"السترات الصفراء".. الفرنسيون يلهمون فقراء العالم


١٤ يناير ٢٠١٩

 هدى إسماعيل

"السترات الصفراء" جملة انتشرت عبر نشرات الأخبار والعناوين الصحفية، لتعلن عن ظلام يحيط بعاصمة النور" باريس" احتجاجات ومظاهرات عاشت فيها فرنسا لتعلن رفضها لسياسات "ماكرون"، ولأن المظاهرات "حمى" تنتشر فإن الدول الأخرى تعاني ولكن في صمت، فها هي "السترات الصفراء" تصل إلى العاصمة المتحدة "لندن"، حيث تظاهر المئات في شوارع لندن، وهم يرتدون السترات الصفراء، في أكبر تظاهرة حتى الآن في بريطانيا تستنسخ موجة الاحتجاجات التي تهز فرنسا.

حركة بلا قائد




بدأت الحركة التي لا قائد لها مع نهاية عام 2018، ثم استعادت زخمها لاحقًا مع مواجهات أسبوعية في باريس ومدن أخرى، وشهدت بريطانيا منذ نوفمبر الماضي، تظاهرات عدة صغيرة لداعمي "بريكست" ارتدى المشاركون فيها سترات صفراء.

بدعوة من منظمي التظاهرة البريطانية شارك ناشطان فرنسيان من الفاعلين في الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا، يقول أحدهما "إريك سيمون" -الذي يبلغ 61 عاما- "نحن هنا للدعم"، وأضاف "أعتقد أن حركة السترات الصفراء في فرنسا هي نفسها كتلك التي تنمو الآن في بريطانيا، الناس سئموا الفقر والظلم وانعدام العدالة الاجتماعية والمالية".

يقول وزير المالية في حكومة الظل العمالية "جون ماكدونال" -أمام الحشد في ساحة الطرف الأغر- إن ثماني سنوات من التقشف في ظل حكم المحافظين "مزقت النسيج الاجتماعي" لبريطانيا، نحتاج إلى انتخابات عامة الآن للمجيء بالشخص الأكثر عدلا واقامة مجتمع عادل لنا جميعًا.
كما تقول "داليا هراتزي" -التي جاءت من كينت في جنوب شرق بريطانيا بسترة صفراء- على اليسار في بريطانيا أن "يستعيد" الزخم، وأضافت "إنها حركة ضد قوانين التقشف"، مشيرة إلى أن اليمينيين كانوا "انتهازيين" في تبنيها.

بقايا الطعام




كشفت مديرة مدرسة بريطانية أن أطفال في مؤسستها يأكلون من صناديق القمامة بقايا الفاكهة والطعام في مدارسهم، وذلك بسبب الجوع وعدم قدرة عائلاتهم على تأمين احتياجاتهم الغذائية، ليأتي رد الحكومة على هذه الواقعة تطالب فيها أعضاء مجلس العموم البريطاني بإحداث "وزارة الجوع"، لمواجهة أزمة انعدام الأمن الغذائي، خاصة بين الأطفال.

تقول "شيفون كولينغوود" -مديرة مدرسة في "موركام- "إن الأطفال يصلون إلى المدرسة وهم يشعرون بالجوع ويبحثون عن الطعام في صناديق القمامة، وإن واحدًا من كل عشرة من تلاميذ المدرسة يعيش في عائلة تعتمد على المساعدات التي تقدمها بنوك الطعام، وتابعت "لسوء الحظ، أن أتعامل مع أطفال وليس مجرد أرقام".

وتضيف "شيفون"، "هناك 35 طفلًا في مدرستها تعيش عائلاتهم على المساعدة التي تقدمها بنوك الطعام ومن المحتمل أن تكون أعدادهم أكبر، وعندما يحرم الأطفال من الطعام، فإن ذلك يغير سلوكهم ويصبحون مهووسين بالأكل، لذا لدينا بعض الأطفال الذين يأكلون بقايا الفواكه من صناديق القمامة".

وأشارت إلى أن العائلات تأتي وتخبرني بأنها تقرض الطعام بشكل روتيني لبعضها البعض، تجربتي اليومية تقول لي: إن هذه مشكلة متنامية.

تأمين الطعام

أكدت إحصائيات بريطانية أن أكثر من 4 ملايين طفل بريطاني يعانون من الجوع، ما دفع عددًا منهم إلى التغذي من بقايا الطعام في القمامات، ففي عام 2017 أبرزت لجنة التدقيق البيئي أرقام منظمة اليونيسيف التي تبين أن 19% من الأطفال دون سن الخامسة عشر في المملكة المتحدة يعيشون مع بالغين يكافحون من أجل تأمين الطعام.

ولكن الحكومة البريطانية تقول: إن عدد الأطفال الذين يعيشون في أسر بلا عمل في انخفاض بشكل قياسي.

