"فلنتذكر رمسيس".. نظرة فنية على ميراث الجد الأعظم


١٦ أكتوبر ٢٠١٩ - ١١:١٨ ص بتوقيت جرينيتش


هدى إسماعيل – أماني ربيع

منذ 3200 عام، استخدم فنان من مصر القديمة إبداعه ويديه لينجز تمثالا لمليكه، فيه هيبة وله جلال، منح هذا التمثال للملك الذي فنى جسده خلودا جعله حاضرًا في قلب البلد التي حكمها وصنع من خلالها مجده.

هو رمسيس الثاني الذي يُعرف أيضا برمسيس الأكبر من حكام الأسرة التاسعة عشر، وهو أحد أهم وأشهر حكام مصر القديمة، سماه الحكام اللاحقين بـ "الجد الأعظم".





مع بدايات القرن التاسع عشر، كانت مصر أصبحت قبلة لمحبي التاريخ والفنون بعد إزاحة الستار عن واحدة من أهم الحضارات الإنسانية أذهلت إمكانيات هذه الحضارة وإبداعاتها المعمارية الغرب وخلبت عقولهم، وفي عام 1820، اكتشف المنقب "جيوفاني باتيستا كافيليا" التمثال وأعاد بعثه من جديد في منطقة ميت رهينة بالجيزة.

لم يكن التمثال المنحوت من الجرانيت الوردي، قطعة واحدة عندما عثروا عليه، بل ستة أجزاء، حيث لم تتوفر وقتها الإمكانات لإعادة وصله بالشكل السليم، خاصة مع طوله الهائل 11 مترا، ووزنه الذي يبلغ 80 طنا.



وتوجهت الأنظار إلى الملك العظيم عام 1955 عندما أمر الرئيس المصري وقتها جمال عبد الناصر بوضع التمثال في ميدان "باب الحديد" الذي أصبح فيها بعد "ميدان رمسيس" تيمنا بالملك القابع في قلبه، وذلك استجابة لمبادرة أطلقها عبد اللطيف البغدادي أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة لتزيين شوارع وميادين العاصمة.

وتولي المرمم المصري الراحل أحمد عثمان مهمة تجميع أجزاء التمثال واستكمال الأجزاء الناقصة وترميم التاج الملكي، لتتبدى روعة التمثال وهيبته بعد وصله واكتماله، واقفا منتصب القامة بارز الصدر، ولحية مستقيمة، ساقه اليسرى للأمام، يضع التاج المزدوج، الذي يجمع تاج الشمال الأحمر ويمثل الدلتا، وتاج الجنوب الأبيض، ويرتدى النقبة القصيرة، وهي اللباس المعتمد في مصر القديمة، وداخل نقبته خنجر.



وأقيمت أمام التمثال نافورة تمت إزالتها قبل نقل التمثال عام 2006، ونتذكرها عبر إيفيه محمد أبو الحسن الشهير في شخصية "حنفي" بمسرحية "سك على بناتك" عندما قال لخطيب الابنة الوسطى "نادية" :

 "واقف ساكت عامل زي تمثال رمسيس علينا.. إوعا تعمل مية بقولك." في إشارة إلى النافورة.


واستخدم الراحل صلاح جاهين ثبات رمسيس الثاني وجموده في التعبير عن صفات "الواد التقيل" في أغنية السندريلا الشهيرة بفيلم "خلي بالك من زوزو"، في كوبليه:

"ويبص إزاي كده كده هو

ويمشي إزاي كده كده هو

والضحكة إزاي كدهو

ويقف ويقول أنا أهو تمثال رمسيس التاني"


وسبق "رمسيس" إلى الميدان الشهير، تمثال شهير أيضًا هو"نهضة مصر" للنحات محمود مختار، والذي وضع في الميدان عام 1926، وأزاح عنه الستار سعد باشا زغلول، وسمي الميدان بـ "نهضة مصر" حتى عهد الملك فاروق الذي أطلق عليه شارع "الملكة نازلي" تيمنا باسم والدته، ثم نقل التمثال بعد ثورة يوليو بجوار حديقة الحيوان في الجيزة.

لم يكن انتقال "رمسيس" الحجري عام 1955 هو الأول فسبقه نقل آخر منذ ما يزيد عن ثلاثة آلاف عام عندما تم نقله إلى منطقة ميت رهينة بجبانة منف ليعرض أمام البوابة الجنوبية لمعبد بتاح الكبير.

وبعدما اختنقت مدينة القاهرة بالتلوث، وازدحم الميدان بالسيارات والكباري التي جعلت المكان لا يليق بملك في قدر "رمسيس"  تقرر حماية التمثال الذي يعد تراثا فريدا إلى المتحف المصري الكبير على طريق "القاهرة- الإسكندرية الصحراوي" يوم 25 أغسطس عام 2006، لك يكن المتحف قد تأسس بعد ويبدو أنه كان ينتظر حضور الملك لتدشين العمل فيه.

