بعد سقوط أول ضحية أمريكية.. هل ينتهي الجدل حول السجائر الإلكترونية؟


٢٤ أغسطس ٢٠١٩ - ٠١:٣٢ م بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

لسنوات طويلة، دعا خبراء وعلماء، إلى استبدال السجائر التقليدية، بالنسخة المُعدلة تقنيًا منها، والمعروفة اختصارًا بـ"السجائر الإلكترونية"، والتي طالما تغنى الداعون لاعتمادها، لفوائدها الجمة، في تقليل أخطار النيكتوين الضار على صحة الإنسان -المُدخن تحديدًا- فضلًا عن مساعدتها لشريحة المُدخنين، في الإقلاع تدريجيًا عن تلك العادة السيئة.

وبعد فترة قصيرة، تبدد الحلم، لتكشف دراسة علمية حديثة، عن أضرار وصلت حد الكوارث، التي ربما لا تحقق الغاية من استخدام "السجائر الإلكترونية"، لتتحول مثل نظيرتها التقليدية، إلى نقمة، وبلاء أسود، أسفر مؤخرًا عن سقوط ضحية جديدة، من قلب الدولة العظمى في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية.

كارثة جديدة


يبدو أن الجدل، العقيم في الحقيقة، حول جدوى السجائر الإلكترونية، في طريقه إلى الحسم، خاصة بعد تسجيل حالات إصابة في الرئة، وصلت حد الوفاة، بالإضافة إلى انفجارات للسجائر في وجه المراهقين.

وما قد يدفع ذلك الجدل، نحو الهاوية، هو الإعلان عن تسجيل أول حالة وفاة، من داخل الولايات المتحدة الأمريكية، اليوم السبت، وقد اتضح ارتباطها بالسجائر الإلكترونية، خاصةً بعد ورود حالات عدة مصابة بأمراض في الرئة.

وقد تم الإعلان عن حالة الوفاة التي سجلت في ولاية إيلينوي، خلال مؤتمر عبر الهاتف مع صحفيين عقده مسؤولون من مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها وإدارة الغذاء والدواء ووزارة الصحة بولاية إيلينوي الأمريكية.

وقالت المسؤولة الطبية في ولاية إلينوي، جنيفر لايدن: "تلقينا بالأمس تقريرا عن وفاة شخص بالغ نقل إلى المستشفى بعد تعرضه لأزمة تنفسية شديدة جراء تدخينه السجائر الإلكترونية".

ورفضت المسؤولة، الإفصاح عن جنس المريض، لكنها قالت: إن أعمار المرضى، الذين عولجوا في الولاية إلى حد الآن تراوح بين 17 و38 عاما.

وفي أحدث الإحصاءات حول الإصابة بأمراض مباشرة على الأرجح بسبب السجائر الإلكترونية، أكدت السلطات الامريكية تسجيل أكثر من 190 حالة مرضية في 22 ولاية ترتبط على ما يبدو بتدخين السجائر الإلكترونية، في يونيو الماضي.

وأوضحت السلطات، أنها لم تحدد مركباً أو منتجاً يتسبب في الأمراض التنفسية.

وقال مسؤول قسم الصحة في إلينوي، نغوزي إزيكي إن "شدة الأعراض التي يعانيها هؤلاء مقلقة وعلينا أن نحذر من أن استخدام السجائر الإلكترونية قد يكون خطرا على الصحة".

لكن إيلينا أرياس نائبة مدير قسم الأمراض غير المعدية بالإنابة في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، أوضحت أنه رغم أن الحالات بدت متشابهة "فمن غير الواضح إذا ما كان هناك سبب مشترك وراء هذه الحالات".

يأتي البيان الأمريكي بعد إعلان مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، الأربعاء، تسجيل 153 حالة مرضية مرتبطة بتدخين السجائر الإلكترونية.

الجدل بين السجائر الإلكترونية والتقليدية



بنظرة سريعة، على الجدل الحاصل بين السجائر الإلكترونية والتقليدية، قبل أن يجدد فيه جديد مؤخرًا، نجد أن الأصل في الموضوع، جاء بعد مناشدات بالبحث عن بدائل للسجائر التقليدية، بعد التحقق من أضرارها الفعلية، التي وصلت إلى حد الوفاة، فضلًا عن فتاوى شرعية ودينية بتحريمها، في بعض المجتمعات المحافظة، ما استدعى البحث عن بديل عاجل.

وإجمالًا، يقوم مبدأ عمل السّجائر التّقليدية على حرق التبغ، لإنتاج دخانٍ يحتوي على النيكوتين ولكنّه يحتوي أيضاً على قائمةٍ من المضرّات: كغازات الحرق وما يقارب 7000 مادةٍ كيميائيةٍ أخرى، تعرّض الرئتين والجسد المستمر لقطران التبغ ونواتج حرقه يؤدي لمضاعفاتٍ لا تعدّ ولا تحصى: كالأمراض التنفسية والسرطانات بأنواعها، ولأن السجائر فيها مادة  النيكوتين الإدمانية، فإن المدخن يستمر بعادة التدخين دون المقدرة على الإقلاع رغم علمه بالمشاكل الصحية التي يعرض نفسه لها.

