انتخابات الكنيست الـ22 .. النزع الأخير لنتنياهو


٢٨ سبتمبر ٢٠١٩ - ١٢:١٥ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - د.محمد عبدالدايم

لتجاوز مشكلة الارتباك الحاصل بعد نتيجة الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة؛لابد من الارتكان لفكرة أنها صراع سياسي بين تكتلات تحمل معظمها الأيديولوجية نفسها، فقط تعلي كل كتلة من صورة زعيمها، لكن الحقيقة المؤكدة أن الصراع الانتخابي في إسرائيلي يتصدر واجهته اليمين، ويفوز به اليمين.

النتيجة النهائية لانتخابات الكنيست الـ 22 لم تحمل مفاجآت كبيرة اختلفت عما أظهرته استطلاعات الراي التي سبقت العملية الانتخابية،  لكنها على جانب آخر حركت راكدًا في السياسة الإسرائيلية،  بدأ الكثيرون يرون قرب نهاية بنيامين نتنياهو، وتحرك اعتبره البعض "تاريخيًا" للقائمة العربية المشتركة التي حصلت على المركز الثالث في عدد الأصوات بعد كتلتي اليمين المتصارعتين هاليكود وكاحول لافان.

قبيل الانتخابات كتب نتنياهو مقالا في الصحيفة الموالية له ولكتلته اليمينية يسرائيل هايوم، سخر فيه من إمكانية التفاوض مع كاحول لافان لتشكيل حكومة ائتلافية، كانت هذه اللقطة الأخيرة التي  ظهر فيها بيبي في موقف الهجوم الواثق، وسريعًا بعد ظهور بوادر نتيجة الانتخابات، مع تيقنه من عدم حصوله مع حلفائه على عدد مقاعد كاف لتشكيل حكومة من هاليكود واليمين الصهيوني والحريدي، ظهر نتنياهو في خطابه متراجعًا، ليس منهزمًا بشكل نهائي، لكنه على الأقل خفف نبرة هجومه، وظهر اليأس متبديًا في خطابه وهو يتوجه بالحديث إلى غريمه بيني جانتس داعيا إياه لمقابلته "دون شروط مسبقة" من أجل التفاوض على تشكيل حكومة "وحدة".

لم يعترف نتنياهو إلى الآن بهزيمته، ولم يتفاخر بانتصاره، فالحقيقة أن النتائج ضغطت عليه بشكل كبير، حيث حصل حزبه على 31 مقعدًا، في مقابل 33 مقعدًا لكاحول لافان، وبجمع مقاعد حلفاء نتنياهو يصبح تكتله متحصلًا على 55 مقعدًا، 31 لهاليكود، 9 لشاس، 8 ليهدوت هاتوراه، 7 لـيمينا، أي أقل بـ 6 مقاعد من الأغلبية المؤهلة لتشكيل حكومة، بينما يمللك بيني جانتس كتلة تضم 44 عضو كنيست، 33 مقعدًا حاز عليها تكتله كاحول لافان، و6 لتحالف هاعفودا-جيشر، و5 لتكتل هامحنيه هاديمقراطي.


ليبرمان حالة خاصة

بعد ظهور النتيجة، رفض أفيجادور ليبرمان رئيس حزب يسرائيل بيتينو التوصية بأي من الكتلتين لتشكيل الحكومة، فلم يقدم توصيته لرئيس إسرائيل رؤوفين ريفلين، الذئب اليميني أعلن قبل الانتخابات أنه لن يوصي بنتنياهو رئيسا للحكومة على خلفية صراعه معه ومع حلفائه من الحريديم، كما أعلن بعد الانتحابات رفضه التوصية بجانتس، لأن الأخير نال توصية "تاريخية" من القائمة العربية المشتركة.

حصل يسرائيل بيتينو على 8 مقاعد في الكنيست، في مقابل  13 مقعدًا حصلت عليها القائمة العربية المشتركة، ونجح ليبرمان في مسعاه الذي أعلن عنه قبيل الانتخابات، بأنه سيدفع لتشكيل حكومة "وحدة" تجمع هاليكود وكاحول لافان إضافة إلى حزبه يسرائيل بيتينو، أعلن ليبرمان رفضه التوصية برئيس كاحول لافان، معللا ذلك بإعلان عشرة أعضاء من بين 13 بالقائمة العربية توصيتهم لجانتس، حيث سماهم ليبرمان بـ"الأعداء" بينما وصف الحريديم بأنهم "خصوم سياسيون".

ليبرمان من جانبه أثبت أنه ملك بلا تاج، بـ8 مقاعد فقط استطاع الذئب ذو الأصول السوفيتية أن يجبر نتنياهو وجانتس على الاجتماع مع رئيس إسرائيل رؤوفين ريبلين، الذي أعلن تشجيعه لحكومة "الوحدة"، وبعدها بدأ هاليكود ممثلا عن أعضائه وعن حلفائه من اليمين الديني التفاوض مع كاحول لافان، في محاولة من كل طرف لتحسس موضع أقدامه.


