وكيع بن الجراح.. مسيرة الإمام الحافظ المحب لقيام الليل


٢٠ أكتوبر ٢٠١٩ - ١٠:٢٥ ص بتوقيت جرينيتش

كتب – هدى إسماعيل وعاطف عبداللطيف

وكيع بن الجراح أحد الأئمة الثقاة الأعلام والمشهورين بقوة الحفظ، وأنشد فيه الإمام الشافعي أبياتًا يقول في مطلعها: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني أن العلم نور ونور الله لا يُهدى لعاصي.

هو وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي بن فرس بن جمجمة بن سفيان بن الحارث بن عمرو بن عبيد بن رؤاس الإمام الحافظ محدث العراق أبوسفيان الرؤاسي الكوفي، وكنيته أبوسفيان، ويعد أحد أشهر أئمة الأثر المشهورين ولد سنة 129هـ ومن أشهر تلاميذه الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل.

توفي وكيع بعد أداء مناسك الحج، يوم عاشوراء، في شهر المحرم سنة 190هـ في خلافة محمد الأمين بن هارون، ودفن بفيد على طريق الحج بين مكة المكرمة والكوفة بالعراق، وله مقام لا يعلمه كثيرون في مدافن الإمامين الشهيرة بالقرب من مسجد الإمام الشافعي في القاهرة، وهو منسي بلا اهتمام، ولا يعدو كونه مقامًا بسيطًا جدده البعض قبل سنوات، وعبارة عن حجرة واحدة تضم سرير للحارس ينطق حاله بالإهمال من كل جانب.



قوة حفظه

اشتهر بقوة الحفظ وقال يحيى بن معين سمعت وكيعًا يقول ما كتبت عن الثوري قط، كنت أتحفظ، فإذا رجعت إلى المنزل، كتبتها؛ وقال أحمد بن حنبل كان وكيع مطبوع الحفظ، كان حافظًا؛ وقال يحيى بن معين ما رأيت أحدًا أحفظ من وكيع.

وقال علي بن خشرم ما رأيت بيد وكيع كتابًا قط، إنما هو حفظ، فسألته عن أدوية الحفظ، فقال: إن علمتك الدواء استعملتَه؟ قلت: إي والله، قال: ترك المعاصي، ما جربت مثله للحفظ؛ وقال أبوسعيد الأشج ما رأينا في قريتنا هذه - يعني الكوفة - أحفظ من وكيع بن الجراح.




تارك المعاصي

وكان وكيع بن الجراح آية من آيات الله عز وجل في الحفظ والإتقان؛ فقد كان مطبوع الحفظ لا يسمع شيئًا إلا حفظه، ولا يحفظ شيئًا قط فينساه، أبهر الناس بقوة حفظه، وكان يستعين على ذلك بترك المعاصي، سأله أحد تلاميذه يومًا وهو على خشرم عن دواء يأخذه حتى يقوي حفظه، فقال: إن علمتك الدواء استعملته؟ قال: إي والله. قال: ترك المعاصي، ما جربت مثله للحفظ.

وعلى الرغم من شهرة وكيع بن الجراح وإقبال الطلبة عليه وتصدره لمجلس تحديث الثوري، فإنه كان عابدًا، زاهدًا، يديم الصوم في السفر والحضر، لا يتركه أبدًا، يختم القرآن الكريم في الأسبوع الواحد عدة مرات، مدمنًا لقيام الليل، مشتغلًا بالأوراد والأذكار، لا يضيع لحظة من وقته هدرًا، يقسم يومه على نفع نفسه والناس.

فلقد كان يجلس لأصحاب الحديث بكرة إلى ارتفاع النهار، ثم ينصرف، فيقيل، ثم يصلي الظهر، ويقصد الطريق إلى المشرعة حيث يتجمع الناس لسقيا دوابهم، فيُعلمهم القرآن والفرائض وسائر ما يحتاجونه من أمور دينهم إلى حدود العصر، ثم يرجع إلى مسجده، فيصلي العصر، ثم يجلس يدرس القرآن ويذكر الله إلى آخر النهار ثم يدخل منزله، فيتناول إفطاره، وبعد صلاة العشاء يصف قدميه لقيام الليل، ثم ينام ويقوم، وهكذا حتى وقت السحر.

ولقد عرض الرشيد منصب القضاء على وكيع عدة مرات فرفض بشدة، وكان منصرفًا عن السلطان ومجالسه مثل أستاذه الثوري؛ بل كان مجافيًا حتى لمن يتلبس بشيء من أمور السلطان؛ فلقد هجر أقرب أصدقائه -وهو حفص بن غياث- لمـا تولى منصب القضاء، وهكذا شأن العلماء الربانين في كل زمان ومكان.










اضف تعليق