شح الدولار في لبنان.. "كابوس جديد" لبلد مثقل بالديون


٢٤ سبتمبر ٢٠١٩ - ٠٦:٢٤ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

الدولار أصبح ورقة "يصعب" الحصول عليها في لبنان، وبات أشبه بالعملة النادرة، ليتحول الأمر إلى أزمة واسعة، فالمصارف امتنعت عن توفير العملة الخضراء لعملائها، إلى أن بلغ الأمر حد عدم تزويد ماكينات الصراف الآلي (ATM) بالدولار، لتتسبب في أزمة مع المواطنين والمؤسسات كافة.

الأزمة تسببت في خلق سوق سوداء تبيع الدولار بأسعار متفاوتة ومبالغ فيها، وهو ما ينذر بمصاعب ومخاطر اقتصادية على المدى القريب، وبدأت اليوم من القمح.

وبلغ سعر صرف العملة اللبنانية في السوق السوداء 1580 ليرة للدولار الواحد، وهو أدنى مستوى تسجله العملة منذ التسعينات، في حين يبلغ سعر الليرة الرسمي 1507 ليرات للدولار.

ويثقل كاهل لبنان اليوم دين عام من أعلى المعدلات في العالم عند 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي.

أسباب شح الدولار

المشكلة ليست وليدة اللحظة أو جديدة على المجتمع اللبناني، بل هي نتيجة غياب الرؤية الواضحة لدى المسؤولين عن المالية العامة، خصوصًا أن أزمة الثمانينات من القرن الماضي لا تزال حاضرة في أذهان الذين عايشوها في حينه، حيث وصل سعر صرف الدولار في الأسواق اللبنانية إلى ما يقارب الثلاثة ألف ليرة لبنانية، إلى أن استقر ولفترة طويلة على سعر 1500 ليرة، إلاّ أن اختلال التوازن بين الحركتين الداخلية والخارجية جعل الدولارات التي تخرج من لبنان أكثر بكثير من الدولارات التي تأتيه من الخارج، وذلك لأسباب عدة، أبرزها:

- تراجع تحويلات اللبنانيين المغتربين من الخارج إلى الداخل بفعل الأزمات المالية العالمية، إذ سجلت هذه الحركة تراجعًا سنويًا يُقدّر بنحو ملياري دولار، حيث كانت هذه التحويلات تبلغ في السنوات الماضية نحو تسعة مليارات لتتراجع إلى ما يقارب السبعة مليارات.

- بلغ حجم ما يستورده لبنان من الخارج أضعافًا مضاعفة مما يصدّره، بحيث اختّل هذا التوازن تراكميًا، سنة بعد سنة، من دون أن تتمكّن الحكومة الحالية أو تلك التي سبقتها من إيجاد نوع من التوازن بين المستورد والمصَّدر.

- العمال الأجانب يقبضون رواتبهم بالدولار ويحّولون مدخراتهم إلى الخارج، التي تكاد تكون كاملة، إذ أن ما يصرفونه في الداخل لا تتجاوز نسبته الـ 10%.

ماكينات الصراف الآلي "تمتنع"

تفاقمت أزمة الدولار في السوق المحلية إلى حد إصدار إدارات بعض المصارف اللبنانية، تعميم على فروعها بعدم إيداع الدولارات في أجهزة الصراف الآلي كافة، بل الاكتفاء حصراً بإيداع السيولة فيها بالعملة اللبنانية.

كما أنها دعت لإجبار العملاء على السحب بالليرة حتّى في حال كان حسابهم المصرفي بالدولار، علماً أنّ عمليات السحب النقدي الفردية للعملاء من داخل البنك، ما زالت ممكنة بالدولار ولكن بمبالغ محدودة جدّاً.

بزوغ السوق السوداء

كل هذه العوامل وغيرها الكثير جعل من الدولار في الأسواق اللبنانية عملة نادرة، فضلًا عن غياب السياسة الواضحة بين المشتريات الداخلية والخارجية؛ إذ يضطرّ أصحاب المصالح المستقلة، الذين يستوفون ثمن بضائعهم بالليرة اللبنانية، الخضوع لمزاجية الصيارفة عند التحويل من الليرة إلى الدولار.

