لعنة التطرف والهجرة غير الشرعية تقضُّ مضجع أوروبا.. الأسباب والمعالجات


٢٨ أغسطس ٢٠١٩ - ١١:٣٣ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد

ما زالت الهجرة والتطرف، تعصف بدول أوروبا من الداخل، وتثير الانقسام. ورغم جهود دول أوروبا، في معالجات أسباب الهجرة والتطرف، محليًا وفي الدول المصدرة لها.

وكانت مسارات موجات الهجرة إلى أوروبا، تتركز، عبر بوابة ليبيا المرتبط في غرب وشمال أفريقيا وكذلك عبر بوابة تركيا المرتبطة في سوريا والعراق ودول المنطقة. تدرك المفوضية الأوروبية، إن هناك ثغرات أمنية في جدار امنها، أبرزها ليبيا وتركيا، باعتبارهما، بوابة عبور إلى الهجرة غير الشرعية، وهذا ما دفع دول الاتحاد الأوروبي إلى عقد اتفاق مع تركيا عام 2016، لمسك حدودها، مقابل الحصول على  مليارات الدولارات سنويًا، يفترض أن يتم انفاقها على مخيمات اللجوء في تركيا.

الاتفاق التركي الأوروبي

بموجب الاتفاقية وعد الاتحاد الأوروبي بدفع مبلغ 6 مليار دولار لتركيا، على أن تذهب تلك الأموال لدعم مشاريع يستفيد منها اللاجئون السوريون في تركيا.

وتقول المفوضية الأوروبية: إن الثلاث مليارات يورو المدفوعة تم بها تمويل تعليم نصف مليون طفل. هذا في حين تقول أنقرة إنها لم يُدفع لها حتى الآن إلا مليار و850 ألف يورو وأن تلك الأموال لا تذهب إلى خزينة الدولة التركية.

ويقول الخبير في سياسة اللجوء والأستاذ الجامعي التركي باشاك يافكان: إن الكثير من المال المدفوع يذهب إلى المصاريف الإدارية لمنظمات المجتمع المدني الدولية العاملة في تركيا على رعايا اللاجئين، ومن هنا يردف الأستاذ التركي في تصريح خاص بـDW: "لا يصل اللاجئين منها إلا النزر اليسير".

بوابة أفريقيا

بذلت دول أوروبا مساعي حثيثة من اجل إيجاد حلول جذرية للهجرة غير الشرعية في أفريقيا، الدول المصدرة لها، وأبرز هذه الحلول هي التنمية الاقتصادية بمفهومها الشامل والتي تركز على إيجاد مشاريع تنموية لمعالجة البطالة. الخطوة كانت بالفعل، بالاتجاه الصحيح، وخاصة المانيا بذلت الكثير من الجهود، من خلال الزيارات المتبادلة مع دول أفريقيا وكذلك عقد منتديات ومؤتمرات دولية وإقليمية لمعالجة معضلة الهجرة والتطرف هناك. لكن المشكلة أن جهود دول أوروبا منفردة وكذلك جهود المفوضية الاوروبية، كانت متواضعة جدًا، لا ترتقي إلى حجمها السياسي واقتصادياتها.

تواجه أفريقيا جنوب الصحراء كمّاً هائلاً من التحديات المصيرية، أهمها أن 60 في المائة من مواطنيها لم يتجاوزوا سنّ الخامسة والعشرين، معظمهم يعانون من الفقر والاضطهاد. علمًا أن 90 في المائة ممن يعبرون المتوسط إلى أوروبا، يفعلون ذلك عن طريق ليبيا، بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وتقول دراسة -نشرتها منشورة في 13 مارس 2019 بعنوان "حماة أوروبا في أفريقيا"- تتلقى دول أفريقية مبالغ بالمليارات لتكون سدودًا منيعة تمنع تسرب اللاجئين إلى أوروبا. مساعدات تنموية مشروطة، يحصل عليها فقط من يدعم أوروبا في الحد من الهجرة إليها. إنها سياسة تستفيد منها شركات السلاح والأمن. الفيلم الوثائقي يتتبع في اثني عشر بلدًا الحدود التي وضعتها أوروبا لنفسها داخل القارة السمراء.

