المستشفيات السورية تحت القصف.. قصة 12 ساعة من الرعب


١٤ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠٨:١٨ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - أسماء حمدي

"هل تمضي نهارك هاربا خائفا عيناك ترقبان السماء، وتمضي ليلك مستيقظا هلعًا من أي صوت"، إنه هاجس الرعب الذي كتب على السوريون أن يعيشوه بعد أن أصبحت روسيا شريكًا للنظام السوري في قتل المدنيين منذ بدء تدخلها في سوريا في سبتمبر 2015.

في يوم ٥ مايو اعتبرت فترة الـ١٢ ساعة من القصف مدة صغيرة من الحرب الجوية في سوريا، ونموذج مصغر عن التدخل العسكري الروسي الذي استمر لأربع سنوات خلال الحرب السورية، وهذا الأسبوع تم فتح جبهة جديدة في الصراع، عندما عبرت القوات التركية الحدود مع سوريا كجزء من حملة تخوضها ضد الميليشيات الكردية.

لطالما اتُّهمت روسيا بالقيام بهجمات ممنهجة ضد المستشفيات والعيادات في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية كجزء من استراتيجيتها لمساعدة ودعم بشار الأسد، ولسحق ما تبقى من المعارضة وللانتصار في الحرب الدائرة منذ ثماني سنوات، لكن الآن "أصبح الأمر موثقا".

قامت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان، وهي مجموعة من الناشطين الحقوقيين بتتبع الهجمات على العاملين في المجال الطبي في سوريا، ووثقت ما لا يقل عن ٥٨٣ من الهجمات منذ عام ٢٠١١، ٢٦٦ من هذه الهجمات تم تنفيذها منذ بدء تدخل روسيا في أكتوبر٢٠١٥، هذا وقد قتل ما لا يقل عن ٩١٦ عاملا في المجال الطبي في سوريا منذ العام ٢٠١١.

كشفت صحيفة "نيويورك تايمز"، أن روسيا تعمدت قصفت 4 مستشفيات في سوريا في غضون 4 ساعات، في الغارة الجوية في مايو الماضي، واعتمدت الصحيفة على تسجيلات صوتية للقوات الجوية الروسية لم تنشر من قبل، وسجلات تحديد مواقع المقاتلات وإفادات شهود العيان مكنت الصحيفة من تتبع عمليات القصف الروسي، وتحديد هوية قائد كل مقاتلة شاركت في القصف.

وتقول الصحيفة، إنه من خلال المشاركات على مواقع التواصل الاجتماعي من سوريا في ذلك اليوم والمقابلات مع شهود العيان وسجلات الجمعيات الخيرية التي تدعم المستشفيات الأربعة، أصبح من الممكن الحصول على الوقت التقريبي لكل غارة، كما حصلت على سجلات لحركة الطيران يحتفظ بها مراقبون من الأرض لتحذير المدنيين من الغارات الجوية القادمة نحوهم، و تحققت من وقت كل غارة لتأكيد أن الطائرات الحربية الروسية كانت تحلق فوق هذه المناطق.

بعد ذلك، عملت الصحيفة على فك رموز الآلاف من موجات بث الراديو التابع للقوات الجوية الروسية، والذي وثق أشهر من نشاط الطيارين في سماء شمال غرب سوريا، كما حصلت الصحيفة على سجلات المراقبين في يوم ٥ و٦ مايو تؤكد تحليق الطيارين الروس فوق كل مستشفى في الوقت الذي تم قصفه، كما تظهر السجلات الصوتية للقوات الجوية في ذلك اليوم الطيارين الروس خلال تأكيدهم لكل غارة، وأكدت مقاطع الفيديو التي تم الحصول عليها من الشهود وقوع ثلاثة غارات.



أرى الهدف

البداية كانت عند مشفى نبض الحياة الجراحي، الذي أخلاه طاقمه قبل ثلاثة أيام من قصفه تحسبا من حدوث غارات، كان من بين المنشآت الطبية التي قصفت خلال فترة الـ12 ساعة في 5 مايو.

وتعرض مستشفى نبض الحياة الواقع في جنوب محافظة إدلب والذي يخدم  حوالي مئتي ألف شخص، للهجوم ثلاث مرات منذ افتتاحه في عام ٢٠١٣، وتم نقله مؤخرًا إلى مجمع تحت الأرض يقع في أرض زراعية، على أمل أن تتم حمايته من الغارات الجوية.

وكان المسشفى يجري حوالي ٥٠٠ عملية جراحية ويستقبل ٥٠٠٠ مريض شهريًا، وفقًا لإحصائيات منظمة سوريا للإغاثة والتنمية.

وأعطى ضابط روسي في غرفة التحكم على الأرض الإحداثيات التي تتوافق مع المستشفى إلى الطيار الذي رد بعد دقائق بالقول: "أرى الهدف"، ومن ثم أعطت غرفة التحكم الإذن للطيار للقيام بالغارة، في نفس الوقت الذي قام به أحد مراقبي مراصد الطائرات الحربية، المكلف بتحذير المدنيين حول غارات وشيكة، بتسجيل وجود طائرة حربية روسية في المنطقة.

