الجولان السورية.. بين المكائد الإسرائيلية والإذعان الأمريكي والتحفظ الدولي


٠٧ يناير ٢٠١٩ - ٠٨:٤٢ ص بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

تحركات إسرائيلية غير مسبوقة، شهدتها الأيام والساعات القليلة الماضية، خاصةً مع إعلان الولايات المتحدة الأمريكية، عزمها سحب قواتها من الجبهة السورية، الأمر الذي رأى فيه قادة الاحتلال، خطرًا جديدًا من جهة الشمال، بعد فترة من الهدوء شهدتها سنوات ما بعد الثورة السورية، وتحديدًا مع تدخل الولايات المتحدة على خط الأزمة.

التحرك الإسرائيلي الأخير يتمثل في مطالبات بالاعتراف بسيادة كيان الاحتلال، على هضبة الجولان السورية، على الرغم من إقرار الأمم المتحدة بالأحقية السورية في الجولان، ولم يجد الصهاينة أمامهم سوى الحلفاء التاريخيين لهم، وهم الأمريكان، الذين أبدوا استعدادًا مبدئيًا للقبول بذلك، بعد سنوات من التحفظ على اتخاذ الخطوة، لكن ربما يكون الانسحاب من سوريا، مبررًا بشكل أو بآخر لقرار من هذا النوع.

تعجل إسرائيلي

تسابق إسرائيل الزمن، من أجل الحصول على اعتراف أمريكي، بسيادتها على هضبة الجولان السورية -على غرار الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الغاصب- متذرعة، بهجمات مزعومة تعرضت لها، وشكلت تهديدًا على الجانب الشمالي لها، يتزامن ذلك، مع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ديسمبر الماضي، سحب قوات بلاده من سوريا.

فقد طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي، "بنيامين نتنياهو"، من واشنطن الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل كجزء من صفقة الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا.

جاء ذلك في مؤتمر صحفي مشترك، مساء الأحد، عقده نتنياهو مع مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي، جون بولتون، الذي يزور إسرائيل حاليا، وكشف نتنياهو أنهما سيزوران هضبة الجولان في وقت لاحق الإثنين "إذا سمحت أحوال الطقس بذلك".

ونقلت وسائل إعلام عبرية عن نتنياهو قوله: "الجولان مهم جدا لأمننا، وعندما ستكون هناك، ستستطيع أن تفهم جيدا، لماذا لن ننسحب من الجولان، ولماذا من المهم أن تعترف جميع الدول بالسيادة الإسرائيلية عليه".

تناغم أمريكي

يبدو أن المزاج العام الأمريكي خلال الفترة الأخيرة، بات أكثر ميلًا تجاه الرغبات الإسرائيلية، بدءًا من قرار ترامب بالاعتراف بمدينة القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، تبعه نقل السفارة الأمريكية من "تل أبيب" إلى "القدس"، مرورًا بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وانتهاءً بالتصويت ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، في نوفمبر الماضي، بالسيادة السورية على هضبة الجولان المحتلة.

وأخيرًا، وليس بآخر، جاءت تصريحات "جون بولتون"، والذي حدد شروط الانسحاب الأمريكي من سوريا، حيث ذكر أنه يجب أولا ضمان الدفاع عن الحلفاء، مضيفًا: "سنناقش قرار الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب، ولكن بهدف تنفيذ الانسحاب من شمال شرق سوريا، في طريقة تضمن أن تنظيم داعش قد هزم، ولم يعد قادرًا على إحياء نفسه، ليصبح تهديدا مجددا، وكذلك لنتأكد من الضمان التام للدفاع عن إسرائيل وأصدقائنا الآخرين في المنطقة، وللاهتمام بمن حاربوا إلى جانبنا ضد تنظيم داعش، وغيره من الجماعات الإرهابية".

وذكر بولتون أنه قد لا يتم سحب جميع القوات الأمريكية، البالغ عددها 2000 جندي.

وأضاف، أن الانسحاب سيتم من شمال سوريا، وقد تبقى بعض القوات في الجنوب، في قاعدة التنف، في إطار الجهود لمواجهة الوجود الإيراني.

تصريحات "بولتون"، سبقها في ديسمبر الماضي، طرح قضية اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، داخل أروقة مجلس الشيوخ.

فقد قدَّم النائبان الجمهوريان "تيد كروز" و"توم قطون"، مشروع قرار، أشارا خلاله، إلى أنه "حتى عام 1967، كانت هضبة الجولان تحت سيطرة سوريا التي كانت تستغلها لشن هجمات على إسرائيل".

