استقالة الجنرالات في تركيا.. زلزال عنيف يهز عرش أردوغان


٢٧ أغسطس ٢٠١٩ - ١١:٠٨ ص بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

استقالات بمرارة الانشقاقات، ذلك هو الحال الذي آلت أوضاع المؤسسة العسكرية في تركيا مؤخرًا، وخاصة على مستوى الجنرالات بعد الضباط، وبشكل أكثر تحديدًا في مرحلة ما بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، التي أيقظت "مارد الانتقام"، داخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي وجد فيها فرصة للتخلص من خصومه، بعد سلسلة من الانقلابات العسكرية التي شهدتها مركز الخلافة العثمانية السابق.
 
وقد أسهمت الانقلاب العسكري الفاشل، في فتح المجال أمام ممثل جديد لـ "تيار الإسلام السياسي"، باحث عن عودة أمجاد العثمانين من جديد، لتثبيث دعائم حكمٍ، يعاني هزات عنيفة في السنوات الأخيرة، مع تراجع شديدة في شعبيته، ليس على مستوى الانسحابات في داخله، أو حتى على مستوى الانتقادات من رموزه وأنصاره السابقين فحسب، وإنما كللت مؤخرًا بخسارة فادحة في الانتخابات البلدية.

استقالات الجنرالات.. بداية الأزمة


ربما تشكل استقالات الجنرالات، داخل الجيش التركي، بداية مسلسل أزمات لن ينتهي، ربما إلا بحصار لمعسكر العدالة والتنمية الحاكم، وربما محاولة انقلابية جديدة تنجح هذه المرة في اجتثاثه من قصر بشتبيه في أنقرة، وتلقى دعمًا وقبولًا أكثر، ممن ذاقوا مرارة طغيان أردوغان، وتسلطه، بل وفشله على المستوى الاقتصادي، والسياسي، وأخيرًا العسكري.

فقبل يومين، أثار خبر استقالة عدد من الجنرالات داخل الجيش التركي، ضجة كبيرة بلغت صداها وسائل الإعلام التركية، إلا أن وزارة الدفاع التركية تتعامل معها، على سبيل الشائعة، أو الفقاعة من قبل "المغرضين وأعداء الوطن والدولة!"، حيث لم يصدر أي بيانٍ رسمي يؤكد أو ينفي صحة هذا الخبر حتى الساعة.

وفي التفاصيل، حيث كشفت وسائل إعلامٍ تُركية عن أن خمسة جنرالات أتراك قدّموا طلبات إحالتهم إلى التقاعد، مساء الأحد، على خلفية رفضهم لقراراتٍ صدرت مؤخراً عن مجلس الشورى العسكري في البلاد.

والجنرالات الخمسة هم أحمد آرجان تشوبارجي، المسؤول عن ملف نقاط المراقبة التركية في محافظة إدلب السورية ومساعده، بالإضافة لثلاثة آخرين من بينهم عمر فاروق بوزدمير ورجب بوزدمير، وكلاهما يقودان قواتٍ بريّة خلال العمليات العسكرية التي يخوضها الجيش التركي ضد مقاتلي حزب "العمال الكردستاني" في جنوب شرقي البلاد.

وإجمالًا، ترجع تفاصيل الأزمة، إلى أوائل شهر أغسطس/ آب الجاري، حيث عقد مجلس الشورى العسكري، اجتماعًا، لبحث ترقياتٍ صادق عليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعد مرور ساعةٍ واحدة من ذلك الاجتماع، بالرغم من أن مثل هذه الاجتماعات تستغرق عادةً نحو 8 ساعات، الأمر الذي دفع بالجنرالات الخمسة إلى اتخاذ هذا القرا،ر واعتبار أن الترقيات الصادرة "لم تستند على الكفاءة أو الأقدمية".

وكأن الأسباب قد تجمعت لاتخاذ قرارات وإجراءات ربما لا تصب في صالح أردوغان وأعوانه، وإن كانت البداية من أردوغان نفسه، ففي الأسبوع الماضي عزلت وزارة الداخلية التركية، رؤساءِ ثلاث بلدياتٍ ينتمون لحزب "الشعوب الديمقراطي" الموالي للأكراد، لتندلع في أعقابه احتجاجات غاضبة في عموم تركيا، كان أكبرها في مدنِ ديار بكر ووان وماردين التي عُزلت رؤساء بلدياتها، بالإضافة لتظاهراتٍ أخرى في إسطنبول.

مجلس الشورى العسكري.. ذراع أردوغان الجديدة


كما ذكرنا، وبعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو 2016، بات أردوغان وحزبه، المهيمنين تمامًا على الحياة العامة في تركيا، بشقوقها السياسية والأمنية والاقتصادية، وأخيرًا العسكرية.

وربما لم تأتي تلك الهيمنة، عقب الانقلاب الفاشل فحسب، وإنما سبقتها تحويل مسار الجمهورية التركية، ونظامها السياسي، من البرلماني إلى الرئاسي، ليتحول معها أردوغان نفسه من رئيس الوزراء إلى الرئيس، لتكتمل بذلك فصول السيطرة التامة على مفاصل الدولة.

