عبر قطبي القانون والأعمال.. تونس تزيح النخبة التقليدية


١٧ سبتمبر ٢٠١٩ - ٠٣:١٤ م بتوقيت جرينيتش

كتب - حسام عيد

ما بين رجلي القانون والأعمال.. تستشرف تونس مستقبلًا مزدهرًا لها ولأبنائها، يعيد لها مكانتها الإقليمية والدولية، فهي نموذج للحراك والانتقال الديمقراطي الحر كما يصفها قادة وزعماء العالم.

هكذا أسدل الستار على الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية المبكرة في تونس، بعد تصدر المرشحين، قيس سعيّد ونبيل القروي، بحصول الأول على 18.4% من أصوات الناخبين، مقابل 15.6% للثاني، وفق ما أعلنته الهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

ليتأهل كلاهما إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية المبكرة المقرر عقدها قبل حلول الـ13 من أكتوبر القادم.

الجولة الأولى جاءت مغايرة للتوقعات بمشاهدها ونتائجها، والتي يمكن وصفها بالانتخابات الاستثنائية شكلًا ومضمونها، حيث أعلنت إزاحة الإسلاميين والنخبة السياسية التقليدية من المرحلة المقبلة في تاريخ البلاد الحديث.

عزوف الشباب السمة الأبرز

نتائج الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية أظهرت أن جزءًا من الشارع التونسي يرى أن قيس السعيد رجل المرحلة الراهنة وبينت أيضًا توجه جزء آخر نحو الأحزاب اليسارية، لكن المشهد العام يُظهر عزوف الشباب التونس عن الاقتراع بسبب المشاكل الاجتماعية، لعل أبرزها البطالة والفساد الذي يصفه الشباب التونسي بالمافيا المتفشية في مفاصل البلاد.

إحصائيات رقمية تشير إلى ارتفاع نسبة البطالة ووصولها لمعدل الـ30% مقارنة بالسنوات السابقة.

وبلغت نسبة التصويت 45.02%، وفق الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، التي قالت: إن عدد المصوتين بلغ 3 ملايين و10 آلاف و980 ناخبا. فيما كانت فئة الشباب أبرز الفئات الغائبة عن التصويت، وإن شارك جزء منهم، إلا أن كثيرا منهم قاطعوا الانتخابات.

ويعد الإقبال على هذه الانتخابات أدنى من مثيله في العام 2014 والتي وصلت نسبة المشاركة فيها 64%.

إزاحة النخبة التقليدية

تصدر قيس السعيد أستاذ القانون الدستوري ونبيل القروي قطب الإعلام ورجل الأعمال لنتائج الدورة الأولى دليل على قطيعة تونس مع الأحزاب التقليدية وبحثها عن البديل في ظل تحديات معقدة تواجه مستقبل أول دولة فتحت يديها لما يسمى بالربيع العربي.

نتائج تعتبر بمثابة "زلزال انتخابي" و"تصويت عقابي"، ذلك أن من شأنها إزاحة الطبقة السياسية التقليدية، فقد مني مرشحو أحزاب "النظام" بالهزيمة، حيث جاء عبدالفتاح مورو في المرتبة الثالثة وهو المرشح عن حزب حركة النهضة الحاكمة في تونس منذ 2011، بنسبة 12.9%، يليه وزير الدفاع الحالي عبدالكريم الزبيدي بـ10.73% ورئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد بـ7.3%.

التصويت العقابي "طال مرشحي المعارضة أيضا مثل محمد عبو الذي جاء بالمرتبة العاشرة بنسبة 3.6% وحمة الهمامي في المراتب الأخيرة بـ0.7%.

فيما حل الرئيس الأسبق المنصف المرزوفي في المرتبة الحادية عشر بنسبة 3%.

ويحكم تونس منذ 2015 ائتلاف حكومي يجمع أساسا بين "حداثيي" حركة نداء تونس وإسلاميي حركة النهضة.

انتكاسة للإسلاميين

نتائج الدورة الأولى حملت في طياتها انتكاسة غير مسبوقة لحركة النهضة الإسلامية في تونس، فدعوات تنحية راشد الغنوشي زعيم الحركة عن منصبة في تزايد بعدما فشل في استقطاب الناخبين وتجميعهم حول مرشحه عبدالفتاح مورو.

نتائج وكأنها كالزلزال الذي أحدث صدعًا في حركة إسلامية لطالما تحرص على التواجد منذ 2011 وربما تصدر المشهد السياسي في تونس، ليكشف عن تآكل القاعدة الانتخابية للحزب.

