السادات الثعالبة.. أقدم مدرسة مصرية "في خبر كان"


١٦ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠٨:٢١ ص بتوقيت جرينيتش

كتب – هدى إسماعيل وعاطف عبداللطيف

لا تتعجب ولا تندهش من الصور التي قد تصيبك بالصدمة عزيزي القارئ، إنه المصير المؤلم الذي آلت إليه أقدم المدارس الباقية في عمارة مصر الإسلامية قاطبة؛ ويعد ضريح ومدرسة "السادات الثعالبة" الكائن بشارع سيدي عقبة بالقرب من مسجد الإمام الشافعي بمنطقة مصر القديمة، أحد المنارات العلمية الهامة التي ساهمت بقوة في تعليم أبناء العرب و"مصر المحروسة" المذهب السني وعملت على التصدي للفكر الشيعي خاصة في العصر الأيوبي.

ورغم أن إيوان "السادات الثعالبة" بمصر القديمة مدرج منذ سنوات طويلة بالآثار المصرية ويحمل رقم 282، إلا أن كم الإهمال والتعديات والإساءة التي يعانيه الأثر النادر والهام في تاريخ العمارة الإسلامية بأسرها وليست الحضارة المصرية يدعو للعجب، حيث تمرح فوق أطلاله المحطمة الكلاب الضالة وتنتشر القمامة والركام وأمبولات وحقن المخدرات فوق كل شبر من أي أرض طالما وطئتها أقدام طلاب العلم قبل مئات السنين، ناهيك عن تعديات بالدفن قام به االبعض في أوقات قريبة في بقعة أثرية نادرة، فضلًا عن تهدم قاعات الإيوان إلى قاعة واحدة للتدريس، واختفاء الكثير من معالمه وأركانه وتتبقى بعض حوائطه شاهدة على تاريخِ مندثرِ وقيمِ أصيلةِ ذهبت في "خبر كان" مع تعاظم الإهمال وتفاقم أزمات الاهتمام بالتاريخ.



مدارس إسلامية

تعرف بأنها الوحدات والمنشآت المعمارية التي انتشرت في شرق العالم الإسلامي في القرن الخامس الهجري والقرن الحادي عشر الميلادي على يد دولة السلاجقة (السنية المذهب) والتي كانت تحكم تحت لواء الخلافة العباسية في إيران والأناضول وأجزاء من أفغانستان، وجاءت تلك المدارس إلى مصر خلال الحكم الفاطمي في القرن السادس الهجري/ القرن الثاني عشر الميلادي.

ويقول الباحث التاريخي "يوسف أسامة": عندما أمسك بتلابيب الحكم في مصر -آنذاك- وزراء سنيون أقوياء عملوا على إنشاء مدرستين في الإسكندرية ومدرستين في القاهرة حيث عمل الوزير صلاح الدين الأيوبي وقتئذ على بناء المدارس السنية، مثل المدرسة الصلاحية والناصرية والسيوفية، وكانت خطة أيوبية للقضاء على المذهب الشيعي وبقايا الخلافة الفاطمية في مصر كي تعود "المحروسة" للمذهب السني.

وأضاف "يوسف أسامة": إن العصر الأيوبي شهد تشييد 27 مدرسة سنية، 24 مدرسة في القاهرة، واتنتين في الإسكندرية وواحدة في الفيوم، ويتبقى منهم 3 مدارس فقط حاليًا، اتنتان في شارع المعز بالقاهرة وهي المدرسة الكاملية لتدريس الحديث أنشأها (السلطان الكامل)، والمدرسة الصالحية أسسها (الصالح نجم الدين أيوب لتدريس المذاهب الأربعة)، ومدرسة السادات الثعالبة خلف مسجد الإمام الشافعي الشهير.

وأشار الباحث التاريخي إلى أن النص التأسيسي للمدرسة نزعته هيئة حفط الآثار العربية ووضعته أمام المدرسة وتمت سرقته منذ وقت قريب، وقال كريزول، عالم الآثار الإسلامية، إن مدرسة السادات الثعالبة كانت مكونة من إيوانين متعامدين على صحن مكشوف، ولكن الإيوان الثاني تهدم بفعل الإهمال والتعديات، وهناك أجزاء من التركيبة الخشبية التي نقلت إلى قاعة الكتابات بمتحف الفن الإسلامي في القاهرة ومتحف فيكتوريا وألبير.









النشأة

مدرسة السادات الثعالبة شيدها الأمير الكبير "فخر الدين أبوالنصر إسماعيل بن ثعلب الزينبي الجعفري"؛ والذي تولى منصب أمير الحج في عصر السلطان العادل الأيوبي؛ وتم بناؤها سنة 613هـ/ ١٢١٦م؛ وألحق بها ضريح ليدفن فيه.

والسادات الثعالبة تفرعت شجرتهم من إبراهيم الإعرابي بن محمد الجواد بن علي الزينبي، وقال عنه "ابن عنبة": "كان من أجلة بني هاشم، وأمه بنت عبدالله بن عباس"، وذكر "الأزورقاني" أن أولاده خمسة عشر ابنًا ولم يسمهم، ولكنه سمى منهم ابن عنبة ثمانية، قال وهم: "عبدالله وهاشم وصالح ومحمد ويحيى وعبدالرحمن وعبيدالله وجعفر أمير الحجاز".

وتتألف المدرسة من إيوان مستطيل متعمق يتوسط ضلعه الجنوبي الشرقي المحراب، وهو يتكون من حنية تعلوها طاقية مزينة بزخارف مشعة تنتهي بحطات من المقرنصات التي تتسع كلما اتجهنا للخارج ويأتي فوق المحراب ثلاث مستويات للنوافذ السفلى ثلاث نوافذ والأوسط من نافذتين والعلوي من نافذة واحدة.

وبكل ضلع من الضلعين الجانبين دخلة مستطيلة تفتح من الجهة الجنوبية الشرقية على حجرة تنتهي بنافذة تأخذ شكل المزغل وبالجهة المقابلة دخلة خزانة حائطية، ويفتح الضلع الشمالي الغربي للإيوان بكامل اتساعه على المساحة الفضاء التي تتقدمه ويغطي الإيوان قبو طولي يتوسط الأرضية تركيبة مستطيلة فضلًا عن وجود تركيبة أخرى تحمل تاريخ 1232هـ.









إبداع معماري

ويوجد مدخل بالواجهة الرئيسية الشمالية الشرقية، وهو عبارة عن دخلة مستطيلة بصدرها من أسفل فتحة باب مستطيلة سجل على جانبي قسمها العلوي نص كتابي قرآني "بسم الله الرحمن الرحيم إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا، قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى".

ويتوج فتحة الباب العتب المؤلف من صنجات معشقة (مزررة) من النمط الثاني ويحيط بالعتب تربيعات صغيرة زخرفية ويعلوه دخلة ذات عقد منكسر تحتوي على النص التأسيسي والذي سجل به آية قرآنية ثم مصطلح التربة واسم المنشئ وتاريخ الفراغ منها سنة 613هـ.


وتبقى صرخة التاريخ في وجه الإهمال بلا صدى أو إجابة، فآثار مصر تعاني وتاريخ كبير يواجه شبح قاتل يظهر من آن لآخر ليخطف وجهًا بعد آخر من أوجه الجمال والتراث والإنسانية، ويطمس دليلًا دامغًا على حضارة طالما كانت مضرب الأمثال وقبلة القصاد.











اضف تعليق