اللبنانيون يكسرون "الطوارئ الاقتصادية".. ارحلوا!


٢٩ سبتمبر ٢٠١٩ - ٠٤:١٤ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

مع تصاعد أزمة شح الدولار في لبنان وتسجيل الليرة لتراجعات قياسية، وتضرر قطاعات حيوية واستراتيجية، لعل أبرزها محطات الوقود ومخابز الطحين، لتنذر بأزمات واسعة تطال أفراد الشعب، سرعان ما تفاعل معها المواطنين ولم يكذبوا خبرًا للتوقعات السلبية، فالمئات خرجوا في تظاهرات، احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية المتردية.

ويعاني لبنان أزمة اقتصادية حادة، تفاقمها الاضطرابات السياسية التي تعصف بالبلاد، وبلغ إجمالي الدين العام 86.2 مليار دولار في الربع الأول من 2019، وهو معدل يزيد عن 150% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيان صادر عن وزارة المالية في مايو الماضي.

وكانت قيمة العملة اللبنانية "الليرة" قد تراجعت الأسبوع الرابع من سبتمبر الجاري، مسجلة 1650 ليرة للدولار، في متاجر الصرافة، بعد أن ظلت ثابتة عند قيمة 1507 ليرة للدولار منذ عام 1997.

حراك شعبي وقوده الاقتصاد

خرج أفراد الشعب اللبناني بالمئات في تظاهرات، في ظل انتشار كثيف للجيش وقوى الأمن الداخلي، وذلك تلبيةً لدعوات أطلقها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، احتجاجًا على غلاء المعيشة والسياسة المالية للحكومة.

وطالب المتظاهرون برحيل السلطة الحاكمة التي وصفتها بالـ"فاسدة" كما طالبوا بتحسين الأوضاع الاقتصادية.

وشارك المتظاهرون الذين حملوا لافتات وأعلاما في ساحة رياض الصلح بقلب العاصمة بيروت، مرددين هتافات مثل "تسقط الرأسمالية" و"ارحلوا" وذلك وسط تشديد أمني في المنطقة كما تجمع عدد آخر أمام مجلس النواب.

كما رفع المتظاهرون شعارات تطالب بإعادة الأموال "المنهوبة" إلى خزينة الدولة اللبنانية.

وقطع المتظاهرون في ساحة الشهداء وسط بيروت الطرق وأشعلوا النيران في إطارات السيارات، وكذلك في صيدا، جنوبي لبنان، وقضاء زحلة بالبقاع الأوسط اللبناني، وقضاء بعلبك والهرمل شمال شرقي لبنان.

ويواجه لبنان المثقل بالديون متاعب مالية ناتجة عن تباطؤ في تدفقات رأس المال المطلوبة لتمويل الحكومة والاقتصاد الذي يعتمد على الاستيراد. وتأثر الاقتصاد أيضا بسنوات من انخفاض النمو.

ومثل تقلص تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج ضغطًا أيضا على احتياطيات مصرف لبنان (البنك المركزي) من العملات الأجنبية والتي تراجعت 15% من أعلى مستوى لها على الإطلاق الذي سجلته في مايو من العام الماضي لتصل إلى 38.7 مليار دولار في منتصف سبتمبر.

وفي مؤتمر "سيدر" في باريس العام الماضي، تلقى لبنان تعهدات بقيمة 11 مليار دولار لاستثمارات تتصل بإصلاحات تأخرت كثيرا وتهدف إلى وضع المالية العامة على مسار مستدام.

لكن لبنان لم يتسلم بعد تلك الأموال التي تعهدت بها فرنسا ودول ومؤسسات أخرى مانحة في المؤتمر.

لبنان.. بلد بلا بنية أساسية

وعلى الرغم من عشرات المليارات من الدولارات التي أنفقت منذ انتهاء الحرب الأهلية، التي استمرت 15 عامًا، عام 1990، فإن لبنان ما زال يعاني بنية أساسية متدهورة، بما في ذلك انقطاع الكهرباء على مدار الساعة يوميا وأكوام القمامة في الشوارع، وغالبًا ما تكون إمدادات المياه محدودة ومتقطعة من شركة المياه المملوكة للدولة.

وتسرّع حكومة لبنان الخُطى لإقرار مشروع الموازنة العامة والموازنات الملحقة لسنة 2020، في سباق مع الزمن، في ظل الإشارات المتزايدة عن صعوبة الأوضاع المالية والاقتصادية التي يخشى كثيرون من أن تُفضي إلى انهيار شامل.

الدولار.. عملة صعبة "شحيحة"

واليوم، يجد أفراد الشعب اللبناني صعوبة في الحصول على عملة صعبة بالسعر الرسمي من البنوك المحلية.

وبسبب نقص العملة الصعبة، صدرت شكاوى من مستوردي الوقود والأدوية والقمح، من أنهم يشترون المنتجات من الخارج بالدولار الأمريكي ويبيعونها بالعملة المحلية في لبنان.

أزمات حيوية "متشعبة"

وظهر أثر المتاعب المالية على عدد من قطاعات الاقتصاد الحقيقي في الآونة الأخيرة عندما نظمت محطات الوقود إضرابا لمدة يوم هذا الشهر لأنها لم تستطع تدبير العملة الصعبة اللازمة لوارداتها بسعر الصرف الرسمي والمربوط أمام الدولار عند 1507.5 منذ أكثر من عقدين. واشتكت المطاحن أيضا.

أزمة المحروقات ليست إلا جزءًا من أزمة شح الدولار في الأسواق اللبنانية، والتي تهدد قطاعات حيوية مختلفة تحتاج بدورها إلى آلية يضعها المصرف المركزي على غرار تنظيم استيراد القمح والدواء والمحروقات.

وطالت أزمة المحروقات العديد من القطاعات الحيوية نتيجة امتناع المصارف عن توفير الكميات المطلوبة من العملة الأجنبية، ما اضطرها إلى اللجوء لمحلات الصرافة التي تتلاعب بسعر الصرف.

فكل القطاعات ستتضرر من أزمة شح الدولار، بداية من المحروقات، القطاع الصناعي، القطاع التجاري، لا سيما تجارة التجزئة، فهي التجارة الأكثر تضررًا في لبنان إلى اليوم، فالتجار يطلبون الدولار من المصارف، والتي بدورها تمتنع عن توفيره، وتقتصر فقط على منحهم ودائع بالليرة اللبنانية، ومن ثم يقومون بشراء الدولار من محلات الصيرفة بأسعار متفاوتة تحددها علاقة كل تاجر مع الصراف.

ويخشى كثيرون من تفلت سعر صرف الدولار وانتشار السوق السوداء والتي بلغ سعر صرف العملة اللبنانية فيها 1580 ليرة للدولار، وقد تكبدت قطاعات عدة نتيجة لذلك خسائر كبيرة في الأسابيع الماضية.

الاحتجاجات في الشارع اللبناني حتى اليوم، هي تعبير عفوي عن الضغط الذي تحدثه الأزمة المالية الاقتصادية، فهناك نقاط من الصعب تحمل المساس بها تتعلق بالأمن الغذائي في لبنان وتتمثل في الدواء والمحروقات والقمح.

ورغم إعلان الحكومة حالة طوارئ اقتصادية لتطبيق إصلاحات لم تر النور بعد، إلا أنها تقوم في الأساس على فرض الضرائب، والذي تتحمل الجزء الأكبر منه الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وهذا من المتوقع أن يرفضه اللبنانيون في المستقبل القريب.









اضف تعليق