وسريعًا ظهرت بعض البدائل، التي يمكن اعتبارها "بدائية" بعض الشيء، مثل "العلكة"، وملصقات وأدوية تمدّ المدخن بالنيكوتين، بحيث يزوّد جسد المدخن بهذه المادة التي أدمن عليها، دون الاستعانة بالسجائر، فبالتالي نجنبه أضرار قطران التدخين وغازات الحرق.

لكن المثير للغرابة أنه حتى مع استخدام هذه الحلول لم يتمكن معظم المدخنين من الإقلاع عن السجائر، مما أظهر أن جانباً كبيراً من الإدمان هو إدمان نفسي، حيث وردت ادّعاءات بأنّ علكة النيكوتين تزيد احتماليّة الإصابة بسرطانات الفمّ.

وهنا، عادت رحلة البحث عن بدائل إلى نقطة الصفر من جديد، حتى جاءت الفكرة بصنع سائلٍ يحتوي على النيكوتين ويتم تسخينه -لا حرقه- بوساطة جهازٍ ينتج بخاراً -لا دخاناً- أي لا ينتج غازات حرق ولا قطران، ولكنه يزود المدخن بشيئين: النيكوتين الذي أدمنه جسده، ونفس التجربة التي اعتاد عليها فلا ينتزع منه إدمانه النفسي، وفعلا تم تطبيق ذلك، وظهرت وأنتجت السجائر الإلكترونية.

في البداية، أثبتت دراسة أن ثُلث مسخدمي السجائر الإلكترونية، يقلعون عن التدخين بغضون ستة أشهرٍ من استخدامها، بالمقارنة مع 17% فقط تمكنوا من الإقلاع عن التدخين باستخدام بدائل النيكوتين الأخرى كالعلكة والملصقات.

ومع ذلك بقي هناك معارضون شديدون لهذا المنتج، للأسباب التالية:

* السجائر الإلكترونية تعد منتجاً حديثاً نسبياً لم يخضع للكثير من الدراسات، فلا يمكننا الوثوق به تماماً قبل إجراء عددٍ كافٍ من الدراسات ورؤية الآثار التي سيخلفها بعد سنين من الآن.

* السائل الذي يتم استخدامه فيها يحتوي على مواد كيميائية تختلف باختلاف الشركة المصنعة، بسبب قلة الضوابط الموجوده على تصنيعه، ومجدداً لم يخضع لدراساتٍ كافية لمعرفة آثاره المستقبليّة.

* هذه المواد الكيميائية بعضها مُسرطنٌ، لكن نسبتها في السجائر الالكترونية أقل بـــ١٠-١٠٠ مرة منها في السجائر التقليدية، مما يعني أنها ما زالت بديلاً أفضل!.

حديثًا، أثارت دراسة أمريكية حديثة، جدلا حول السجائر الإلكترونية، إذ حذرت الدراسة من أن السجائر تُحدث في الخلايا التغييرات ذاتها التي تنجم عن سجائر التبغ التقليدية، والتي تشمل انتفاخ الرئة.

وبحسب الدراسة، التي قام باحثون بكلية الطب بجامعة نورث كارولينا الأمريكية، أجرى الفريق دراسته لاكتشاف تأثير أبخرة السجائر الإلكترونية على زيادة مستويات إنزيمات تعرف بـ"البروتياز" (Protease).

وعادة تساهم سجائر التبغ التقليدية في زيادة مستويات إنزيمات "البروتياز"، وهي حالة تعرف بأنها تسبب انتفاخ الرئة لدى المدخنين.

وراقب الفريق 41 شخصًا، وكان من بينهم من يدخنون السجائر الإلكترونية، والقسم الثاني يدخنون السجائر التقليدية، فيما كانت المجموعة الثالثة لا تدخن مطلقا.

ووجد الباحثون أن النيكوتين الموجود في سوائل التبخير مسؤول عن زيادة إفراز إنزيمات "البروتياز" بنفس الطريقة والمستويات التي تحدثها السجائر التقليدية، فيما لم يحدث ذلك لدى غير المدخنين.

ومن المعروف أن الخلايا المناعية في الرئتين تفرز هذه الإنزيمات بمستويات مرتفعة، في رد فعل على دخان السجائر.

وتحدث المستويات المرتفعة من هذه الأنزيمات أضرارًا في هياكل كيس الهواء الحساسة في الرئتين التي تسمح للإنسان بالتنفس، وبالنسبة للمدخنين، يُعتقد أن هذا الضرر يسبب انتفاخ الرئة.

كانت دراسات سابقة كشفت أن النكهات المستخدمة في السجائر الإلكترونية تسبب استجابات التهابية وتأكسدية في خلايا الرئة، كما أن أثار تلك النكهات يمتد إلي الدم، فهي سامة وتتسبب في الموت المبرمج لخلايا الدم البيضاء.

منظمة الصحة العالمية أيضا نشرت تقريرا في 2015 حذرت فيه من أن السجائر الإلكترونية تحتوي على مواد سامة ضارة بالصحة. ‎

أخيرًا، ووفقًا للمنظمة، فإن التبغ يقتل ما يقرب من 6 ملايين شخص بإقليم شرق المتوسط سنويًا، بينهم أكثر من 5 ملايين متعاطين سابقين وحاليين للتبغ، وحوالي 600 ألف شخص من غير المدخنين المعرضين للتدخين السلبي.



اضف تعليق