في ذكراه الأولى.. "جميل راتب" حرمته "نداهة" الفن من العائلة وتبناه الجمهور


١٩ سبتمبر ٢٠١٩ - ١٠:٠٥ ص بتوقيت جرينيتش

أماني ربيع

كان الفنان الراحل جميل راتب كتابا مفتوحا للجميع، وتقريبا قال كل شيء عن حياته، لذا يواجه من يكتب عنه صعوبة حقيقية في قول المزيد أو الجديد، الرجل واضح جدًا ويعرف ماذا يريد إنه معجون بماء الفن الذي غواه مثل "نداهة" القصص الشعبية في الريف المصري، فيما بعد قال إن رغبته في تحقيق ذاته كفنان أورثته أنانية في حياته الحقيقية جعلته زاهدا في تكوين عائلة وعيش حياة بالشكل التقليدي.

يقول في حوار له مع الناقد صلاح سرميني لموقع "سينماتوغراف": عندما أتأمل حياتي أفهم أنني كنت شخصا أنانيا، كان هدفي الوحيد والأهم هو المسرح والفن وبعدها تأتي الأمور الأخرى.

والمثير أن النجم ذو نبرة الصوت المميزة كان انطوائيًا وخجولا يعيش داخل نفسه، وأن شغفه بالتمثيل ربما كان دافعه الخروج من حالة الانطوائية تلك، ويتحول لشخص آخر.


منذ البداية اختار جميل راتب الانفلات من قيد العائلة وأن يكون هو بوصلة نفسه، وكان ذهابه إلى باريس وحيدا ولادة جديدة له، شعر هناك بالحرية وجعله الفن أكثر انفتاحا وثقافة، ربما نذكر دائما جميل راتب كشخص أرستقراطي ولكنه هرب من حياة عائلته الأرستقراطية لأنها لم تلائمه فهي جامدة وهو يتوق للتغيير ووجد في المجتمع الفني عائلة حقيقية يجد بينهم التفاهم المشترك الذي ربما يغيب بين أقارب الدم.

 ظل طوال حياته المديدة مثل طائر جناحاه بين مصر وفرنسا في مصر يجد الدفء الذي يشعل قلبه، وفي فرنسا الأجواء الثقافة التي تنعش عقله.
كان جميل راتب يدافع عن خياراته حتى لو بدت فاشلة لذا عندما ترك القاهرة في الأربعينيات وشد الرحال إلى فرنسا لم يندم بعد دراسته الحقوق وسفره لمنحة لدراسة العلوم السياسية على خسارة كل ذلك من أجل الفن، كان طموحه أن يصبح ممثلا مسرحيا وعانى بسبب ذلك كثيرا وعاش حياة بوهيمية متواضعة طوعا.


لكنه بتمرده عايش أجواء فنيا وأحداثا ثقافية وعالمية ما كان ليعيشها لو رضخ لتلك الرغبة، يقول عن تلك الفترة في حياته في مقال بمجلة الكواكب عام 1954، بعنوان "قصص من حياتي"، سبقها تقديم يقول "عاد الفنان المصري الشاب الذي يعمل بمسارح باريس إلى مصر ليشارك في أحد الأفلام التي تُصوَّر بها، وهو هنا يروي لنا بعض قصص حياته".

تحدث راتب عن بداية مشواره قائلا: "إن المستقبل الذي رسمته لنفسي شيء آخر غير الذي رسمته لي أسرتي، فقد كان كلّ أمنية أسرتي أن أكون محامياً، لكني كنت أحسّ أنني لا أستطيع أن أعيش بعيداً من الفن الذي أجد نفسي معلّقة به في كل ساعة من ساعات حياتي. ولهذا لم يكن غريباً ان أفشل في دراسة الحقوق في مصر، وأن اقترح عليهم السفر إلى باريس حيث أجد الفن الذي يشغلني عن استذكار دروسي للقانون.

وحين وصلت إلى باريس، التحقت بأحد المعاهد الفنية، وأوهمتُ أهلي أنني في كلية الحقوق التي اختاروها لي، وكنت في نهاية كل عام أبرق لهم بنبأ نجاحي، وكان النجاح حليفي فعلاً ولكنه نجاح في التمثيل لا في القانون. إلى أن تخرجتُ في ذلك المعهد بعد ثلاث سنوات ونلت الجائزة الأولى سنة 1949".


