وحدة ألمانيا.. ثلاثة عقود وما زالت غير مكتملة


٠٢ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠٨:١٨ ص بتوقيت جرينيتش

كتب ـ جاسم محمد

تحتفل ألمانيا سنويا يوم الثالث من أكتوبر بتوحيد شطري ألمانيا، الشرقي والغربي، وسقوط جدار برلين، وسط جملة تحديات، أبرزها صعود اليمين المتطرف والإرهاب المحلي والتطرف والهجرة غير الشرعية وصناعة الكراهية.

ويقول الرئيس الألماني شتاينماير: لأننا لا نرغب أن تنضح الكراهية والمعاداة مثل السم في نقاشنا... لأننا لا نريد أن تتلاشى التفرقة بين الحقائق والأكاذيب"، لافتا إلى أن ذلك يسري على جميع النقاشات بمختلف أنواعها سواء على الإنترنت وكذلك في الشوارع والميادين. وهذا ما يستغله اليمين المتطرف في ألمانيا والتيارات الشعبوية في تعبئة الشارع الألماني والإعلام ضد الأجانب.

رئيس البرلمان الألماني (بوندستاغ) فولفغانغ شويبله، من الحزب المسيحي الديمقراطي حذر من الشعبويين الذين يصورون الأقليات وممثلي الشعب على أنهم أعداء.

وقال: "نواجه في ألمانيا أيضا عجرفة شعبوية تضع "الشعب" في مواجهة مع الخصوم السياسيين وأقليات مزعومة وحقيقية وأفراد منتخبين من الشعب". وذكر شويبله أنه لا يحق لأحد الادعاء بأنه وحده ممثل "الشعب"، موضحا أن جموع الناخبين ليسوا كتلة واحدة، بل "تعدد لقوى متعارضة".

في مثل هذا اليوم من عام 1990 جرى توحيد ألمانيا مجددا بعد ضم جمهورية ألمانيا الديمقراطية إلى ألمانيا الاتحادية. إعادة توحيد ألمانيا  بالألمانية Deutsche Wiedervereinigung) ) حيث ضمت فيه جمهورية ألمانيا الديمقراطية، أو ما كان يعرف بألمانيا الشرقية، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية، أو ما يعرف عادة بألمانيا الغربية. يبقى هذا اليوم يوم فرح للألمان، يوم ينظر فيه العالم باستمرار بإعجاب إلى هذا البلد الذي نجح في الإطاحة سلميا بالجدار الذي قسمه طويلا ليصبح موحدا وديمقراطية موثوقا بها وقوة اقتصادية مزدهرة كأحد أسس العالم الغربي.

يقول الشاعر الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته على لسان بطله فاوست: "ما ورثته عن آبائك يجب أن تنتزعه لضمان ملكيته". وتبدو هذه الجملة وكأنها مكتوبة من أجل هذا اليوم للوحدة الألمانية؛ لأن هذه الوحدة ليست أمراً موجوداً بسهولة، وهي ليست حقيقة ناضل من أجلها آخرون ويعتبرونها الآن بديهية.

بوابة (براندنبورغ (بالألمانيةBrandenburger

هي رمز مدينة برلين والبوابة تحمل اسم ولاية "براندنبورغ" التي تحيط بولاية برلين وتقع في ساحة باريسر، بدأ بناؤها عام 1788 وانتهى عام 1791 ولكن تحطم جزء منها في الحرب العالمية الثانية ثم أعيد بناء الجزء المحطم مرة أخرى. في حين أن البوابة الوحيدة المتبقية من مدينة برلين كانت تمثل فيما سبق الانقسام في المدينة إلى شرق وغرب برلين، ومنذ سقوط جدار برلين في عام 1989 أصبحت بوابة براندنبورغ ترمز إلى الوحدة الألمانية.


اليمين المتطرف

يوجد في ألمانيا حوالي 168 منظمة يمينية متطرفة، من بينها 21500 شخص يمارسون نشاطاتهم داخل أحزاب وتيارات معروفة، وعلى رأسها كل من الجمهوريين، الحزب الديمقراطي القومي واتحاد الشعب الألماني. وتقول وكالة حماية الدستور  بوجود عشرات الالاف لممارسة العنف في ألمانيا. ويتركز نشاطات اليمين المتطرف على التظاهر والاحتجاج، ويوظفون تكنولوجيا الإعلام الحديثة وخاصة المواقع الإلكترونية والتي يصل عددها إلى قرابة ألف موقع على الإنترنت.

أستثمر النازيون الجدد "الإسلام فوبيا" في ألمانيا وأوروبا، لتتحول إلى أحد الموضوعات الهامة في الحملات الانتخابية تحت ذريعة"أسلمة أوروبا". حاولت الحكومة الألمانية عدة مرات لتمرير قرار بحظر الحزب القومي الديمقراطي (إن بي دي)، لكنها فشلت بسبب قرار من المحكمة الدستورية.

