مسارات مختلفة.. دوافع الاحتلال الإسرائيلي لتوسيع المواجهة مع طهران


٢٦ سبتمبر ٢٠١٩ - ٠٣:٠٤ م بتوقيت جرينيتش


أثار استهداف إسرائيل لمواقع تابعة للحشد الشعبي في العراق جدلًا واسع النطاق حول التوسع في دوائر الاستهداف من جانب إسرائيل للمواقع التابعة للفصائل القريبة من إيران في منطقة الشرق الأوسط، إذ لم تعد إسرائيل تقتصر في عملياتها العسكرية على التواجد العسكري الإيراني في سوريا، أو مواقع حزب الله في لبنان؛ وإنما باتت تهاجم مواقع داخل العراق، وهو ما يرتبط برغبة الجيش الإسرائيلي في استعراض قدراته على استهداف دول بعيدة عن الحدود الإسرائيلية نسبيًّا، وتهديد الأذرع الإيرانية في الإقليم، بالإضافة لسعي "نتنياهو" للاستفادة من الضربات الجوية في تعزيز مكانته الداخلية قبيل انعقاد الانتخابات التشريعية.

الاستراتيجية الإسرائيلية

تعرضت قواعد لقوات الحشد الشعبي الموالية لإيران في العراق لقصفً من طائرات دورنز وعمليات تفجير مجهولة خلال الفترة الماضية، وفِي أغسطس الجاري ألمح رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى مسؤولية بلاده عن شن هذه العمليات، حيث شدد "نتنياهو" في تصريح للقناة التاسعة الإسرائيلية، على أن بلاده "لا تمنح إيران حصانة في أي مكان"، مضيفًا أن الجمهورية الإسلامية تتطلع إلى تدمير إسرائيل، وتحاول إقامة قواعد ضدها في أراضيها، وكذلك في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

ومنذ أن اعتبرت إسرائيل منع إيران من الحصول على البديل النووي هدفًا استراتيجيًّا لتأمين وجودها، ومع القيود التي وضعتها واشنطن والدول الكبري لمنع إسرائيل من توجيه ضربات عسكرية مباشرة ومنفردة للمشروع النووي الإيراني؛ اتجهت تل أبيب لفتح جبهات مواجهة مع إيران؛ إما مباشرة عبر تخريب أجهزة الطرد المركزية في المنشآت النووية الإيرانية بعمليات استخبارية وبتقنيات الحرب السيبرانية، أو بصورة غير مباشرة عبر توجيه ضربات نوعية لأذرع إيران الإقليمية لمنع وصول أسلحة متقدمة إليها، ووقف محاولات إيران للتوسع الإقليمي وإقامة بنية لتصنيع السلاح أو قواعد للصواريخ في مناطق قريبة من الحدود الإسرائيلية.

وفي مقالٍ هام نشره الخبيران الأمنيان "عاموس يادلين" و"آري هيشتاين" بموقع المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي، في أغسطس الجاري، حدد الخبيران ثلاثة أهداف يجب أن تحققها إسرائيل في إطار مواجهتها مع إيران، وهي: منع إيران من الوصول للسلاح النووي أطول فترة زمنية ممكنة، ومنع تمدد النفوذ الإيراني إقليميًّا، وتجنب الحرب المباشرة مع طهران.

وفي إطار العنصرين الأخيرين في هذه الاستراتيجية يمكن فهم لماذا أقدمت إسرائيل على توجيه الضربات الأخيرة لقوات الحشد الشعبي العراقي، حيث تؤكد تقارير عديدة وجود صلة مباشرة بين فصائل معينة داخل قوات الحشد الشعبي في محافظة نينوى والموصل وبين فيلق القدس الإيراني مثل اللواء 50 المعروف أيضًا باسم "كتائب بابليون". وتتمركز هذه القوة التي تضمّ 1000 عنصر شرقي مدينة الموصل وفي منطقة واقعة شمالي شرقي الموصل، وتخضع هذه الكتائب لقيادة "ريان الكلداني" الذي قاتل سابقًا في صفوف ميليشيات شيعية في بغداد خلال حملة التطهير الطائفي للمدينة. ويُعتبر الكلداني من الأتباع الأوفياء الموالين لقائد "فيلق القدس".

