سنة عبرية جديدة .. إسرائيل تبحث عن حكومة ولا ضمانة لهدوء قادم


٠١ أكتوبر ٢٠١٩ - ١٢:٤٩ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - د.محمد عبدالدايم

يوم الأحد 29 سبتمبر بدأت السنة الجديدة وفقًا للتقويم العبري، وربما أكثر ما يلاحظ خلال الأعوام الماضية أن إسرائيل لم تشن حربًا مباشرة، أو تدخل فيها، وهو ما يعده البعض إنجازًا أمنيًا، لأن جهاز الاستخبارات الإسرائيلية، والتطور الكبير في تقنيات السايبر ساعدا إسرائيل كثيرًا في الجانب المعلوماتي، ومن ثم التحرك مبكرًا بخطوات استباقية قام بها في معظم الحالات سلاح الجو الإسرائيلي.

جبهات ساخنة

خلال الفترة الماضية نشطت جبهات ساخنة حول إسرائيل؛ شمالا يربض حزب الله، بهدوء يشوبه الضعف جراء المشاركة في أحداث سوريا، لكنه يظل ندًا لإسرائيل، بينما تموج سوريا بتحولات سياسية وعسكرية رهيبة منذ سبع سنوات، صالت فيها وجالت إيران بقواتها وعتادها، ولم تكتف بالانتشار في سوريا والاقتراب من هضبة الجولان لتهديد إسرائيل، لكنها كذلك دشنت دعمًا عسكريًا لها في العراق، في رعاية قوات الحشد الشعبي.

في الجنوب حماس وقطاع غزة المحاصر، والمسيرات الفلسطينية المستمرة مع حلول ذكرى يوم الأرض، والاحتجاجات على اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، مع أنشطة المقاومة الفلسطينية عند السياج الفاصل، عام ونصف من التوتر، والتراشق بالتهديد المتبادل، قصف إسرائيلي عابر، عملية تسلل فاشلة، صواريخ منطلقة من غزة، آخرها على أشدود وعسقلان منذ أسبوعين بينما نتنياهو يروج لنفسه قبيل الانتخابات.

كبت إسرائيلي لقطاع غزة، واستنفار دائم لمنظومة القبة الحديدية لمواجهة الصواريخ، قصف جوي بشكل متكرر لأهداف إيران في سوريا، وتكبيد طهران خسائر فادحة في القوات والعتاد، وقبلها توجيه ضربة استخباراتية قوية بالتسلل إلى الداخل الإيراني وسرقة معلومات تخص النووي الإيراني، ضربات جوية مؤخرًا لتجمعات عسكرية لقوات الحشد الشعبي الشيعي، الذراع العسكري لإيران في العراق، وقبله عملية هندسية عسكرية لاستكشاف وهدم أنفاق حزب الله اللبناني، ثم طائرات مسيرة لاستفزاز حسن نصر الله ودفعه للرد بعملية أفيفيم لاختبار قوة رده وسرعة تحركه، واستدراجه لفخ الشعور بإنجاز عسكري.

تدارك خيار الحرب

مع اتساع جبهات الاستفزاز والمواجهة؛ كان خيار الحرب قائمًا، بل وكان الخيار الأول في بعض الحالات، ربما لو اتسع نطاق المقاومة والاحتجاج، وجرت مواجهات دموية على طول الجدار العازل، أو لو أدت الصواريخ التي تطلقها حماس والجهاد الإسلامي إلى سقوط قتلى إسرائيليين، أو نجح حزب الله في تنفيذ عملية في العمق الإسرائيلي عبر أنفاقه، أو أدت قذيفة إيرانية منطلقة من سوريا إلى خسارة في الشمال الإسرائيلي؛ في هذه الحالات كان الانزلاق إلى عملية عسكرية شاملة وشيكًا، لكن السياسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية في الفترة الماضية تقضي بتجنب الخسائر البشرية بأقصى قدر ممكن، وهذا بتجنب الحرب المباشرة، واستبدالها بضربات استباقية تؤدي أهدافها بفعل تحركات استخباراتية نشيطة، وتطور رهيب في تقنيات السايبر جعل إسرائيل واحدة من أهم مصدري هذه التقنيات بين الدول المنتجة للسلاح.


