تظاهرات العراق.. حينما يلفظ الوطن الفساد والارتهان للخارج


٠٣ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠٣:٣٩ م بتوقيت جرينيتش

كتب - حسام عيد

في تظاهرات غير مسبوقة، انطلق العراقيون من العاصمة بغداد وبغضب عارم يوم الثلاثاء الموافق 1 أكتوبر، حتى تسيدوا المشهد في معظم المحافظات والمدن والأحياء.

تظاهرات هي الأولى منذ استلام حكومة عادل عبد المهدي السلطة قبل عام تقريبا، حيث يطالب المتظاهرون بمحاسبة الفاسدين ومكافحة البطالة.

وخلال ثلاثة أيام فقط، سقط 19 قتيلًا في وأكثر من 1000 جريح في مظاهرات جامحة ضد الفساد، وتطالب بتوفير فرص عمل، كما شهدت رفع المتظاهرين لافتات مناوئة للحكومة ونظام الملالي المهيمن على العراق، وكذلك صور مؤيدة للفريق عبد الوهاب الساعدي، الذي نقل من منصبه كقائد لقوات مكافحة الإرهاب إلى وزارة الدفاع الأسبوع الماضي.

"عبدالوهاب الساعدي".. كلمة السر الكاشفة

ولد عبدالوهاب الساعدي عام 1963 بمدينة الصدر في العاصمة العراقية بغداد، وفي عام 1985 تخرج من الكلية العسكرية العراقية.

بزغ نجم الساعدي، البالغ من العمر 56 عامًا، خلال المعارك ضد تنظيم الدولة "داعش" حيث قاد عملية استعادة مدينة الموصل من قبضة التنظيم بعد حصار استمر 9 أشهر عام 2017.

وكان قد كلف بعد سقوط محافظة الأنبار بيد التنظيم بقيادة قوة من جهاز مكافحة الإرهاب والقوات الخاصة في وزارة الداخلية وتمكن خلال فترة وجيزة من تحرير عدة مناطق في جنوب الرمادي مركز محافظة الأنبار.

لكن في قرار مفاجئ لرئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي تم نقل الساعدي من قيادة قوات مكافحة الإرهاب إلى وزارة الدفاع.

ومن جانبه، وصف الساعدي القرار بأنه "إهانة وعقاب". وأضاف قائلا إنه لا يعرف سبب القرار، ولكنه يفضل التقاعد على النقل لوزارة الدفاع. وقال: "لا يوجد عمل لي في وزارة الدفاع، أفضل التقاعد".

وقال أحد المتظاهرين إنه يرى "أيادي أجنبية" وراء القرار، في إشارة لإيران.

وقد أثار هذا القرار تكهنات بأن السياسيين في العراق لا يشعرون بالارتياح إزاء تنامي شعبية الساعدي بين العراقيين.

كما جاء القرار في وقت يتصاعد فيه التنافس بين إيران والولايات المتحدة في المنطقة.

وقد حظي قرار استبعاد الساعدي بتغطية إعلامية في العراق، وأطلق العراقيون وسمًا مؤيدًا له في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، حيث شعر الكثيرون بالغضب لما اعتبروه تهميشًا لشخصية عسكرية ناجحة وبارزة في الحرب ضد تنظيم داعش.

تظاهرات مطلبية.. الشعب قائدها

التظاهرات لم تنطلق بدعوة من حزب أو زعيم ديني كما تجري العادة في بغداد، وهذا ما جعلها غير مسبوقة في العراق، حيث جمعت الغاضبين المحتجين على غياب الخدمات العامة والبطالة.

فبصرخة وطنية، تجمع الآلاف في ساحات بغداد والناصرية والديوانية والبصرة والنجف وهم يهتفون أناشيد وطنية ويرفعون علم العراق، فهم النبض الحي لبلاد الرافدين والصرخة المعبرة ضد فساد سياسي واقتصادي عقيم.

ورغم أمر رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي الذي يطالب المتظاهرين برحيله، بإجراء تحقيق حول ملابسات خروج التظاهرات وسقوط 19 قتيلًا وأكثر من 1000 جريح في مختلف المدن العراقية، إلا أنه لن يفيد بشيء طالما أن الأسباب المحركة للتظاهرات يتم تجاهلها، واستمرار الغرق بسياسات ومحاصصات شلت قدرات العراق الاقتصادية في الست عشرة سنة الفائتة، منذ سقوط نظام صدام حسين.

فاليوم، خامس أغنى دولة نفطية في العالم تواجه عجزا يقارب 24 مليار دولار، وتعاني من أزمات كهرباء وخدمات وبطالة تزيد عن 25% بحسب أرقام البنك الدولي.

حكومات متعاقبة أهدرت المال العام وجعلت من العراق الدولة الـ 12 الأكثر فسادًا في العالم بحسب ترتيب منظمة "ترانسبيرنسي انترناشونال". وفي دولة أكثرها من الشباب ما دون سن الثلاثين، سيكون من الصعب احتواء التظاهرات من دون معالجة هذه الأرقام.

هيمنة ملالي إيران.. وغياب التزامات واشنطن

القضية الثانية التي تواجه العراقيين وتدفعهم للتظاهر هي مشكلة الارتهان، وتحول القرارات السيادية للعراق الى إكراميات ومزايدات للقوى الخارجية. فإقالة القادة الميدانيين الذين حاربوا تنظيم داعش ومن بينهم رئيس جهاز مكافحة الإرهاب عبد الوهاب الساعدي هو دليل على هذه العشوائية والتبعية في صنع القرار.

ففي الوقت التي كانت قوى الأمن العراقية تتشابك مع المتظاهرين، كان قائد فيلق القدس قاسم سليماني يتفاخر في مقابلة إعلامية بالتمدد الايراني الميليشياوي من العراق إلى اليمن.

كما تعد ميليشيات الحشد الشعبي المدعومة إيرانيًا والموالية لنظام خامنئي، المستفيد الأكبر من تخبط رئيس وزراء العراق الحالي عادل عبدالمهدي.

أما الولايات المتحدة الأمريكية، فالتزامها بالعراق ومساعدته بدأ يتراجع وسط أسئلة عن الواقع الاقتصادي والأمني في البلاد. فبعد 16 سنة على الحرب، لا يرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فائدة استراتيجية ضخمة من البقاء في العراق، وهناك أسئلة عن فرص عودة داعش ولو بشكل آخر مع فشل بغداد في إرساء المصالحة والتعاطي مع الواقع الاقتصادي.


اضف تعليق