تعد الدول الأفريقية، خاصة النيجر والسودان وليبيا بلدان العبور الرئيسية الثلاثة التي يمر بها المهاجرون قبل عبور البحر المتوسط إلى أوروبا، وأقام الاتحاد الأوروبي عدّة شراكات في تلك الدول من شأنها أن تحد من تدفق طالبي اللجوء إلى أوروبا، ويشدّد الخبراء على أن مشكلة اللاجئين الأفارقة من بين أخطر المشاكل التي ينبغي على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته، حيث تقف ظروف المعيشة في الدول الأفريقية عاملا أساسيا وراء تفاقم ظاهرة الهجرة غير الشرعية.

مسارات الجنوب الليبي، التي يُسّيجها 1550 ميلاً صحراوياً، على حدود تشاد والنيجر والسودان والجزائر، والمتدفقة إلى قبائل القرعان و"الرجال الزرق" (الطوارق) وبني سليم، هكذا، تقضُّ لعنةُ الهجرة غير الشرعية مضجع أوروبا.

كشف تقرير في ديسمبر 2017  أن الفقر وتدهور الحالات الاقتصادية والاجتماعية يؤدى إلى هجرة الملايين من البشر في جميع أنحاء العالم، وبالتالي استمرار موجات الهجرة، لا سيما إلى أوروبا، وبينما كان العدد الأكبر من طالبي اللجوء في أوروبا في عام 2016  من السوريين والأفغان والعراقيين، كان العدد الأكبر في عام 2017 من السوريين والأفغان والنيجيريين.

وفقا لرأي العديد من الخبراء المعنيين بمحاربة التطرف، فإنه من الصعب الوقوف على العناصر المشتركة بين هؤلاء الشباب النازحين نحو التطرف، ثم إنه من الواضح أن تلعب أمور مثل التعليم أو الموطن الأصلي أو مستوى المعيشة، دورًا في ذلك، كما يرى ماثيو فرانسيس، المشارك في دراسة عن التطرف بجامعة لانكاستر، أن الأشخاص البريطانيين المنضمين لتنظيم داعش ينحدرون من مختلف أنحاء بريطانيا، وأن عددًا منهم حصل على تعليم جيد ودرس في الجامعة. أحدهم ينحدر من كارديف وكان يحلم بالوصول إلى منصب رئيس الوزراء البريطاني.

التطرف المستورد

شهدت دول أوسطية وأفريقيا، غربها وشرقها وشمالها، صراعات ونزاعات سياسية إقليمية ومحلية، وهذه الصراعات، بدون شك تغذي الميول نحو التطرف، وهذا ما يجمع عليه المعنيون في محاربة التطرف وعلماء الاجتماع. وجدت الجماعات المتطرفة في دول المنطقة اوسطية وأفريقية، في دول أوروبا "ملاذ" أمن، لاستعادة نشاطها من داخل أوروبا، بعد ان وضعت أوروبا نصب أعينها وربما يعود ذلك إلى ما يلي:

ـ استغلال مساحة الحرية في دول أوروبا

ـ حرية الحركة عبر حدود دول أوروبا والتنقل، خاصة داخل فضاء الشنغن، والذي أصبح ثغرة أمنية من داخل دول أوروبا.

يرى أنتوني جليس، مسؤول الدراسات الأمنية والمعلوماتية بجامعة باكنجهام، أن المشكلة تكمن في منطلقات الجذور الثقافية، إذ أن السياسة الغربية التعددية تمنح القيادات الدينية المتوجهة سياسيا، الغطاء الضروري للتواصل مع الشباب ويستدرك قائلا: "إنهم يستغلون اعترافنا المطلق بحرية الرأي والتعبير من أجل تجنيد الأشخاص".