ومن أردوغان إلى مجلس الشورى العسكري، الذي وصف مؤخرًا كونه ذراع حزب العدالة والتنمية، والرئيس التركي في القلب منه، داخل المؤسسة العسكرية العريقة في أوروبا، حيث وتحدث منتقدون عن أن حزب العدالة والتنمية الحاكم بات يقرر الترقيات في صفوف الجيش عبر المجلس الممثل للقيادة العليا في الجيش.

فخلال الفترة الأخيرة، شملت قرارات مجلس الشورى العسكري تقليصًا لعدد الجنرالات داخل الجيش إلى النصف، سبقها، تمرير الرئيس التركي عدة تعديلات على قانون الخدمة العسكرية الإلزامية في البرلمان الذي يهيمن عليه حزب العدالة والتنمية، والتي من شأنها أن تقلص عديد الجيش التركي بمقدار الثلث، وذلك بحجة "الانتقال إلى تشكيل جيش احترافي، أقل كلفة وأقل عددا".

يُذكر الرئيس التركي قد استغل المحاولة الانقلابية الفاشلة قبل أكثر من 3 سنوات، لإجراء عملية تصفية كبيرة أو إن شئنا القول انتقام غاشم داخل المؤسسة العسكرية، شملت جميع الضباط الصغار من غير الموالين له، تبعه بشكلٍ تدريجي، وعلى مدار الثلاث سنوات الماضية، التخلص من كبار الجنرالات والضباط، مع دفع عدد من صغار الضباط الموالين له لترقيات سريعة من أجل إحكام سيطرته على مفاصل الجيش.

السياسة الخارجية.. عبء آخر


يبدو أن السياسة الخارجية التركية الفاشلة في الحقيقة، بدأت تشكل نوعًا من الغضب، ليس على المستوى الشعبي فقط، وإنما تغلغلت داخل المؤسسة العسكرية، التي ينظر إليها دومًا بأنها رأس الحربة في استقرار الأنظمة السياسية من عدمه في تركيا.

فعلى ذكر استقالات الجنرالات، فقد رجحت معلومات، أن يكون دافعها مرتبطا بالتطورات الأخيرة لمعركة إدلب شمال سوريا، والتي لا تصب مطلقًا في صالح الأتراك.

وكشفت أوساط سياسية تركية عن تململ ظهر لدى الصفوف القيادية في الجيش التركي، بعد الفشل الذريع الذي مني به أردوغان في إدلب إثر سقوط التفاهمات التي لوّح بها دائما للمؤسسة العسكرية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

واعتبرت هذه الأوساط أن فشل أردوغان تسبب بإهانة الجيش التركي والنيل من سمعته بعد قيام طيران روسي سوري بالإغارة على رتل للقوات التركية، وبعد قيام قوات النظام السوري بمحاصرة نقطة المراقبة العسكرية التركية في مورك.

ويبقى الفشل الأكبر للجيش التركي، الذي يأتمر بأوامر "الخليفة أردوغان"، متمثلًا في عجز القيادة السياسية، عن إتمام التفاهمات التي يقوم بها أردوغان مع واشنطن وموسكو لتثبيت واقع أمني لصالح تركيا في سوريا، سواءً غرب الفرات مع روسيا، أو شرق الفرات مع الولايات المتحدة بنجاح.

وينقل عن أوساط مقربة من المؤسسة العسكرية التركية أن الجيش غير مرتاح لزجّه في سياسات أردوغان لدعم الإسلام السياسي، وينظر بعين الريبة إلى القاعدة العسكرية والوجود العسكري التركي في قطر وبالدور الذي تقوم به تركيا في ليبيا.

وقال خبراء في شؤون المؤسسة العسكرية إن الجيش التركي يعتبر نفسه جزءا من منظومة الحلف الأطلسي وهو غير مرتاح لخيارات أردوغان التي تميل إلى روسيا، لاسيما بعد إصراره على حصول تركيا على منظومة أس-400 الصاروخية الروسية، على الرغم مما يثيره الأمر من ابتعاد عن واشنطن وعن حلف الناتو.

وأخيرًا وليس بآخر على ما يبدو، يلفت مراقبون إلى أن احتمال تطوّر حالات الانشقاق داخل المؤسسة العسكرية بات محتملا، وهو خطير إذا ما التحق بالانشقاقات التي قامت بها قيادات تعتبر تاريخية داخل حزب العدالة والتنمية.

ويضيف هؤلاء أن الانشقاقات العسكرية قد تنهل من أجواء الانشقاقات السياسية التي نشأت عن قيام رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو ورئيس الجمهورية السابق عبدالله غول ووزير المالية السابق على باباجان وقيادات أخرى بتحدي أردوغان والانفصال عنه والعمل على تشكيل بديل سياسي منافس لحزب العدالة والتنمية.


اضف تعليق