وبدا وكأن التمثال تقمص دور الملك فسار في موكب من المواطنين الذين اصطفوا لمتابعة ملكا قرأوا عنه في كتب التاريخ ليجدوه واقفا بينهم ليحيوه ويبجلوه، قطع التمثال مسافة بلغت 30 كيلو مترا وتكلفت الرحلة 6 ملايين جنيه، أنفقت على الدراسات حول الطريقة المثلى لنقله دون إضراره، وتم نقله بالطريقة المحورية حمل فيها على مركز ثقله، وقبلها تم اختبار تلك الطريقة في تجربة محاكاة باستخدام كتلة خرسانية تزن 83 طن.

وفي يوم 25 يناير 2018، وصل "رمسيس" في نسخته الهجرية إلى مقره الدائم بعد أن تحرك مسافة 400 متر ليستقر في البهور العظيم في المتحف الكبير ليصبح أول من يستقبل زوارالمتحف، وبلغت التكلفة 13.6 مليون جنيه.
 
سيلفي مع الملك



ومع اقتراب افتتاح المتحف الكبير، قرر مركز التحرير الثقافي بالتعاون مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، منح المصريين نظرة على تاريخ التمثال الشهير الذي أصبح اسمه حاضرا على ألسنة المصريين لوجوده في قلب واحد من أهم ميادين القاهرة وبالقرب محطة السكك الحديدية التي يدخلها ويخرج منها الآلاف كل يوم، وقدمت هذه النظرة عبر معرض فني باسم "فلنتذكر رمسيس" داخل قاعة "ليجسي" بالجامعة الأمريكية.



وعند دخولك المعرض ستقابلك صورة ضخمة تحتل جدارا كاملا للملك وبجانبها "عبارة سيلفي مع رمسيس"، وكأنها الطريقة لربط الجد القادم من القرون الغابرة مع أحفاده من العصر الحديث في "سيلفي" يوصل الماضي بالحاضر.

الصورة للمصور الأرميني الشهير فان ليو، ونرى فيها التمثال في مكانه القديم بميدان "باب الحديد" وهو الاسم الذي تغير لاحقا إلى "ميدان رمسيس".




والمعرض يرصد لنا كيف أصبح التمثال لصيقا بحياة المصريين، فأصبح مكانا مفضلا للمصورين، وملهما لمخرجي السينما، ورسامي الكاريكاتير، فرأينا صورا أخرى وقت اكتشاف التمثال في القرن التاسع عشر، وكذلك رسمات الكاركاتير للفنان جورج بهجوري التي كان فيها رمسيس حاضرا في مواقف كوميدية تنتقد المجتمع.



ولعل أبرز مظاهر هذا الإلهام كانت عبر فيلم "باب الحديد" 1958، الذي صور في قلب الميدان الذي يقف فيه التمثال مع النافورة الشهيرة وتوجد به محطة مصر حيث تدور الأحداث، ورأينا اثنين من صور أفيش الفيلم، وبعضا من لقطاته الشهير التي ظهر فيها أبطاله هند رستم وفريد شوقي والمخرج يوسف شاهين.

وكما كان نقل تمثال رمسيس واستقراره في قلب القاهرة حدثا مهما، مثل فيلم "باب الحديد" أيضا نقلة سينمائية مهمة في تقديم أفلام واقعية ترصد الأبعاد النفسية للشخصيات وتلعب على وتر الصراع الداخلي، كما كان المكان الذي تدور فيه الأحداث غريبا على عيون المشاهدين الذين اعتادوا على الأفلام التي تجمع مطرب وراقصة وفنان كوميدي، كما كسر الصورة النمطية للبطل الوسيم الكامل، وعبر عن قضايا العمال والمهمشين داخل محطة مصر وسعيهم إنشاء نقابة تحميهم، فرأينا على الشاشة أناسا حقيقيون ربما كما رآهم "رمسيس" في وقفته بالميدان.

لكن عبر قصة عبد الحي أديب خرج لنا يوسف شاهين بفيلما رائدا ربما لم ينجح وقت عرضه، لكنه أثبت عبقرية صناعه بعد مرور السنوات، ورشح وقتها لتمثيل مصر في فئة أوسكار أفضل فيلم أجنبي، ورشح لجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين.

ويبقى الفيلم في ذاكرة المشاهدين، كما بقى رمسيس حاضرا في الميدان الذي خلا منه، فرغم نقله لايزال اسمه مهيمنا على الألسنة في مواقف ميكروباصات المحافظات وعلى ألسنة العابرين والمسافرين في محطة مصر، وحتى ركاب المترو في ترحالهم اليومي.














التعليقات

  1. مقرر1 ١٧ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠٤:١٢ ص

    جد الفراعنه وليس جد المصريين فمصر يكفيها فخرا ان تنظر كم نبى عظيم مر بمصر وكم نبى تزوج من مصر فمن يكون رمسيس امام تاريخ ومكانة مصر الكنانه

اضف تعليق