لم يعرف المصريون جميل راتب إلا كهلا في الخمسينيات، لكن مسيرته الفنية بدأت قبل ذلك بكثير في فرنسا، وقبلها مثل في مصر دورا صغيرا في فيلم "الفرسان الثلاثة"، لكن عائلته رفضت الأمر وطالبت المخرج بحذف مشهده، لذا عندما شعر أنه مثل فريسة في مصيدة قرر الهرب، والتحق بمدرسة التمثيل وبدأ في شق طريقه رويدا رويدا كان يعمل مع فرق مسرحية مغمورة على مسارح صغيرة لكن في أدوار رئيسية، لم يكن هذا كافيا لمعيشة معقولة، فاضطر للعمل كومبارس وفي سوق الخضار ومترجم وفي مقهى، وبدأ اسمه يكبر ويصبح معروفا، لا ينكر أن المشوار كان صعبا لكنه ممتعا لأنه كان شغوفا بما يفعل، قدم الكثير من الأدوار بالمسرح الفرنسي، وأدوارا ثانوية بالسينما الفرنسية.

يفهم خطأ أن جميل راتب كان عضوا في "الكوميدي فرانسيس"، لكنه كان من ممثلي الفرقة الفرنسية للكوميديا، وكان رئيس تلك الفرقة عضوا في "الكوميدي فرانسيز"، وليس راتب.

يعتبر جميل نفسه محظوظا لأنه وصل فرنسا في فترة غنية بالإبداع والثقافة كان المجتمع الفني يجعله قريبا من كبار المفكرين والكتاب والمخرجين والفنانين، عاش هو في خضم كل ذلك وبالقرب من هؤلاء ما أثر في تكوينه الفكري، كما أنه عمل مع كبار النجوم المسرحيين مثل لوران تيرزييف، وسوزان فلون.


كان فيلم " Trapeze" عام 1956 هو أول فيلم أجنبي يشارك به مع النجمة الإيطالية جينا لولو بريجدا وبيرت لانكستر وتوني كيرتس والمخرج كارول ريد، عمل بعدها مع مخجرين كبار مثل ديفيد لين في "لروانسس العرب" و إدوارد مولينارو، مارسيل كارنيه، بيير جرانييه ديفير، وغيرهم.


وعن تجربته في لورانس العرب يقول إنه خرج منها بصداقة وعلاقة إنسانية مع النجم أنطوني كوين الذي ساعده كثيرا، ويحكي أنه بعث له بتذكرة سفر لزيارة روما حيث كان كوين يمثل هناك مسرحية "زيارة السيدة العجوز" لدورنمات وعندما وصل لم يجد له دورا، فعمل كمساعد للمخرج، وكان لديه خبرة بذلك لأنه أخرج قبل ذلك اقلاما للتلفزيون الفرنسي لصالح إحدى القنوات الموجهة للمغرب العربي.

يعتبر جميل راتب نفسه محظوظا بالكثير من الأشخاص والأصدقاء الذين ساعدوه في دفع مهنته للأمام مثل سليمان نجيب وجان مارشا وأنطوني كوين وجابي مورلييه، وهو كان يذكرهم دائما في أحداثيه ويمتن لدعمهم له.




ظل في باريس 30 عاما قبل أن يعود إلى مصر، صلته في هذه السنوات الثلاثين لم تنقطع بمصر التي يزورها كل سنتين، وكان صلاح جاهين هو بوابة عبوره إلى الفن في مصر، عندما زار مصر في أواخر السبعينيات وتعرف على جاهين ومن خلال تلك الصداقة التي جمعتهما قابله كرم مطاوع وعرض عليه بطولة مسرحية "دنيا البيانولا"، وبعد موافقته على هذا العرض، بدأت العروض تتزايد عليه في مصر، ليبدأ مرحلة جديدة من مسيرته الفنية.

توالت أعماله المسرحية بع ذلك فقدم، مسرحية "اليهودي التائه" مع سهير المرشدي وكرم مطاوع، عن قصة وسناريو وحوار يسري الجندي، ومن إخراج محمد صديق، وفي عام 1983، قدم مع سناء جميل مسرحية "الزيارة" المأخوذة عن مسرحية "السيدة العجوز" لـ درينمات، وأخرج مسرحيتي "شهر زاد" لتوفيق الحكيم، و"الأستاذ" للكاتب سعد الدين وهبة.


لم تكن هدفا بالنسبة لجميل راتب لذا كانت فرنسا قبلته منذ البداية وليس أمريكا لأن في فرنسا المسرح أقوى، يقول إنه لم يحب الوسط السينمائي، وكان يفضل العمل بالمسرح سواء كممثل أو مخرج، لكن في مصر كانت نقطة انطلاقه ومبعث شهرته سينمائية ومنها إلى التلفزيون، وهو ما أكسبة شعبية كبيرة في مصر.