وباتت عمليات تحويل الأموال داخل لبنان عبر شركات تحويل الأموال تتم بالليرة اللبنانية فقط. أي إنّ المبالغ النقدية التي يتم تحويلُها بالدولار عبر تلك الشركات، تصل الى الجهة المرسَلة إليها، بالليرة اللبنانية، وبسعر صرف حدّدته شركاتُ تحويل الأموال مثل BOB وOMT بأقلّ من سعر الصرف الرسمي، عند 1500 ليرة للدولار. علماً أنّ مؤسسات الصيرفة تشتري الدولار اليوم بـ1550 ليرة وتبيعه بين 1560 و1580 ليرة لبنانية.

وبما أنه لا يوجد تعميم من قبل البنك المركزي باعتماد الليرة في التحويلات الداخلية، فهذا يرجّح فرضية استغلال الشركات للظرف لتحقيق أرباح إضافية.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ العمليات الفردية التي تتمّ بين المستهلكين والتجار اليوم، أي أصحاب المحال أو مختلف أنواع الشركات في لبنان، لا تلتزم أيضاً بالسعر الرسمي للدولار والذي سجل 1.507.50 ليرة ببورصة بيروت، بل يجتهد كلّ من المؤسسات بتسعيره بأسعار صرف مختلفة تبلغ في حدّها الأدنى 1520 ليرة.

شلل بمحطات الوقود

وهذا ما دفع أصحاب صهاريج البنزين والمازوت إلى رفع الصوت وإعلان الإضراب التحذيري، باعتبار أن أرباحهم المشروعة تذهب فرق عملة.

وقد شهدت شركات استيراد النفط ومحطات التوزيع إضرابا في الأسبوع الماضي، حيث امتنعت عن العمل تحذيريا ليوم واحد بسبب تعثر حصولها على الدولار من شركات الصرافة بالسعر الرسمي بسبب شح الدولار في الأسواق، مطالبين بآلية تؤمن لهم الحصول على الدولار بالأسعار الرسمية لتأمين استمرار عمليات الاستيراد.

أزمة طحين

واقع شح الدولار بدأ سؤثر سلبًا على استمرار عمل المطاحن التي تبيع إنتاجها من الطحين بالليرة اللبنانية، فالاحتياط التمويني من القمح لدى المطاحن انخفض إلى مستوى يشكل خطرًا، ما قد يعرض البلاد إلى أزمة تموينية إذا لم تحل مشكلة الدولار الذي تتم بواسطته عملية الاستيراد.

وانخفضت احتياطات القمح التي تحتفظ بها مطاحن القطاع الخاص إلى شهر ونصف أو شهرين بينما من المفروض أن يكون الاحتياطي كافية لأربعة أشهر.

انهيار وشيك لليرة

وأدى ركود الاقتصاد المحلي وتباطؤ اللبنانيين بالخارج في ضخ الدولارات إلى تراجع احتياطيات مصرف لبنان (البنك المركزي) شاملة الذهب، حوالي 15% من أعلى مستوى لها على الإطلاق الذي سجلته في مايو 2018، إلى 38.7 مليار دولار في منتصف سبتمبر الجاري.

ولم يشهد لبنان مثل تلك الصعوبات المالية منذ الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد من 1975 إلى 1990.

ويعتبر فقدان الدولار مؤشرًا لانهيار وشيك للعملة اللبنانية "الليرة" وسط تفاقم الأزمة الاقتصادية وامتناع المانحين عن تزويد لبنان بالمبالغ الموعودة في مؤتمر "سيدر" قبل تنفيذ الإصلاحات الضرورية.

ومن المتوقع أن تؤدي ندرة الدولار في السوق المحلية إلى فكّ هذا الارتباط بين الليرة والعملة الأمريكية، ومن ثم إعادة تسعير "الدولار" مقابل "الليرة".
 


اضف تعليق