لقد كانت مدينة دريسدن ولايبزك الواقعتان في الطرف الشرقي من ألمانيا معقل لتظاهرات اسبوعية تحت شعار "نحن الشعب" واليوم تنطلق حركة بيجيدا تظاهراتها على غرار تظاهرات سقوط جدار برلين عام 1990، من معقلها في دريسدن ولايبزك تحت شعار "وطنيون أحرار"، فهل يستطيع اليمين المتطرف هذه المرة إسقاط الائتلاف الحاكم مثلما فعلتها تظاهرات دريسدن ولايبزك عام 1990 بإسقاط جدار برلين؟

التباين بين شطري ألمانيا

تواجه الولايات االشرقية الألمانية مشكلة كبيرة مع تنامي اليمين المتطرف، فتقرير الحكومة الألمانية حول الوضع بعد أكثر من ربع قرن على الوحدة الألمانية بحاجة كبيرة إلى تحقيق تعويض كبير، فالاقتصاد هناك متعثر، والكثير من الشباب يغادرون الولايات الشرقية. والمؤسسات الاقتصادية صغيرة الحجم، وقلما توجد فروع شركات كبرى. وعليه فإن نسبة البطالة أكبر من مثيلاتها في غرب البلاد، وكذلك انعدام الآفاق. ولكن هذا الوصف تحديداً للوضع تم اعتماده طويلاً كتعليل لتنامي المد اليميني المتطرف الأقوى في الشرق.

لكن المستشارة الألمانية ميركل تقول غير ذلك، وإن ألمانيا حققت الكثير خلال العقود الثلاثة التي تلت إعادة توحيد شطري ألمانيا. لكن لا يزال لدينا الكثير لنفعله"، وأضافت إن القوة الاقتصادية للولايات الشرقية كانت تعادل 43% من القوة الاقتصادية للولايات الغربية، وقد وصلت هذه النسبة في الوقت الراهن إلى 75% " وهو ما يعني نجاحا عظيما".

الخلاصة

نجح الشعب الألماني بالفعل في إسقاط جدار برلين، قبل 30 عاما، لكن ما زال التقسيم قائما في عقول الألمان خاصة في الولايات الشرقية والذي أخذ يمتد إلى باقي أجزاء ألمانيا، أبرزها ولاية بافاريا جنوب البلاد. ألمانيا خلال عام 2019، تعاني الكثير من الضغوطات الخارجية والاقتصادية، أبرز هذه الضغوطات تأتي من الرئيس الأمريكي ترامب، بفرض ضرائب وتعريفات جمركية جديدة على الصادرات الألمانية، والمطالبة برفع إنفاقها العسكري.

وتعاني ألمانيا مشكلة ربما أكثر من باقي دول أوروبا، في "الإفراط" بالتزامها بــالاتفاق النووي الإيراني خمسة زائد واحد، والذي انعكس على رفضها الانضمام إلى قوة بحرية أمريكية في مياه الخليج، لمواجهة مخاطر إيران وتهديداتها لمصادر الطاقة وناقلات النفط.

تبقى "جبهة" أوروبا الشرقية، موسكو قلقا للالمان في أعقاب انسحاب ترامب من اتفاقية نشر الصواريخ النووية المتوسطة المدى، وانسحابات أمريكا من اتفاقات دولية أخرى منها المناخ، تلقي بعبء مسؤولية أكثر على برلين، للنهوض بمسؤوليتها.

"البريكست" لم تكن بعيدة عن برلين، فاحتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، من دون شك سيدفع ألمانيا تحديدا إلى مراجعة سياساتها خاصة في مجال الدفاع والأمن والتسلح، والنهوض بدور أكبر لسد فراغ بريطانيا بالاشتراك مع فرنسا.

سياسيا، يعتبر عام 2019، أكثر فترة "ضعف" تعيشها ألمانيا سياسيا، بسبب هشاشة الائتلاف الحاكم، والتغيير في توجهات الحكومة ومسارها الذي بدأ يتجه نحو اليمين، وهذا ما يجعل احتفالات ألمانيا بيوم الوحدة يوم الثالث من أكتوبر، احتفالية غير مكتملة، بسبب الفوارق بين الجانب الشرقي والغربي والضغوطات التي تخضع لها ألمانيا والمخاوف التي زادت أكثر داخل المجتمع الألماني أمام تمدد اليمين المتطرف والتيارات الشعبوية، التي باتت مصدر تهديد للنظام الديمقراطي.

الخيارات المستقبلية أمام ألمانيا

رغم ان ألمانيا لا ترغب النهوض بدور دولي يتناسب مع حجمها الاقتصادي، فإنها ستجد نفسها مضطرة، إلى النهوض أكثر بمسؤوليتها داخل الاتحاد الأوروبي، وكذلك أمام جملة قضايا في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وأجزاء أخرى من العالم، بات متوقعا أن تراجع ألمانيا قوانينها، وربما يصل الأمر إلى سنّ قوانين جديدة تصدرها المحكمة الدستورية الألمانية، ما يعني إجراء تعديلات على القانون الأساسي، "الدستور" من أجل أن تقوم ألمانيا بمهامها ذاتيا وأوروبيا ودوليا، مع تراجع في اقتصادياتها وناتجها القومي.



اضف تعليق