ما هي خيارات أوروبا في أعقاب التوغل التركي شمال سوريا؟


١٢ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠٩:٥١ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - جاسم محمد

القلق الأوروبي، حول التوغل "الغزو" العسكري التركي إلى شمال سوريا، كان واضحًا في ردود أفعال دول أوروبا وفي رئيس المفوضية الأوروبية، وربما رد فعل فرنسا كان هو الأكثر شدة، بالقول: إنها لاتقف مشدودة الأيدي تجاه العمليات العسكرية للجيش التركي في الشمال السوري.

مخاوف أوروبية

تواردت ردود الفعل الأوروبية المستنكرة للعمليات العسكرية التي نفذها الجيش التركي في شمال سوريا وطالبت بشدة بوقفها، وهذا ما جاء على لسان رئيس المفوضية الأوروبية كلود يونكر.

المخاوف الأوروبية لم تتحدد في جزئية المقاتلين الأجانب ومقاتلي تنظيم داعش المحتجزين لدى قوات سوريا الديمقراطية "قسد" بقدر ما يتعلق الأمر بزعزعة الأمن والاستقرار في سوريا وتغيير موازين القوى.

مخاوف أوروبا أيضا تتمثل في جزئية المقاتلين الأجانب، بات محتملا أن يلتحق هؤلاء بتنظيمات متطرفة من جديد أو يتسللون إلى أوروبا عبر تركيا والعودة إلى أوطانهم بشكل غير مباشر، خاصة أنهم اصبحوا على دراية وخبرة بمسالك تهريب البشر وتزوير الوثائق.

احتمال فرار مقاتلي تنظيم داعش من سجون قوات "قسد" بات محتملا في اعقاب قصف الطيران التركي بعض هذه السجون والمخيمات في الشمال السوري وفي مدى العمليات العسكرية بعمق 50 كلم.

إضافة إلى تأثير العملية التركية على استقرار المنطقة واحتمال فرار مقاتلي "داعش" من المعتقلات، يرى البعض أن الخطوة التركية تهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي وعرقي في الشمال السوري.

سجون "قسد" ضمن مدى العمليات العسكرية

تحتجز قوات سوريا الديمقراطية، أكثر من 12 ألف شخص بينهم 2500 أوروبي بينهم 800 مقاتل أوروبي، يشتبه بأنهم أعضاء في تنظيم داعش في سبعة سجون. ما لا يقل عن 4000 من السجناء من الرعايا الأجانب، وإن بعض السجون قريبة من الحدود التركية.

 وتحتجز " قسد"عائلات عناصر داعش في ثلاثة مخيمات للنازحين: مخيم روج، عين عيسى، والهول،ويضم كل من مخيم روج وعين عيسى - 1700 و 12900 شخص على التوالي.  ويعد مخيم الهول الأكبر من نوعه حتى الآن، حيث يبلغ عدد سكانه أكثر من 68 ألف نسمة، ويبعد نحو 60 كيلومترا عن تركياأكثر من 94 في المئة من سكانه من النساء والأطفال، من بينهم 11 ألفا من الأجانب.

ورغم ان دول أوروبا سبق ان اتخذت الاجراءات حول عودة المقاتلين الى اوطانهم، لكن التحقيقات كشفت، انه لايمكن تتبع دخول هؤلاء الابعد فترة من دخولهم، والسبب يعود احيانا على عدم وجود تصاريح باعتقالهم، كون بعض دول أوروبا تحتاج الى جمع الشواهد والادلة، والبعض لايمكن تتبع عودته.

الرئيس الامريكي ترامب،  يحاول تخفيف المخاوف الأوروبية بفرار مقاتلي داعش خلال العمليات العسكرية للجيش السوري، بالقول ان تركيا سوف تتسلم مسؤولية الاحتفاظ بسجناء تنظيم داعش ! فهل يقتنع الأوروبيون؟

إن دول أوروبا غير مقتنعة بالرد الأمريكي ابدا، ويكمن ذلك بسبب عدم وجود الثقة بين أوروبا وأردوغان، ليس على مستوى الشارع الأوروبي بل الطبقة السياسية.

إن تورط أردوغان مع تنظيم داعش لم يعد سرا، وجاء بشكل غير مباشر على لسان العديد من المسؤوليين، بقولهم إ العمليات العسكرية للجيش التركي تعيد نشاط الخلايا النائمة وتنظيم داعش إلى الواجهة، وبالفعل شهدت بعض مناطق قوات سوريا الديمقراطية "قسد" بعض العمليات الإرهابية وتفجير سيارات.

ما عدا ذلك فإن قوات "قسد" تشعر بالإحباط والخذلان بسبب التخلي الأمريكي عنها بعد أن قدمت الكثير من التضحيات لمحاربة الإرهاب وتنظيم داعش، آخرها معركة الباغوز خلال شهر مارس من العام الجاري 2019، وهذا يعني أن قوات "قسد" لا تنوي الاحتفاظ بعناصر داعش، بل يمكن أن تقوم بإطلاق سراحهم.

