم سبق للجمهور مشاهدته والنقاد احتفوا به، يعلق الناقد كيفن إي جي بيري من صحيفة "الجارديان" البريطانية قائلا: إن الفيلم أشبه بمرثية لزمن "سينما المخرج"، باعتبار أن مخرجي اليوم مجرد موظفين لخدمة أصحاب رأس المال الذين يخدمون قروضهم وأسهمهم ولا يهمهم تقديم فن له رؤية ووجهة نظر، وApocalypse Now ومخرجه ينتميان إلى زمن الأفلام الكبيرة والمخرجين المستقلين أصحاب الرؤية الذين يصنعون أفلامهم وفقا لرؤيتهم الفنية ومضمونهم الخاص ليصنع أفلاما مثل "THE GOD FATHER" الذي تحكم فيه بجميع عناصر الفيلم من تصوير وإخراج إلى اختيار الممثلين باختلاف أحجام أدوارهم، وحتى الموسيقى وتصميم المناظر كل هذا كان مثل خيوط يحركها كيف يشاء.

مثل كوبولا وجيله مثل: مارتن سكورسيزي، وودي ألن وستيفن سبيلبيرج، وجورج لوكاس، وبرايان دي بالما، فاصلا بين زمنين في السينما الأمريكية فسينما السبعينيات تختلف تماما عن مثيلتها في الستينيات، هذا الجيل صاحب الرؤية قرر الابتعاد عن الأستوديوهات والاسكتشات الغنائية الراقصة ليقتربوا أكثر من الواقع ويقدموا أمريكا كما يرونها.

لكن كوبولا، لاحظ بمرور الوقت أن صناعة السينما أصبحت عبارة عن منتجين منفذين ومحامين وأصحاب عقود يعقدون صفقات لفرض أفكارهم، وهو ما جعل كوبولا بمرور الوقت يبتعد حتى لا يفقد استقلاليته.

عشرات المخرجين تحدثوا عن حرب فيتنام عبر أفلامهم من زوايا مختلفة، لكنه اهتم بالحديث عن جحيم الحرب بالجنون الذي يسوق إلى المزيد من القتل عن القبضة النفسية الهائلة للحرب على المقاتلين كما على الضحايا، عن العنف الكامن بداخلنا والذي بمرور الوقت يُسقط قناع الإنسان ليخرج الوحش.

هل كفت أمريكا عن الخوف؟


بعد مرور أربعة عقود على العرض الأول للفيلم والانسحاب الأمريكي من فيتنام، نتساءل كيف اختفى هذا الخوف من الحرب بشكل كبير من أفلام هوليود، من المؤكد أن أمريكا ليست أقل قلقا الآن، فهذه واحدة من أكثر الأوقات قلقا في التاريخ الأمريكي، فمنذ بداية هذا القرن مات مئات الآلاف في الحروب التي لا تنتهي في العراق وأفغانستان، فضلا عما يحدث في سوريا وليبيا واليمن والصومال، بخلاف الصدام مع إيران، كل هذا يمكن أن يخرج لنا بحبكات كثيرة ومتنوعة تصلح لشاشة السينما.

ربما تأثير الحرب لم يعد مخيفا كما في الماضي، فبالنسبة للجالسين في غرفة المعيشة الخاصة بهم يلتهمون الفيشار، هذا يحدث للآخرين فحسب، فهو لن يغرق مع راكبي أمواج الموت من اللاجئين السوريين، ولن يرديه القصف على المدنيين باليمن.

وربما لأن فيتنام في ذلك الوقت كانت أول حرب أمريكية تحدث في وجود منصة إعلامية تتحدث وتخلق معارضة في الشارع، كما أن هوليود بنسختها الجديدة أصبحت تعكس الموقف الأمريكي السائد الآن، وهو غير دموي وبعيد عن مسرح الأحداث، يشن حروبه مرتزقة، وشركات أمن في أماكن بعيدة عن عيون متابعي برامج الواقع وأخبار المشاهير، بالإضافة إلى أن من يملكون القوة الاقتصادية والسياسية في المجتمع الأمريكي نجحوا في تجريد مفهوم الحرب.

لذا يمكن اعتبار فيلم Apocalypse Now في النهاية فيلما عن الحرب في الوعي الأمريكي في سبعينيات القرن الماضي، وقد يكون نظيره الحديث والمعبر عن هذا الاختلاف في الموقف الأمريكي بمرور الزمن هو فيلم War Dogs، حيث يقدم جوناه هيل لنا فكرة عن مدى سهولة العيش ببذخ عن طريق ملء عقود الأسلحة لوزارة الدفاع وأنت جالس في منزلك المكيف.


 مارس كوبولا في هذا الفيلم الخروج عن النص فيما يتعلق بمعظم إنتاجات هوليود وهو ما جعل الفيلم الذي يتحدث عن أمريكا ليس أمريكيا لقد أصبح أكثر اقترابا من كل المجتمعات وكل الأجيال التي تعاني ويلات الحروب، والفيلم لا يسرد قصة كما أن كوبولا لم يبادر إلى صنع أفلام الإيرادات الخيالية ذات الصبغة التجارية، مثل "ستار وورز" و"إندايانا جونز"، لم يقبل بمقايضة وجهة نظره مع تجار الفن  كما فعل أبناء جيله واكتفى بالمشاهدة من بعيد بعد أن صنع مجده بطريقته الخاصة ودون تنازل.

ولا يعتبر كوبولا Apocalypse Now، فيلما مناهضا للحرب ويعلق على ذلك: لا أحد يريد إنتاج فيلم مؤيد للحرب، الكل يريد إنتاج فيلم معادٍ للحرب، لكن فيلما معاديا للحرب حسب اعتقادي هو مثل دراما "القيثارة البورمية" لكون إيتشيكاوا عام 1956 عن الحرب العالمية الثانية، شيء مليء بالسلام والهدوء والحب والسعادة، لا ينبغي أن يكون شيئا عنيف يلهم شهوة العنف مثلما فعلت مشاهد طائرات الهليكوبتر وهي تهاجم الأبرياء هذا ليس ضد الحرب.

ويضيف: "اعتقدت دائمًا أن الفيلم المثالي المناهض للحرب سيكون قصة في العراق عن عائلة كانت ستزوج ابنتها وتنتظر قدوم الأقارب من مختلف القرى لحضور حفل الزفاف، ينجح الناس في القدوم فعلا وستكون هناك بعض المخاطر لكن لن ينفجر أحد أو يصاب بأذى وسينتهي الفيلم بمشهد وهم يرقصون في حفل الزفاف، سيكون ذلك فيلما معاديا للحرب، لا يمكن لفيلم مناهض للحرب أن يمجد الحرب، ويمكن القول: إن Apocalypse Now يفعل ذلك.



اضف تعليق