مارجريت آتوود: اجعلوهم ينتظرون.. ولكن ليس طويلا


١٥ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠٦:٢١ م بتوقيت جرينيتش

رؤية

"عليك أن تتزوجي وتستقري وأن تتركي فكرة الكتابة".. كانت هذه نصيحة أستاذ جامعي للكاتبة الكندية مارجريت آتوود، وهي ما اعتبرتها أسوأ نصيحة تلقتها تتعلق بالكتابة

لأن البشر ليسوا "أميبا"؛ قررت مارجريت آتوود أن تكتب القصص. تقول: "نحن نحكي، إذن نحن موجودون. لذلك نحن لسنا كائنات أميبية. أنا كائن بشري لذلك أحكي".

في العاصمة الكندية أوتاوا، وُلدت مارجريت إليانور آتوود، في 18 نوفمبر 1939، لأم تعمل اختصاصية تغذية، ووالد عالم حشرات، يعمل في الغابة، لذلك أمضت معظم طفولتها في غابات باكوود في كيبك، وكانت الكتابة واحدة من اهتماماتها العديدة خارج أوقات الدراسة.

اعتادت آتوود قضاء الصيف في الغابة وقضاء الشتاء في المدينة، ولهذا تقول: "كنت أظن المدينة باردة على الدوام مكسوّة بالثلج، فهذا هو الوقت الوحيد الذي كنت أراها فيه".

بدأت مارجريت الكتابة مبكرا جدا حيث كانت لا تزال في سن الخامسة، وفي عمر السادسة عشر قررت أن تمتهن الكتابة، عندما عثرت على كاتبها المفضل "فرانز كافكا"، وقرأت له "المحاكمة"، فظلّت مستيقظة إلى صباح اليوم التالي، وعندما جلست على مائدة الإفطار قالت لوالدها: "لقد وجدت مهنة تناسبني.. إنها الكتابة".




نساء يبحثن عن علاقتهن بالعالم

تشتهر آتوود برؤيتها النسوية، وتتحدث في موضوعاتها عن نساء يبحثن عن علاقتهن بالعالم وبالأفراد من حولهن. وفي أولى مجموعاتها الشعرية، كانت تتأمل في السلوك الإنساني، وتمجد في العالم الطبيعي، وتدين المذهب المادي.

في عام 1985، كتبت روايتها الأشهر "قصة الخادمة"، والتي تحولت لفيلم سينمائي عام 1990 وللأوبرا عام 2000.. البطلة أوفريد (Offred) الخادمة في جمهوريَّة جلعاد، وهي دولةٌ شموليَّة يحكمها رجال الدين، وكُلِّفَتِ الخادماتُ بما فيهم أوفريد، بسبب انخفاض معدلات الإنجاب إلى مستوياتٍ خطيرة نتيجة للتَّلوث البيئيّ، بمُهمةِ الحمل وإنجاب أطفال للعائلات الغنيَّة التي تُعاني من العقم، وتخدم أوفريد السيد وزوجته سرينا جوي.

أوفريد ليس اسم الخادمة الأصلي، لكن كل أسماء الخادمات تتكون من "of" متبوعة باسم "السيد" وهو fred في هذه الحالة. حريَّة الخادمة مثل باقي النساء مُقيدة جدًا، فهي لا تخرج إلا لقضاء المُشتريات، ولا يمكنها أن تغلق باب غرفتها عليها، ويراقب حركتها البصاصون، وفي كل شهر أثناء الفترة المناسبة للحمل؛ تخضع لسيدها دون أي كلمة أو أي إظهار للمشاعر.

تستكشف آتوود النتائج التي قد تترتب على حدوث ردة في حقوق المرأة، ففي عالم الكابوس الذي خلقته جيلياد سيطر عالم من المتطرفين الدينيين على الدولة وأعادوا النظام والقوانين والحريات إلى ما أسموه "السنن الأصلية" حيث تخضع المرأة كاملًا لسلطان الرجل. فليس لها صوت انتخابيّ، ولا يمكنها العمل أو القراءة. بل كانت السلطة تنظم حملات توعية مستمرة بأن هذا النظام الاجتماعي يوفر للمرأة المزيد من الاحترام والسلامة أكبر بكثير من المجتمع الأمريكي القديم بحرياته المزعومة.

عن هذا تقول آتوود: "تأثرت كثيرا بسيمون دي بوفوار، وبالخصوص كتابها العظيم "الجنس الآخر" والذي تسلط فيه الضوء على نظرة الرجال إلى النساء على اعتبارهن مجرد جنس. جنسٌ مطلق ولا شيء غير ذلك. فالمرأة ثانوية والرجل ضروري وأساسي. الرجل مطلق والمرأة هي الآخر".