وأفضل المشاركات السينمائية له في مصر من وجهة نظره فهي الأفلام التي كان لها مضمون سياسي واجتماعي، مثل فيلميه مع كمال الشيخ "على من نطلق الرصاص"، و"الصعود إلى الهاوية" الذي ناله عنه أول جائزة تمثيل، وتجربته في "البداية" مع صلاح أبو سيف" والذي حصل عن دوره فيه على جائزة من مهرجان سويسري، و"البرئ" لعاطف الطيب، و"لا عزاء للسيدات" لبركات، و"كش مات" للتونسي رشيد فرشيو.



يتسم شخص جميل راتب بالواقعية الشديدة فهولا ينفي مشاركته في أفلام وتجارب لم ترض ذائقته كفنان، لكنها كانت ضروريةلاستمراره على الساحة في مصر، كانت هذه المشاركات مهمة ليثبت حضورا في مصر ويحققانتشارا حتى لو كانت قيمتها الفنية محدودة، كلها حققت نجاحا لكنها ليست نوعيةالأفلام التي يفضل مشاهدتها.

ومن المواقف الطريفة هو حكايته مع فيلم "الكيف" للمخرج علي عبد الخالق والمؤلف محمود أبو زيد، ورفضه لتقديم شخصية "البهظ" في البداية باعتبارها بعيدة عن شخصيته، واندهش من اختيار المخرج له، خاصة وأن حوار الفيلم يتضمن الحديث بلغة تجار المخدرات الغريبة عن عالم جميل راتب وطريقته، لكن خاض التحدي وقدم واحدا من أجمل أدواره ترك بصمة خاصة به، ونال عنه أكثر من جائزة كما قال في حواره مع رغدة شلهوب في برنامج "فحص شامل".



 بمرور الوقت تغير الأمر وبدأ يختار ما يريد تقديمه، أفلاما تناسب قناعاته الخاصة سياسية واجتماعية، ورغم وقوفه أما كبار المخرجين لم يرفض يوما العمل مع مخرجين شباب في تجاربهم الأولى لمجرد أنها أقنعته بمضمونها، ويعتز جدا بأدواره معهم ويعتبرها أفلام مهمة تعرف من خلالها على السينما الجديدة، وصنع بها جسرا يقوده لفهم الجيل الجديد من الشباب الذي كان لديه هما اجتماعيا سساهم في خلق تيار جديد بالسينما المصرية.

كان راتب يدخل أي عمل فنيا كما لو كان مقبلا على مغامرة المهم أن يكون مقتنعا بما يقدمه ولا يهمه بعد ذلك نجاحا أو فشل.



تأثر جميل راتب بعدد من النجوم الذين عمل معهم ويخص فاتن حمامة بتقدير خاص بل ويعتبرها "أم كلثوم السينما"، فهي نجمة كبيرة خارج النقد بالنسبة له، ومن خلال أعمالهم المشتركة صنع راتب مع سناء جميل ومحسنة توفيق وسعاد حسني تفاهما فنيا يلاحظ على الشاشة.

أما نجمه المفضل من الرجال فهو محمود المليجي، يقول عندما كنت أعمل معه كنت حريصا على أن أكون في مستواه، فهو فنان عظيم احترم فنه وقدمه بصدق.

وكان يكن إعجابا شديدا بمحمود مرسي، الذي اعتذر عن دور مفيد ابو الغار في "الراية البيضاء" ومثله جميل راتب بدلا منه، يعتبره صديقا مميزا على المستوى الإنساني والفني.


بإرادته تخلى جميل راتب عن فكرة تكوين عائلة ولم يكن له أولاد ولم يندم أو يشتكي من الوحدة أو الغربة، وكان راضيا تماما عن خياراته، بل ويعتبر أن الجمهور المصري تبناه بالمحبة والود، رغم أنه لم يكن نجم شباك، لكن بأعماله أصبح قريبا من الجمهور وهم بدورهم شعروا بهذا القرب، ولم ينس أبدا دور الجمهور في منحه ألفة الشعوب العائلة وقال خلال حوار تلفزيوني معه عند سؤاله عن أشخاص يريد شكرهم فقال:

ثلاثة، أولا، سائق، أوقف الأوتبيس ونزل ليسلم علي ويصعد مرة أخرى، وفي إحدى المرات عندما كنت في المطار، أنتظر الصعود إلى الطائرة تقدمت نحوي إحدى عاملات النظافة وقدمت لي زجاجة مياه غازية وقبل أن أشكرها غابت وسط الزحام، وموقف ثالث كنت عائدا إلى القاهرة، وركبت مع سائق تاكسي وفي الطريق دار بيننا حديث عن الأولاد وسألني وحضرتك عندك أولاد، وعندما أجبته بالنفي، رد فوراً: ـولا يهمك، كلنا أولادك.


الكلمات الدلالية جميل راتب

اضف تعليق