رسائل تل أبيب

يُمكن القول إن هناك مجموعة من الرسائل التي أرادت تل أبيب إيصالها من خلال هذه الضربات، بحسب ما نشره مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة،  ويمكن تحديدها على النحو التالي:

استعراض القوة: إن إسرائيل قادرة على توجيه ضربات محكمة لأعدائها في مناطق بعيدة عن حدودها وقريبة من الحدود الإيرانية، أو حتى داخل إيران نفسها. خاصة في ظل تخوفات من أن تنشب حرب بين إيران والولايات المتحدة، وأن تكون إسرائيل أحد الأهداف التي ستوجه إليها الصواريخ الباليستية الإيرانية أثناء هذه الحرب.

تهديد أذرع إيران: إن إيران غير قادرة على حماية أذرعها الإقليمية، وكما تمكنت إسرائيل من ردع حزب الله في لبنان وإجباره على الابتعاد عن المواجهة المباشرة معها بتحريض من إيران لمدة 13 عامًا متصلة منذ حرب 2006؛ فإن محاولات الميليشيات الشيعية في العراق لتشكيل خطر على إسرائيل عبر إقامة قواعد متقدمة للصواريخ الإيرانية في غرب العراق لن ينجح، وسيكون الخاسر الوحيد هو الدولة العراقية إذا ما تجاهلت ما تقوم به إيران في أراضيها.

شرعنة الضربات: تحاول تل أبيب الادعاء بأن توجيه الضربات الإسرائيلية لهذه الأهداف هو أمر مشروع، كون هذه الأهداف تنظيمات مصنفة على أنها منظمات إرهابية وفقًا للوائح الأمريكية على الأقل. كما أنها تورطت فعليًّا في تهديد إسرائيل علانية، فقد كان قادة الميليشيات العراقية قد أطلقوا تهديدات ضد إسرائيل بين حين وآخر. ففي مارس 2017، هدد الأمين العام لحركة النجباء العراقية "أكرم الكعبي" بنقل قواته إلى هضبة الجولان لمحاربة إسرائيل. وأكد قائد عصائب أهل الحق "قيس الخزعلي" تهديدات مماثلة عندما زار المنطقة الحدودية مع إسرائيل في ديسمبر 2017.

الانتخابات الإسرائيلية: حيث ستجري في إسرائيل في السابع عشر من سبتمبر القادم، حيث يسعى "بنيامين نتنياهو" لاستعادة ثقة الناخب الإسرائيلي فيه، والتأكيد على أنه وحده القادر على ردع أعداء إسرائيل وتحقيق أمنها، خاصة أن زعيم حزب إسرائيل بيتينو "أفيجدور ليبرمان" الذي أفشل محاولات "نتنياهو" لإقامة حكومة من أحزاب اليمين في أعقاب انتخابات أبريل الماضي يركز في حملته الانتخابية الحالية على تصوير "نتنياهو" كزعيم ضعيف غير قادر على إيقاف حركة حماس في غزة، والتي تهدد صواريخها سكان جنوب إسرائيل. ويعتقد "نتنياهو" أن توجيه ضربات لأحد أذرع إيران في المنطقة (قوات الحشد الشعبي في العراق) سوف يبطل أو يُضعف من حملة "ليبرمان" ضده، وهو ما قد يساعد الليكود في حصد المزيد من المقاعد في الانتخابات القادمة على حساب "ليبرمان" الذي ترشحه الاستطلاعات للحصول على ضعف المقاعد التي حصل عليها في انتخابات أبريل الماضي.

نتائج عكسية

على الرغم مما تحاوله إسرائيل من إضفاء مشروعية قانونية على ضرباتها الموجهة لأذرع إيران الإقليمية، ومنها قوات الحشد الشعبي في العراق؛ إلا أن هذه الاستراتيجية قد تخلق تبعات غير مرغوب فيها بالنسبة لإسرائيل، وهو ما يمكن توضيحه فيما يلي:

تقويض استقرار العراق: إمكانية اتهام إسرائيل بأنها تسعى لتقويض حالة الاستقرار الهش في العراق، والتسبب في إضعاف الحكومة العراقية في وقت لا تزال فيه مخاطر عودة تنظيم الدولة لنشاطه مجددًا واردة بقوة، خاصة وأن الحشد الشعبي كان وما يزال يلعب دورًا هامًّا في تقويض هذا الخطر أو مواجهته حال تجدده.