سيناريوهات الحكومة القادمة

الجميع الآن يتحدثون عن حكومة "وحدة" أو سيناريو انتخابات ثالثة، وهو ليس مستبعدًا، الحقيقة أن لا شيء مستبعد، ائتلاف يضم نتنياهو وجانتس في حكومة يسمونها "وطنية" ربما يكون الأقرب حتى الآن، رغم أن جانتس أعلن رفضه مشاركة نتنياهو في الحكومة، بسبب قضايا الفساد التي تلاحقه، لكن بيبي ليس أمامه سوى التشبث بالوجود في هذه الحكومة المقبلة، كيلا يجد الملك نفسه عاريا أمام تحقيقات الفساد، حيث تبدأ جلسات الاستماع في الاتهامات الموجهة له خلال شهر أكتوبر.

 هذا لا يعني أن يحقق ليبرمان ما أعلن عنه، بتشكيل حكومة يمين علمانية صرفة، لأن هاليكود متعلق من رقبته بشاس ويهدوت هاتوراه وتكتل يمينا، وليس بسهولة يمكنه أن يلفظ هؤلاء الذي رشحوا نتنياهو لرئاسة الحكومة، أي أن سيناريو التحالف بين هاليكود وكاحول لافان ومعهما يسرائيل بيتينو قائم، ولكن سينضم إليهم كذلك أفراد من الأحزاب الدينية، أو أن يتفق الطرفان الكبيران كاحول لافان وهاليكود على لفظ ليبرمان نفسه بعيدا، ليصبح وحيدًا في الكنيست بمقاعده الثمانية.

بعد التأكيد على رفضهم مشاركة نتنياهو في حكومة ائتلافية؛ بدأ بيني جانتس وحلفاؤه التفاوض على مشاركة هاليكود في الائتلاف، على أن تكون رئاسة الحكومة بالتناوب، والأكثر من ذلك هو ترك الفرصة لنتياهو ليكون هو رئيس الحكومة أولا، ثم يترك المنصب بعدها لجانتس، وهذا ما يتمناه بيبي في وضعه الحالي، الرجل الذي يواجه اتهامات قد تلقي به في السجن يهمه أن يحصن نفسه في موقع رئيس الحكومة، على الأقل في الفترة القريبة القادمة، حتى تنتهي التحقيقات معه، وبعدها يمكن أن يترك منصبه لبيني جانتس، واستمر ليبرمان في الضغط على الطرفين – هاليكود وكاحول لافان – داعيا إياهما بنبرة ساخرة لإجراء قُرعة لتحديد من يكون رئيسا للحكومة أولا.

لكن بعد جولة من المفاوضات بين الطرفين، اتضح أنهما لم يصلا إلى توافق، لأن نتنياهو متمسك باستمراره كرئيس للحكومة، وليس هذا فحسب، لكنه كذلك لا يستطيع سحب الوعود التي أعطاها لحلفائه من اليمين، أو حتى لحليفه كحلون الذي انضم بحزبه كولانو إلى هاليكود، بشرط أن يضمن حقائب وزارية، على راسها المالية بالطبع، وهذا ما يجعل التفاوض مع كاحول لافان ليس على أساس شراكة، ولكن باعتبار كاحول لافان تكملة لحكومة نتنياهو، وهذا لم يرض بالطبع التكتل الحاصل على أكبر عدد من مقاعد الكنيست.


محاولة الهروب من لوائح الاتهام

إذن؛ حتى الأمس، كان المصير السياسي لنتنياهو معلق بنتائج المفاوضات مع كاحول لافان، لأنه يعتمد على حصانة برلمانية تقيه الاتهام الرسمي بالفساد، وهذه الحصانة لا يمكن أن تدفع عنه الاتهام إلا في حالة كونه رئيسًا للحكومة، وليس مجرد عضو كنيست ووزير.

تحول نتنياهو من حالة الهجوم إلى وضعية الدفاع، فاضطر إلى عدم السفر إلى نيويورك لحضور فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتلقى ضربة أخرى من صديقه ترامب الذي صرح بأنه لم يتحدث معه منذ الانتخابات، وبأن علاقته بإسرائيل وليس نتنياهو كشخص، فالرئيس الأمريكي لديه من المشكلات ما يكفيه الآن مع ضغوط الديمقراطيين عليه، كما أنه بدأ يقتنع أن حليفه نتنياهو بدأت أيامه في الغروب.

من هنا يتحرك جانتس في المفاوضات بالضغط على هاليكود الآخذ في الانهيار، بينما نتنياهو يحاول الحصول على أيام إضافية كرئيس للحكومة، وإذا لم يستطع الطرفان أن يصلا إلى اتفاق لتشكيل حكومة مشتركة، فالحل الأخير هو انتخابات ثالثة، وبالتأكيد سوف تكون نتائجها سيئة بشكل أكبر بالنسبة لنتنياهو وحزبه.


