ناجي المستشرف.. نبوءة أم بعد نظر‎


٠٢ سبتمبر ٢٠١٩ - ١٠:٠٩ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمد عبدالكريم 

القدس المحتلة – لغة الاستشراف يعني صعد البرج للاستشراف على المدينة، أي الإطلال عليها من أعلى والنظر إليها، والنبوءة تعني إخبار عن الغَيْب أَو المُسْتَقْبَل بإلهام من الله، معنيان يخبران عن رسومات كاريكاتورية للفنان الفلسطيني ناجي العلي.

الكاريكاتوريست ناجي العلي (1937-1987) بعيد إصابته برصاصة أطلقت من مسدس كاتم للصوت في لندن في 22 يوليو من العام 1987، طالت وجهه، ودخل بعدها في غيبوبة استمرت حتى 29 (أغسطس). 32 عاماً، وما زال اسم ناجي العلي حاضراً ومتوقداً، في فضح الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب تشبثه بالهوية الفلسطينية، واصراره على النضال عدا الجانب الرؤيوي من ناجي العلي، واستشرافه لأحداث حصلت بعد سنوات من تنفيذ رسوماته.

وفي نشاط ثقافي أشرف عليه الإعلامي خالد الفقية في مدينة رام الله، أمس الأحد، علق 260 رسمًا كاريكاتيرًا سيشاهدها المارة معلقة لأيام عدة، ظهرت مقولات ناجي العلي "الأمريكان اعترضوا على اسمك في الوفد الفلسطيني المفاوض، اختاروك لتكون في الوفد الإسرائيلي" في نقده لخطاب السلام الفلسطيني، ثم رسم المرأة التي ترقص بشمعدان إسرائيلي يحيط بها المصفقون العرب، في إشارة إلى التطبيع العربي.

وكذلك قوله -في أحد رسوماته- "خلينا نجيب الحجارة الصامدة في الفصائل الفلسطينية ونعمر بيتًا جديدًا"، في نقده للخلافات الداخلية الفلسطينية ومطلب إصلاح منظمة التحرير، التي ما زالت قائمة ومستمرة حتى بعد ثلاثة عقود على رحيله.

وكان الإعلامي والباحث خالد الفقيه قد أعد بحثا حول الرموز في رسومات ناجي العلي، وقال إنه امتلك نبوءة واستشرافا للعديد من المحطات السياسية وأبرزها تنبؤه بالانتفاضة الشعبية الأولى التي انطلقت بعد شهور من اغتياله عام 1987، حتى إنه توقع من خلال رسوماته أن يكون مخيم بلاطة للاجئين الفلسطينيين قرب مدينة نابلس إحدى بؤر هذه الانتفاضة المهمة، وكان ذلك.

وكان من أوائل المحذرين من بناء حكم ذاتي للفلسطينيين مقابل السلام مع إسرائيل، وفي أحد رسوماته عبر عنه باللباس الذي سيعري القضية الفلسطينية، وجاء اتفاق أوسلو بعد اغتياله بست سنوات (1993).

وتنبأ العلي بالتكالب على قوى المقاومة، وبالظاهرة التكفيرية التي انتشرت في العالم العربي، وكذلك بالفرقة الطائفية في العديد من الدول العربية. وبشكل مسبق أيضا، رسم ناجي العلي مستشرفا انهيار المعسكر الاشتراكي رغم كونه أحد حملة هذا الفكر.

وتعبيرا عن استمرار تأثير رسوماته، ما زالت شخصية "حنظلة" التي وقّع بها أعماله رمزا لمعظم الحركات الثورية في فلسطين وخارجها، وهي شعار حركة مقاطعة إسرائيل عالميا (بي دي إس).

الحدث بالنسبة إليه لا ينتهي، ولم تكن أعماله ردة فعل على المستجدات، بل منضوية تحت فكرته ومبدئه بالفكرة فلسطين. برسوماته البسيطة، استطاع أن يضع مقاربة ويربط بين ثلاثة أزمنة: الماضي الحاضر والمستقبل. ولو حاولنا تفحّص قدرة الفنان على وضع ثلاثة أزمنة في عمل فني واحد، لكان صعباً، واحتاج الى جدارية هائلة ليقول ما يريد في كل فكرة.

هناك العديد من رؤاه التي لم تتحقق حتى هذه المرحلة، بل هي آتية، وهذا يعني أنّ حياة ناجي العلي لم تنته، ولم تمت، هو حي من دون أدنى شك.



الكلمات الدلالية ناجي العلي

اضف تعليق