وأضاف أن حرب أكتوبر عام 1973 أثبتت أن "هذه المساحة تشكل عمقا استراتيجيا حيويا بالنسبة لإسرائيل، والآن تموضعت إيران وحلفاؤها في سوريا، وهم يهاجمون إسرائيل من الأراضي السورية".

وحسب الوثيقة، فإنه "من غير الممكن ضمان أمن إسرائيل من الجبهتين السورية واللبنانية من دون سيادتها على الجولان. وأمن إسرائيل يعتبر جزءا من الأمن القومي للولايات المتحدة".

وأضاف السيناتوران -في بيان لهما- "أن الحدود الشمالية لإسرائيل مهددة من قبل القوات الإيرانية وحلفائها في لبنان وسوريا، بما في ذلك 150 ألف صاروخ يملكها حزب الله، وطائرات مسيرة هجومية، وأنفاق إرهابية تم الكشف عنها حديثا، وغيرها".

وحذر البيان من أنه "في هذه الأثناء، يقترب نظام الأسد بمساعدة الملالي، من تحقيق الانتصار في الحرب الأهلية، وسينتقل بعد ذلك إلى تهديد الدولة اليهودية من جديد".

وقالت مصادر في مجلس الشيوخ الأمريكي: إن "مشروع القرار هذا سيطرح على مجلس الشيوخ خلال عام 2019 ليتم إقراره، وستبذل الجهود للحصول على موافقة الرئيس ترامب من أجل سن قانون كهذا بعد ذلك".

وكان مسؤولون في إدارة ترامب قد ألمحوا خلال الأشهر الأخيرة، إلى أن إمكانية الاعتراف الأمريكي بـ"سيادة" إسرائيل على مرتفعات الجولان المحتلة، أمر وارد.

من ناحيته اعتبر سكرتير الحكومة الإسرائيلية السابق، تسفي هاوزر، الذي يشغل منصب رئيس التحالف من أجل مرتفعات الجولان، أن واشنطن "تكيف نهجها الدبلوماسي مع الواقع الجديد في الشرق الأوسط. فبعد نقل السفارة إلى القدس، آن موعد الاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان والقضاء على الآمال الإيرانية في الغطس في مياه بحيرة طبريا".

الأمم المتحدة تنصف السوريين

المساعي الإسرائيلية لنيل الاعتراف "غير الشرعي" بالسيادة على الجولان، من طرف دولي واحد على ما يبدو، متمثلًا في الحليف الأمريكي، سبقه قرار دولي قوي، في نوفمبر الماضي، حين تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالأغلبية الساحقة قرارًا يؤكد سيادة سوريا على هضبة الجولان المحتلة، ويدين احتلال إسرائيل للمنطقة باعتبار كل إجراءاتها هناك باطلة، فيما صوتت الولايات المتحدة ضد هذا القرار لأول مرة فى تاريخها.

وحظى مشروع القرار بدعم 151 دولة واعترضت عليه الولايات المتحدة وإسرائيل فقط، بينما امتنعت 14 دولة عن التصويت، ومن المقرر أن توافق الجمعية العامة رسميا على القرار خلال أيام.

الولايات المتحدة، صاحبة الصوت الوحيد الرافض لمشروع القرار، ذكرت في بيان صادر عن مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، نيكي هايلي، إن مشروع القرار الذي تم التصويت حوله "متحيز جدا ضد إسرائيل"، معتبرة أنه "لا يقرب الأطراف من التوصل إلى اتفاق سلام".

وأما مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، بشار الجعفري، فرأى، إن "تصويت الأغلبية الساحقة لمصلحة مشروع القرار يبعث برسالة واضحة لا لبس فيها إلى إسرائيل، مفادها أن احتلالها للجولان السوري أمر مرفوض وينتهك أحكام الميثاق ومبادئ القانون الدولي، وأن عليها إنهاء احتلالها لكل الأراضي العربية المحتلة، وأن تتوقف فورا عن انتهاكاتها لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949".

يُشار إلى أن هضبة الجولان تشكِّل منطقة عازلة بين إسرائيل وسوريا مساحتها نحو 1200 كيلومتر مربع، وكانت جزءًا من سوريا قبل أن تستولي عليها إسرائيل في حرب يونيو 1967 وتضمها إلى أراضيها عام 1981 في إجراء لم يعترف به المجتمع الدولي.

وكان الإسرائيليون يرحبون في وقت من الأوقات بإعادة الجولان مقابل السلام مع سوريا، لكنهم في السنوات الأخيرة باتوا يقولون: إن الحرب الدائرة في سوريا ووجود قوات إيرانية تدعم دمشق هناك يظهران الحاجة إلى الاحتفاظ بذلك الموقع الاستراتيجي.



اضف تعليق