وأبلغ الطيار بعد ذلك عن إلقاء قنابل، ووثق صحفيون محليون كانوا يصورون المستشفى ثلاث قنابل تخترق سقفها وتنفجر.

وفي نفس الوقت الذي تعرض فيه نبض الحياة وعلى بعد عدة أميال، تعرض مستشفى كفرنبل الجراحي للقصف عدة مرات، وتماما كما حدث مع الغارة السابقة، وثقت الصحيفة تسجيل مرصد طائرات لتحليق طائرة روسية تزامنا مع محادثة للقوات الجوية الروسية يقول فيها الطيار إنه "نفذ" الهدف مبلغا عن ثلاث ضربات بفارق خمس دقائق، ما يتطابق مع تسلسل زمني أعطاه أحد الأطباء.

وقصف الطيارون الروس مستشفيين آخرين في إطار الـ١٢ ساعة، هما مستشفى كهف كفر زيتا ومستشفى الأمل لجراحة العظام، وفي كلتا الحالتين، سجل المراقبون تواجد للقوات الجوية الروسية في الأجواء تزامنا مع وقت حدوث الغارات، وقد أعطت المرافق الأربعة إحداثياتها إلى الأمم المتحدة لإدراجها في قائمة منع الاستهداف.

منذ ٥ مايو، تعرض ما لا يقل عن ٢٤ مستشفى وعيادة في منطقة شمال غرب سوريا الواقعة تحت سيطرة المعارضة لاستهداف بالغارات الجوية، وقال عاملون سوريون في القطاع الطبي إنهم يتوقعون استمرار استهداف المستشفيات بسبب عجز الأمم المتحدة ودول أخرى عن إيجاد طريقة لمحاسبة روسيا.

وقال رئيس الممرضين في مستشفى نبض الحياة -والذي طلب عدم الكشف عن هويته خشية أن يستهدف- "لطالما كانت الحجة من جانب الروس أو النظام هي أن المستشفيات تتم إدارتها من قبل مجموعات إرهابية"، وتساءل: "هل من الممكن حقا أن يكون جميع الناس إرهابيين؟".



جريمة حرب

يعد قصف المستشفيات جريمة حرب، لكن إثبات المسؤولية عن ارتكاب جرائم الحرب وسط حرب أهلية معقدة مسألة صعبة للغاية، فحتى الآن، يفتقر العاملون في المجال الطبي في سوريا ومنظمات حقوق الإنسان إلى دليل على هذه الجرائم، كما أن مركز روسيا كعضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قد منحها الحماية، وجعل منظمات الأمم المتحدة مترددة في اتهام القوات الجوية الروسية بالمسؤولية.

تقول سوزانا سيركين، مديرة السياسات في منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان "إن الهجمات على المراكز الصحية في سوريا، وكذلك القصف العشوائي للمرافق المدنية هي بكل تأكيد جرائم حرب ينبغي المحاسبة عليها في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي"، مضيفة "الصين و روسيا استخدمتا حق النقض "الفيتو" للاعتراض وبصورة مخزية على قرار لمجلس الأمن كان من شأنهما إحالة تلك الجرائم إلى المحكمة".

وتشير الصحيفة إلى أن الحكومة الروسية لم ترد مباشرة على الأسئلة حول قصف المستشفيات الأربعة، وبدلا من الرد، أشار متحدث باسم وزارة الخارجية إلى تصريحات سابقة تدعي أن سلاح الجو الروسي ينفذ ضربات دقيقة فقط على "أهداف تمت دراستها بدقة".

في أغسطس الماضي، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريس، فتح تحقيقًا في قضية استهداف المستشفيات، والذي لا يزال جاريا، يهدف إلى تحديد سبب الهجوم على المستشفيات على الرغم من أن تلك المستشفيات أضافت مواقعها طوعًا إلى قائمة منع الاستهداف التي ترعاها الأمم المتحدة والتي تم إعلام روسيا و أطراف الصراع الأخرى بها لمنعهم من الهجوم عليها.

يقول سوريون عاملون في القطاع الصحي: "يبدو أن قائمة الأمم المتحدة أصبحت تستخدم كقائمة أهداف عسكرية من قبل الطيران الحربي السوري والروسي".

وقال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إنه في الفترة الواقعة بين ٢٩ أبريل وحتى منتصف سبتمبر، عندما هاجمت القوات الحكومية الروسية والسورية آخر معاقل المعارضة في شمال غرب سوريا، تعرضت ٥٤ مستشفى وعيادة للهجوم، حاول ما لا يقل عن سبعة مشافي حماية أنفسهم من خلال إضافة مواقعهم إلى قائمة منع الاستهداف، لكن في 5 و٦ مايو، هاجمت روسيا أربعة مستشفيات كان جميعها ضمن القائمة.




اضف تعليق