لا ضمانة لهدوء قادم

رغم ما يبدو عليه الأمر من تفوق عسكري إسرائيلي؛ فإن ما يقلق بعض الخبراء العسكريين هناك أن إسرائيل تبدو كما لو أنها لا تجهز خطة واضحة للتعامل مع أي تهديد يأتي من هذه الجبهات، ففي الجنوب ربما تُسكت أموال قطر حماس لبعض الوقت، لكن حصار القطاع طوال الفترة الماضية، وعدم وجود نية قريبة لتخفيفه سيؤدي حتمًا إلى انفجار كبير في غزة، مع ارتفاع نسب البطالة، وسيطرة حالة اليأس بسبب الظروف الاقتصادية والحياتية الخانقة، ولذلك، فمع أي شرارة تشتعل من غزة، وبجوار السياج الفاصل تنهال الهجمات السياسية على نتنياهو، باتهامه بسوء إدارة ملف غزة، وظهر واضحًا أن خصومه يضغطون على هذه النقطة تحديدًا، وظهر ذلك في تصريحات أفيجادور ليبرمان منذ استقالته من وزارة الدفاع، أو دعاية بيني جانتس لنفسه، كأحد ركائز الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014.

النار تحت الرماد في رام الله، فبمجرد خروج محمود عباس من الحكم، بسبب مشكلاته الصحية، ستكون هناك تحركات حادة للحصول على مكانه، وهذه التحركات من شأنها أن تؤدي إلى توتر في الجانب الفلسطيني، يزكي روح اليأس أكثر، وبالتالي قد تواجه إسرائيل غضبًا فلسطينيا من الضفة – التي تسعى لفرض السيادة عليها- ومن غزة المأزومة، بينما تستمر حماس في تجهيز قواتها عسكريًا، وتدعيم صفوفها للتحكم في الحركة الفلسطينية بعد رحيل محمود عباس.


خطر التعلق المحموم بترامب

حكومة نتنياهو ترتكن إلى دعم غير محدود من إدارة ترامب، لكن الأخير نفسه يواجه أزمة كبيرة قد تسقطه عاجلًا، أو آجلاً مع بدء الانتخابات الأمريكية، وعند تغير الصورة لدى الإدارة الأمريكية يمكن أن يحدث الانعكاس على النشاط السياسي والعسكري الإسرائيلي، خصوصًا وأن تحركات الجيش الإسرائيلي فوق العراق لم تلق استحسانًا أمريكيا، لأنها سببت حرجًا لإدارة ترامب أمام الحكومة العراقية، كما أن روسيا ترغب في تحجيم العمليات التي ينفذها سلاح الجو الإسرائيلي في سوريا.

 إسرائيل تنتظر الولايات المتحدة ليقر ترامب "صفقة القرن"، وفي المقابل ينتظر ترامب تدشين حكومة إسرائيلية ليعلن رسميا عن الصفقة المزعومة التي من الممكن أن تشعل الموقف في المنطقة المحيطة بإسرائيل، على خلفية بنود الصفقة التي تنهي على القضية الفلسطينية، وتعطي لإسرائيل ضوءًا أخضر لممارسات استيطانية فاحشة


توتر داخلي

يرتبط الملف الأمني الإسرائيلي بدائرة السياسة الداخلية كذلك، والعلاقة بين الأحزاب والتكتلات، فقد ظهر واضحًا ارتفاع وتيرة التحدي بين المتدينين والعلمانيين، خصوصا بسبب قضايا التجنيد، والعمل في أيام السبت، والتوتر قابل للزيادة بعد نتيجة الانتخابات الأخيرة، فنتنياهو يحاول أن يشكل حكومة قد تنجيه من السجن، بينما الشد والجذب بين حلفائه وخصومه على أشده، اليمين الحريدي في مواجهة مع اليمين العلماني، وقد لا تجدي المواءمات السياسية والوعود في حالة فشل نتنياهو في تشكيل حكومة، لتذهب إسرائيل نحو انتخابات ثالثة تُشعِر المواطن بمزيد من اليأس، لأنه على يقين بأن الفساد السياسي بات متفشيًا في إسرائيل.


سنة عبرية جديدة يتطلع فيها المواطن الإسرائيلي لرؤية حكومة جديدة، لا تمرغ رأس الدولة بالفساد، وتضع سياسة أمنية مستقبلية تغني عن نشوب حرب جديدة تؤدي إلى البحث عن رفات قتلى والمفاوضات لاسترجاع أسرى.


اضف تعليق