في عام 2000 كتبت رواية "القاتل الأعمى" ونالت عنها جائزة المان بوكر، وفيها نتعرف على حكاية شقيقتين، إحداهما انتحرت بعد الحرب العالمية الثانية، نتيجة مقتل حبيبها في الحرب، والثانية امرأة مسنّة تستعيد ذكريات طفولتها وعلاقتها غير الشرعية بحبيب شقيقتها، إضافة إلى زواجها التعيس من رجل يكبرها سنّاً.

وفي روايتها "أوركس وكريك"، تصف نهاية العالم بسبب وباء قاتل في المستقبل القريب، من خلال ملاحظات وذكريات بطل الرواية، والذي ربما يكون الناجي الوحيد من هذا الحدث المروع. كما تحكي الشخصيات الثانوية من هذه الرواية قصة انهيار العالم من وجهة نظرهم، في الرواية التالية "عام الطوفان"، وتختتم ثلاثيتها برواية "مادآدم".

وتتجاوز أعمال آتوود الخمسين كتابا ما بين الروايات، القصص القصيرة، المجموعات الشعرية. لذلك إذا أراد قارئ أن يقرأ أحد كتبها لكنه ليس على دراية بأعمالها، فإنها تنصح: إن كان شابًا، ينبغي أن يبدأ بـ "أوريكس وكريك". وإن كانت امرأة شابة، فلتقرأ "قصة الخادمة". وإن كان القارئ مُتقدمًا في السن ومُهتمٌا بالتاريخ، سأقترح "المُذنبة" أو "القاتل الأعمى". وإن كان شخصًا يرغب في قراءة أشياء قصيرة للغاية، سأقترح أيا من كُتب القصة القصيرة. أو لو أقصر من ذلك، فيمكنهم شراء كتاب مثل "العظام الجيدة" أو "جريمة قتل في الظلام"، واحدة من تلك المجموعات القصصية شديدة القصر. إن كانوا مُهتمين بالقصائد، فليقرأوا "القصائد المختارة" أو "الصباح في البيت المحترق"، أو "الباب".




الجرأة والخروج على المحرمات!

تدين آتوود لجورج أرويل وكافكا، وتقول إنها تعلمت الكتابة من خلال عشقها لرواياتهما.. "دوماً، لم أرد أن أكون بوقاً لأيّ مذهب".

في حوار أجراه "نواه تشارني"، وتم نشره في "الدايلي بيست"، طلب منها أن تصف روتينها الصباحي. فقالت: سأكون محظوظة لو كان لي روتين صباحي! لكن دعنا نتظاهر... كنت لأستيقظ صباحًا، أتناول الإفطار، وأشرب القهوة، ثم أصعد للطابق العلوي حيث الغُرفة التي أكتب فيها. كنت لأقعد وفي الغالب أبدأ في تبييض ما كتبته بيدي في اليوم السابق.

في مُعظم الأحيان لا تتواجد آتوود في مكان خاص بالكتابة. أما ما تحتاج لإنتاجه حتى تشعرين بأنها مرت بيوم كتابة مُثمر، فهو عادةً ما يكون عددًا مُعينًا من الكلمات. بين الألف والألفين.

عادة ما تبدأ بتأليف الكُتب بخط يدها. وعادة ما تحب الكتابة بقلم سائل. قلم بداخله حبر.. "إنها الطريقة التي ينزلق بها على الصفحة التي تثيرني".

تتجه آتوود نحو موضوعات الحرية والديمقراطية وشؤون المرأة والمجتمع، ولكن على نحو هزلي ساخر. وتنوع الموضوعات من البيئة إلى الجسد والإيديولوجيا. تقول إن الجرأة والسخرية والخروج على المحرمات وعدم الاعتراف بما يسمى المدينة الفاضلة؛ كل هذه العناصر جعلت كتابتها حاضرة وذات تأثير في المشهد الأدبي.

أما عن نصيحتها للكتاب فهي لا تتفق مع تشارلز ديكنز حين قال: "جعلوهم يضحكون، اجعلوهم يبكون، اجعلوهم ينتظرون". بل تقول "اجعلوهم ينتظرون، لكن ليس لمدة طويلة، وبشكل خاص ليس بعد الجثة الأولى في قصة عن جريمة ما".

ومن نصائحها الأخرى: احتفظ باهتمام القارئ. (الأرجح أن هذا سيكون أفضل إذا استطعت الاحتفاظ باهتمامك أنت) ولكنك لا تعرف من هو القارئ، لذا فإن الأمر أشبه بمحاولة اصطياد سمكة بنبلة في الظلام. الشيء الذي سوف يسحر (فلان) هو نفسه الذي سوف يضجر (علّان) ضجراً لا زيادة فوقه.


الكلمات الدلالية مارجريت آتوود

اضف تعليق