ـ إن تنفيذ عمليات داخل أوروبا والغرب، يعني حصولها على مزيد من التغطية الاعلامية والاهتمام، ويعيد هذه الجماعات المتطرفة، إلى واجهة "المشهد الجهادي".

ـ حصول الأشخاص والجماعات على الدعم المالي من داخل أوروبا من خلال بعض المشايخ والجماعات الإسلاموية المتطرفة.

ـ توفر المنصات الاليكترونية ومساحة من الحرية، لنشر خطاب التطرف والكراهية، من أجل إيجاد مجتمع مواز للمجتمعات الاوروبية، يساعد على الانقسام، ويصب في شعبوية هذه الجماعات المتطرفة.

التطرف المحلي من داخل أوروبا

مازالت مسألة نزوح شباب يعيش في أوروبا في بيئة" مستريحة" لا تجد إجابة عند المعنيين في محاربة التطرف والإرهاب. السؤال، كيف ينزح الشباب داخل أوروبا نحو التطرف، رغم ما يتوفر له من ظروف معيشية افضل من دول المنطقة؟

ولغرض الإجابة على ذلك، يقول المعنيون بسياسات محاربة التطرف والإرهاب، إنه لا توجد خلفية واحدة للشباب الذين التحقوا بالتنظيمات المتطرفة محليًا أو في صفوف تنظيمات داعش والجماعات المتطرفة خارج أوروبا. لكن يمكن تحديد الأسباب التالية وهي:

ـ البحث عن الهوية: أغلب الذين التحقوا بالتطرف داخل أوروبا أو خارجها، كانوا من اصول عربية أو أسيوية إسلامية، خبراء علم الاجتماع والنفس يقولون: إن بعض الشباب "يضيع" ولا يجد نفسه ما بين البلد الذي يعيش فيه داخل أوروبا والبلد الأصلي وإن ولد في أوروبا. الزيارات إلى البلد الأم هي مطلوبة، لكن تكون سلبية، عندما يشهد البلد الأم الفوضى والفراغ السياسي واجتياح التنظيمات المتطرفة له، ليتحول إلى نقطة جذب وتجنيد للشباب ومنها مزدوجي الجنسية، كونهم يمثلون قيمة "نوعية" عند التنظيمات المتطرفة، يكونون خلالها عرضة للاستقطاب والجذب والتجنيد. إن خلفيات بعض العناصر الذين نزحوا نحو التطرف ونفذوا عمليات إرهابية في أوروبا اكدت تلك الحقيقة.

وترصد إرين ماريا سالتمان، الباحثة المتخصصة في مؤسسة كويليام، فكرة التعميم فيما يتعلق ببحث الأسباب خلف التطرف لدى الشباب وتقول في دراسة بشأن ميول المشاركة في الجهاد: "الشباب المسلم من الجيل الثاني والثالث للمهاجرين هم المستهدفون في الغالب، لكن هناك أيضا حالات يكون أبطالها من الأشخاص الذين تحولوا للإسلام“.

 وتوضح الباحثة، أن الأشخاص الذين يتم تجنيدهم لهذه التنظيمات، لديهم عادة شعور الإحساس بالتميز في عالم يبدو لهم فيه تحقيق الثروة من المستحيلات، ومثل هذا الشعور بفقدان الأمل هو ما تستغله الجماعات المتطرفة لتحقيق أهدافها من خلال إقناع هؤلاء الشباب بالانضمام لجماعات قوية، ترتبط صورتها بمغامرة القيام بتغيير العالم. كثيرا ما تتم عملية تجنيد الشباب لهذه الجماعات في الجامعات أو السجون، وتعتمد بشكل كبير على فكرة الانتشار ونقلها بين الأشخاص عبر الإنترنت .