تكليف نتنياهو مجددًا

بعد أن اتضح فشل المفاوضات بين كاحول لافان وهاليكود، أعلن الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريبلين عن تكليف نتنياهو بتشكيل الحكومة، يمتلك بيبي 55 مقعدًا حتى الآن، وعليه الآن في فترة 28 يومًا أن يتحصل على 6 مقاعد أخرى ليكمل أغلبية 61 مقعدًا، وهذه المقاعد الستة بحوزة أفيجادور ليبرمان الذي يرفض مشاركة الحريديم في حكومة، إلا بعد الموافقة على تمرير قانون تجنيد شباب الحريديم، وكذلك وصل إلى مرحلة متقدمة من الخصومة السياسية مع نتنياهو، والحل الآخر أن يعاود نتنياهو تفاوضه مع بيني جانتس خلال الأيام المقبلة، ليشارك كاحول لافان في حكومة "الوحدة"، لكن المعضلة أن جانتس ورفاقه يائير لابيد وموشيه يعلون وجابي أشكنازي أعلنوا مرارا أنهم يرفضون مشاركة متهم بالفساد وملاحق قضائيا.

من جانبه تحدث نتنياهو بعد تكليفه بتشكيل الحكومة، وكرر دعوته بضرورة تشكيل حكومة "وحدة" تواجه "التحديات الأمنية" ممثلة في إيران، أي أنه يحاول تصدير حالة خوف إلى الجمهور الإسرائيلي، ليلقي بالكرة في ملعب بيني جانتس، فيظهر أمام الجمهور وكأنه يفرط في أمن إسرائيل لصالح نفسه، بينما يحاول نتنياهو في الحقيقة تحويل الضغوط الملقاة عليه لتكون على جانتس وكاحول لافان من أجل الموافقة على الاشتراك معه في الحكومة، أو يصبح خيار الانتخبات الثالثة إجباريًا.


قرار المشتركة: تاريخي يحتمل الفشل الذريع

قرار القائمة العربية المشتركة التوصية بزعيم كاحول لافان كمرشح لرئاسة الحكومة وصفه البعض بالقرار "التاريخي"، لأنها المرة الأولى منذ 27 عامًا، المرة الأولى حينما أوصت الأحزاب العربية بتكليف يتسحاق رابين بتشكيل الحكومة، ووصف قرار القائمة العربية المشتركة بـ"التاريخي" الآن لأن عشرة نواب من بين 13 (رفض حزب التجمع التوصية بجانتس) أوصوا بتكليف جانتس الصهيوني المتفاخر بقتله الفلسطينيين في غزة خلال عملية الجرف الصامد وقتما كان رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي.

قرار المشتركة ربما يكون تاريخيا، ومبررها هو إزاحة نتنياهو، لكن في حالة وصول كاحول لافان وهاليكود باتفاق ائتلافي يكون فيه نتنياهو رئيسا للحكومة لمدة من الوقت؛ حينها سيكون أعضاء القائمة العربية المشتركة أمام مأزق سياسي وتاريخي قد يؤدي بهم إلى شق اتحادهم مجددًا، خصوصا وأن حزب التجمع بأعضائه الثلاثة الذين دخلوا الكنيست أمطانس شحادة، وهبة يزبك وسامي أبي شحادة قد رفض التوصية بجانتس رئيسا للحكومة.

ربما يكون حصول القائمة العربية المشتركة على 13 مقعدًا بالكنيست، وارتقاؤها للمركز الثالث في ترتيب الكتل الناجحة تاريخيا، وربما تكون التوصية بجانتس الصهيوني تاريخية، ولكن أيضًا ربما يكون سقوط القائمة وإعلان فشلها تاريخيا، إذا ما استمر نتنياهو رئيسا للحكومة، ولو لفترة وجيزة.

الأطراف جميعها تعاند، كاحول لافان يضغط لإسقاط نتنياهو، وليبرمان يضغط للتخلص من مشاركة الحريديم في حكومة ويدفع لحكومة يمين علمانية، ونتنياهو يواصل تشبثه بموقعه خشية السقوط والسجن، وفيما بينهم يعتبر الجميع أن الـ 13 مقعدًا التي حصل عليها فلسطينيو الداخل لن تمنع الاحتلال من لفظهم، واعتبار إسرائيل دولة للمواطنين اليهود فحسب، وهذا ما يجعل القرار التاريخي للقائمة العربية بمثابة قرار انتحار سياسي، وليس غريبا أن يتنازل أحد من أحزاب اليمين عن اعتبار نتنياهو فاسدًا، طالما يمكن لكل طرف تحقيق هدفه، والنتيجة هي اختلاف في الشخصيات دون أي اختلاف في السياسة اليمينية.


اضف تعليق