فالقيادي ومدير مكتب راشد الغنوشي، زبير الشهودي، سرعان ما أعلن استقالته من الحزب، داعيًا في الوقت ذاته، رئيس الحركة راشد الغنوشي المرشح إلى الانتخابات البرلمانية إلى اعتزال السياسة وملازمة بيته، كما طلب منه إبعاد صهره رفيق عبدالسلام وكل القيادات الذين دلسوا إرادة الناخبين داخل الحزب وقاموا بإقصاء كل المخالفين في الرأي، حسب تعبيره.

قيس سعيد.. خبير القانون المحافظ

يلقب بـ"الروبوكون" أو بالرجل الآلي بسبب إلقائه، فاللغة العربية لا تفارقه. قيس سعيد أستاذ متقاعد في القانون الدستوري يبلغ من العمر 61 عامًا يختلف عن باقي المرشحين إلى الرئاسة.

برز اسمه بعد ثورة الياسمين في 2011، حيث عرفه التونسيون من خلال مداخلاته الإعلامية كخبير في القانون الدستوري، وشد إليه معجبيه بفصاحة لسانه والتزامه بالحديث باللغة العربية الفصحى في المجالس الرسمية والعامة.

مرشح مستقل بلا رصيد سياسي، ويبدو رجلًا بسيطًا يملك مقرًا متواضعًا ولا يؤمن بالحملات الانتخابية.

حملته الانتخابية اعتمدت على التواصل المباشر مع الناخبين بين زيارات في الأسواق والأحياء الشعبية، وناقش مع التونسيين مطالبهم وجهًا لوجه.

هدفه الرئيسي هو إعطاء محوري للجهات وتوزيع السلطة على السلطات المحلية عبر تعديل الدستور، لكن برنامجه السياسي أثار جدلًا واسعًا حيث دافع بنبرة أستاذ جامعي عن أفكار محافظة، من بينها؛ إنه مع تطبيق عقوبة الإعدام وضد رفع تجريم المثلية، كما أنه رفض مبدأ المساواة في الميراث بين الرجل والمحسومة لأنها مسألة محسومة بحكم النص القرآني ولا مجال لتأويله.

فيما اتهمه البعض بأنه مقرب من السلفيين بعد أن ظهر في لقاء مع رضا بلحاج القيادي في حزب التحرير السلفي وعلق بالقول بأنه حر في مقابلة أي شخص.

نبيل القروي.. رجل الأعمال المعتقل

نبيل القروي رجل أعمال مثير للجدل ويبلغ من العمر 56 عامًا، يأتي ثانيًا بالمشهد الانتخابي ويتأهل إلى الجولة الثانية، رغم كونه معتقلًا.

استطلاعات الرأي من البداية أعطت القروي مرتبة متقدمة على منافسيه، لكن قبل انطلاق الحملة الانتخابية ألقت السلطات القبض عليه بتهمة تبييض الأموال والتهرب الضريبي، وهو ما يعتبره محاميه اعتقال وفق أهداف سياسية.

رجل المال والأعمال التونسي ربطته علاقات قوية بالرئيس السابق زين العابدين بن علي، كان حينها مالكًا لأكبر شركة إعلانات في المغرب العربي والمسماة "قروي قروي"، وبعدها قام بإطلاق قناة "نسمة" التلفزيونية الخاصة به.

بعد الثورة، اتُهم القروي بمحاولة التأثير على الشارع عبر قناته لكنه غير ولاءاته ودعم الرئيس الراحل قائد السبسي.

مالك قناة "نسمة" عُرف بالعمل الخيري ونشاطه الاجتماعي، وانشق لاحقًا عن حزب نداء تونس ليؤسس حزبه قلب تونس.

ومنع نبيل القروي من المشاركة في المناظرة التلفزيونية الأولى كما منع من تنشيط حملته الانتخابية، لتنوب عنه زوجته.

ورغم أنه لا يزال رهن الحبس المؤقت، أعلنت الهيئة العليا للانتخابات إنه في حال فاز نبيل القروي بالجولة الثانية، فسيتم إعلان فوزه "طالما لا يوجد حكم نهائي بحقه يمنعه من ممارسة حقوقه السياسية، أو بسجن أكثر من 10 سنوات.


نتائج الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية المبكرة في تونس كشفت أن هناك عدم ثقة في السياسيين في تونس مع استمرار تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، وهناك سعيا لتمكين وجوه جديدة من إدارة شأن البلاد ما قد يقدم بدائل جديدة.

ويتطلع التونسيون إلى أن يفتح الرئيس الجديد آفاقا اقتصادية واجتماعية جديدة، ويحارب البطالة ويقضي على الفساد وعلى حالة عدم الاستقرار السياسي في البلاد.



اضف تعليق