ولكن متحدثة باسم وزارة العمل والمعاشات البريطانية قالت: منذ عام 2010، تم انتشال مليون شخص من دائرة الفقر المدقع، بما في ذلك 300 ألف طفل.

أزمة اقتصادية




في السنوات الأخيرة انشغلت "ماي" رئيسة الوزراء البريطانية بصراعات عدة؛ داخل مجلس العموم البريطاني، وداخل حزبها، بالإضافة إلى أزمة "البريكست"، وفي المقابل عانت المملكة المتحدة من أزمة اقتصادية، أثرت بشكل سلبي على الشركات وسوق العمل، ثم على أنظمة الضمان الاجتماعي، التي تقلصت ميزانيتها تدريجيًا، والتي دفعت عددًا من البريطانيين، خاصة النساء، إلى العمل في "الدعارة" من أجل تغطية احتياجاتهم.

 في نوفمبر الماضي نشرت هيئة الإذاعة البريطانية، "BBC"،  تقريرًا ذكرت فيه "أن بعض النساء في بريطانيا اضطررن إلى العمل في "الدعارة" بسبب غياب كفاءة نظام الضمان الاجتماعي، ونقل التقرير عن سيدة بريطانية اسمها "جولي" أنها اضطرت إلى قبول عرض لممارسة الجنس مقابل ٣٠ جنيهًا استرلينيًّا". وفى التقرير نفسه، نقلت BBC عن "كارى ميتشل" من "تجمع بائعات الهوى" في بريطانيا، أنها سمعت عن نساء لجأن للدعارة نتيجة لتأخر وصول المساعدات المالية، وأوضحت أن معظم العاملات في الدعارة أمهات يربين أطفالهن بمفردهن.

تقول "أنجيلا ميرفي"، من منظمة خيرية مهتمة بشؤون النسا، "عرفنا أن هذا الوضع مألوف، وأن بعض النساء يعتقدن أن الحل السريع يكون بممارسة الجنس للحصول على نقود، لكنهن يتورطن على المدى البعيد".

السترات في دول أخرى




يبدو أن ظاهرة "السترات" الاحتجاجية التي انطلقت في العاصمة الفرنسية باريس في السابع عشر من نوفمبر الماضي، بدأت تزحف على شوارع بعض الدول العربية والأوروبية لكن باللونين الأحمر والأصفر.

ففي البرتغال خرج المحتجون في العاصمة لشبونة وعدة مدن أخرى للتظاهر في الشوارع والطرقات، للمطالبة بخفض الضرائب ورفع الأجور وخفض أسعار المحروقات وتحسين خدمات الصحة العامة.

وبناء على المعلومات التي نشرتها مواقع التواصل الاجتماعي عن تنظيم تظاهرات ومسيرات احتجاجية على الطرق العامة، فقد طلبت الشرطة من وسائل الإعلام التذكير بأنّ أيّ تجمع "يجب أن يتم الإبلاغ عنه خطيا قبل يومين" لدى السلطات المحلية.

وقام المحتجون بقطع الطرق في بعض المناطق وعدم السماح للسيارات بالمرور، وفي هذا الشأن نبهت الشرطة على أنّ قطع الطريق في البرتغال إجراء غير قانوني وعمل لن تسمح به الشرطة.

وفي تونس ظهرت على صفحات التواصل الاجتماعي حركة شبابية احتجاجية أطلقت على نفسها "السترات الحمراء لإنقاذ تونس" وشكلت تنسيقيات لها على المستوى المحلي. وفي بيانها الأول قال الشباب القائمون عليها، إنها تعبير عن رفض التونسيين لارتفاع تكاليف المعيشة وانتشار الفساد وتفشي البطالة وسوء الإدارة واستمرار سياسات التفقير.

وتضيف الحركة أنها تلتزم "بالاحتجاج المدني السلمي في التعبير"، وأكدت على أنها "مفتوحة للعموم ومنفتحة على الجميع استمرارًا لنضال الشعب التونسي في استعادة كرامته، وحقه في العيش الكريم"، واتخذت من "تونس غاضبة" شعارًا لها.

أما في البصرة العراقية فقد ارتدى متظاهرون سترات صفراء وخرجوا إلى شوارع المدينة، في امتداد للاحتجاجات التي شهدتها المدينة في سبتمبر الماضي، عندما أضرم المتظاهرون النار في مبان حكومية ومقرات الأحزاب ومبنى القنصلية الإيرانية، مطالبين بالحد مما وصفوه فساد النخبة السياسية.

في العادة تأتي أوروبا بكل ما هو جديد ومستحدث، ولم لا فهي الدول المتقدمة المالكة لكل شيء التي تنظر إلى دول العالم الثالث بنظرة دونية، ولكن دوام الحال من المحال، ففي فبراير  2016 استحدثت دولة الإمارات العربية "وزارة السعادة"، لتظهر في عام 2019 دعوة من مجلس العموم البريطاني إلى استحداث وزارة لـ"الجوع" في عالم السياسة لا وجود لقاعدة ثابتة.



اضف تعليق