هل تتدخل أوروبا عسكريا في سوريا بعد الانسحاب الأمريكي؟

المعطيات السياسية والعسكرية، تقول: إن دول أوروبا لا يمكن لها التدخل عسكريا في سوريا، ويعود ذلك إلى ما يلي:

 عامل الوقت: العمليات العسكرية للجيش التركي جاءت سريعة، والانسحاب الأمريكي كان صدمة لدول أوروبا، رغم ان دول أوروبا كانت تتوقع ذلك، لكنها لم تتوقع أن تترك قوات سوريا الديمقراطية أمام تركيا بهذه الطريقة. الانسحاب الأمريكي أيضا يترك قوات "قسد" هدف سهل لتنظيم داعش وللتنظيمات المتطرفة.

 ضعف أوروبا: إن أوروبا الآن تعيش أضعف حالاتها، بسبب قضية "البريكست" بريطانيا، يمكن تحييدها عسكريا بسبب ما تعانيه من مشاكل سياسية وانشغالها قي قضايا تهم أمنها القومي أكثر من التدخل العسكري في سوريا، وإن تدخلت بريطانيا، فسوف تتحدد بضربات جوية.

فرنسا: قدمت فرنسا الكثير من الوعود لقوات قسد، حيث وعدتها في وقت سابق بالدعم وعدم التخلي، ورغم القدرات العسكرية الفرنسية، فإنها تفتقد إلى القوة العسكرية على الأرض، ولا يمكنها الدخول في سباق مع الجيش التركي الذي حسم عامل الوقت لصالحه.

ألمانيا: القوة العسكرية الألمانية في سوريا، تتحدد في الدعم اللوجستي، وتأمين وقود الطائرات لقوات التحالف الدولي ضد داعش.

الرهان على الخيار السياسي: إن دول أوروبا لا تبحث عن الخيار العسكري، في دول المنطقة ومناطق النزاع خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وكأنها أصبحت قاعدة أبرزها إلى المانيا، رغم أن بعض دول أوروبا لديها من يقاتل بالوكالة في مناطق النزاع ضمن مبدأ "الجيل الرابع والخامس من الحروب الهجينة"، وهذا يعني: لا قوات أوروبية على الأرض.

كيف تتعامل أوروبا مع واقع ما يجري في شمال سوريا؟

يبقى الخيار العسكري، بعيدا، وإن حصل يبقى محدودا جدا، وممكن أن يتمثل بضربات جوية، على الأغلب ينفذها الطيران الفرنسي أو البريطاني، لكن يبقى الخيار السياسي قائما، أي حث تركيا وباقي الأطراف على إيجاد حل سياسي لإيقاف العمليات العسكري، رغم أن التقديرات تقول إنها لم تؤت نفعا. العقوبات الأوروبية واردة جدا، وهذا ما صرح به كبار المسؤوليين الأوروبيين، بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية على أنقرة.

ما بعد القضاء على معاقل تنظيم داعش في الموصل والرقة، يبدو أن انشطة التحالف الدولي تقلصت، وتركزت على الجهد العسكري الأمريكي، وهذا ما ظهر خلال عمليات الباغوز السورية، في شهر مارس 2019، ولم يكن هناك نشاط عسكري بارز إلى دول أوروبا، رغم الضغوطات التي فرضها ترامب على أوروبا، بسد الفراغ الأمريكي وتحمل مسؤوليتها. وهذا يعني أنه لم يعد التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش قائما على الأرض.

الانسحاب الأمريكي من سوريا والعراق، يضع نهاية إلى هذا التحالف. الانسحاب هو جزء من إستراتيجية ترامب في سحب القوات من الشرق الأوسط، وربما إعادة التموضع دوليا في مواجهة تحديات الصين وجنوب آسيا اكثر من الشرق الأوسط.

ويبدو أن تخلي ترامب عن القوات الكوردية، يأتي من أجل الإطاحة بطموحاتهم بقيام دولة شمال سوريا، من شانها تغير موازين القوى، وفي ذات الوقت سحب تركيا للتورط بعمليات عسكرية تستنزف قدرتها الاقتصادية والعسكرية، وفي ذات الوقت الانسحاب الأمريكي يعتبر ارضاء الى اردوغان.

الغزو التركي يعيد تنظيم داعش للواجهة

العمليات لعسكرية في سوريا تأتي بضحايا مدنيين وتعمل على اثارة الفوضى، يستغلها تنظيم داعش للظهور إلى الواجهة وإن كان هذا الظهور خجولا.

التوغل العسكري التركي إلى شمال سوريا، مرتبط بكلمة زعيم تنظيم داعش أبوبكر البغدادي، قبل أسابيع، وعد فيها "فك أسر عناصر وعائلات داعش، من السجون والمخيمات"ما جاء في رسالة البغدادي الآن ينفذه أردوغان من خلال شن الهجوم العسكري على شمال سوريا.



اضف تعليق