استثارة المشاعر القومية: قد تؤدي الهجمات الإسرائيلية الأخيرة ضد مواقع داخل العراق إلى إذكاء المشاعر القومية العربية المعادية لإسرائيل في الداخل العراقي على الرغم من أن بعض المحللين يشيرون إلى تقدم الهوية المذهبية عليها، وأنه على الرغم من الاختلاف بين الهوية القومية والهوية المذهبية في العراق؛ فإن تغذية العداء لإسرائيل باستثارة الهويتين معًا -ولو بشكل منفصل - لا يعمل في صالح الطموحات الإسرائيلية المستقبلية لتوسيع علاقتها الإقليمية، خاصة في دول الجوار مع إيران.

تهديد القوات الأمريكية: يمكن لإيران استثمار حالة الغضب التي تولدت من اقتناع قوات الحشد الشعبي بأن الهجمات الإسرائيلية قد تمت بموافقة الولايات المتحدة الأمريكية، في التحريض على الوجود العسكري الأمريكي في العراق، مما يشكل خطرًا كبيرًا على الجنود الأمريكيين المتبقين في العراق بعد انسحاب معظم القوات الأمريكية من هناك عام 2011، وقد تصاعدت حدة هذا الاحتمال مع صدور فتوى من المرجع الشيعي العراقي "كاظم الحائري" المقيم في "قم" بإيران، والذي دعا فيها الجيش العراقي لمقاومة الوجود العسكري في العراق عقب وقوع الهجمات المنسوبة لإسرائيل ضد الحشد الشعبي.

وقد تتعرض العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية لأزمة حقيقية حال تمكن إيران من وضع الوجود العسكري الأمريكي في العراق تحت ضغوط سياسية أو أمنية، خاصة مع بدء معركة الانتخابات الرئاسية الأمريكية في العام المقبل، ولا تريد إسرائيل أن تظهر بمظهر الطرف الذي يمكنه الإضرار بفرص الرئيس "دونالد ترامب" للفوز بولاية ثانية حتى عام 2024 في حال وقوع هجمات على القوات الأمريكية في العراق أثناء المعركة الانتخابية.

تهديد مكاسب "نتنياهو": على الرغم من ادعاء "نتنياهو" قدرته على حماية أمن إسرائيل استنادًا إلى نجاحه في توجيه ضربات ناجحة للحشد الشعبي العراقي الموالي لإيران؛ إلا أن ذلك قد لا ينجح في حشد الأصوات -بالقدر المتوقع - لصالح حزب الليكود الذي يقوده "نتنياهو" في انتخابات الكنيست المقبلة، حيث يمكن لخصومه اتهامه بالتركيز على خطر مؤجل، على حساب تجاهل خطر حال وأشد قوة يأتي من قطاع غزة، كما يمكن أن يشيروا أيضًا إلى أن مثل هذه العمليات لو استمرت فليس هناك ضمان للحصول على ضوء أخضر أمريكي على الدوام، ومن ثم قد يهدد انفراد إسرائيل بهذه العمليات دون التشاور مع واشنطن العلاقات الاستراتيجية معها، وهو أمر لا يقبله أي سياسي أو مخطط استراتيجي في إسرائيل.

ختامًا، يُمكن القول إن العمليات التي تعرضت لها قوات الحشد الشعبي العراقي والتي لم يعد هناك شك في أن إسرائيل كانت تقف وراءها حتى لو لم تعترف بذلك مباشرة؛ ليست مرشحة للاستمرار في المرحلة المقبلة بالضرورة، خاصة لو مارست الحكومة العراقية ضغوطًا على إيران لمنع وصول أسلحة متقدمة للميليشيات الشيعية العراقية الموالية لها، وفِي مثل هذا الوضع تكون إسرائيل قد حققت جزءًا من أهدافها الخاصة بتقليص النفوذ الإيراني إقليميًّا، وتحييد بعض مصادر الخطر التي يمكن أن يشكلها بأسلحته الصاروخية من دون المغامرة بمواجهة مباشرة مع إيران، أو المخاطرة بتأزيم العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.


اضف تعليق