ـ الشعور بالتهميش وإن كان شعورا خاطئًا

بعض أبناء الجاليات العربية والاسلامية، يعيش حالة من الفشل، بالحصول على فرصة لإكمال تعليمه أو ربما الحصول على فرصة عمل، وهذا يعني، أن الشاب يجد نفسه خارج "المنظومة الاجتماعية" داخل أوروبا البلد الذي يعيش فيه، يدفعه للعزلة عن المجتمع الأوروبي وينغلق على نفسه.

إن عزلة الشباب في أوروبا وعدم الاختلاط بسبب ظروف العمل والدراسة، تدفعه إلى إيجاد مجموعات موازية للمجتمع الأوروبي، يصب جل غضبه على دول أوروبا، ليكون بعد ذلك مادة للتجنيد من قبل الجماعات الإسلاموية المتطرفة، إما عبر تردده إلى بعض المراكز او المساجد غير المصرحة والتي تدعو إلى التطرف، أو إلى الإنترنت.

الميول للتطرف في هذه الحالة، لا يعني بالضبط أن "يؤمن" الشخص، بالإيدلوجية المتطرفة، بقدر ما تكون محاولة منه "للثأر" وهذا ما كشفته أجهزة الاستخبارات الأوروبية، بالتحقق مع أغلب المتورطين في عمليات إرهابية خاصة عمليات إرهابية محدودة.

ـ الإدمان والمخدرات والضغوطات النفسية والفشل داخل الأسرة.

استقطبت الجماعات الإسلاموية المتطرفة، الأشخاص الذين يعانون من ضغوطات "أسرية" اجتماعية أو من حالات الإدمان على المخدرات، لتنفيذ عمليات إرهابية، بعد تعرضهم للتجنيد "غسل الدماغ".

المعالجات

ـ بذل دول أوروبا مساعي وجهود أوسع، من أجل إيجاد حلول سياسية في الدول والمناطق التي تشهد نزاعات محلية وإقليمية، في أفريقيا ودول الشرق الأوسط.

ورغم ما تبذله دول أوروبا من مساعي في هذا الاتجاه، لكن هناك انتقادات، لها بأن تلك الجهود لا ترتقي لحجم دول أوروبا السياسي والاقتصادي. وهذا يعني أن المطلوب من دول أوروبا بذل جهود أوسع، كون ما يجري في دول المنطقة له ارتدادات كبيرة مباشرة على أمن دول أوروبا. ما تحتاجه دول أوروبا، في هذا المجال هو "الاستباق" من أجل الوصول إلى خيارات سياسية في حل النزاعات.

ـ إن العامل الاقتصادي لبعض الدول، جعلها، دول مصدرة للهجرة والتطرف، وهذا يعني أن المطلوب من دول أوروبا وكذلك الأمم المتحدة، والمنتديات الإقليمية والدولية، ان تعمل بشكل أوسع من أجل دعم تلك الدول التي تعيش أوضاعا اقتصادية سيئة، من أجل تحقيق التنمية.

الخبراء والمعنيون في الاقتصاد والتنمية والتي تصب في معالجات الهجرة والتطرف، تتطلب أن تشرف الدول المانحة والأمم المتحدة بنفسها على برامج التنمية الاقتصادية، أكثر ما تدخل في ميزانية الحكومات المحلية، من أجل تجنب الفساد السياسي هناك.

ـ أن تكون هناك منتديات مشتركة بين الدول المانحة، دول الغرب الغنية والدول التي تعاني من نقص القدرات والإمكانيات وربما الفوضى، على أن تكون هناك اجتماعات جانبية على هامش تلك المؤتمرات، من أجل تبني مشاريع تنموية في تلك الدول، وإن كانت مشاريع محدودة، أكثر من اعتماد البيانات الختامية والتصريحات الإعلامية، أي الأفضل تنفيض عمل مشاريع تنموية ذات نتائج على الأرض، هذه من شأنها أن تكون عامل منع وتخفيف دفع الشباب نحو الهجرة والتطرف.



الكلمات الدلالية الهجرة غير الشرعية

اضف تعليق