جولة في "حوش الباشا".. هنا رفات أمراء وملوك مصر


٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ - ٠٩:٤٤ ص بتوقيت جرينيتش

كتب - عاطف عبداللطيف وهدى إسماعيل

حلقة أخرى من حلقات الآثار المنسية البعيدة، لن تجد ما يسرك وسط التاريخ وبين مقابر رجال كتبوا جزءًا من تاريخ المحروسة سواءً اتفقت أو اختلفت معهم، إلا أنهم شريك كبير في تاريخ العطاء لهذا البلد.

كل ما حولك يؤذي الأعين في حوش العائلة المالكة بمقابر الإمامين القريبة من منطقة السيدة عائشة الشهيرة في مصر القديمة، مياه جوفية، قمامة، إهمال، تصدعات، وكأن الإهمال يرفض أن يترك لنا شيئًا جميلًا يذكرنا بأيام تاريخية؛ فأصحاب هذا المكان في يوم من الأيام كانوا ملوك وأمراء المحروسة تركوا بصمة واضحة في تاريخ مصر الحديث وكيف لا وهم أبناء وأحفاد الوالي العثماني "محمد علي" مؤسس مصر الحديثة.

في "حوش الباشا" بمنطقة مقابر الإمام الشافعي بالسيدة عائشة، ووسط الكثير من المقابر البسيطة يقف قصر ملكي على طراز فني فريد بارز شامخًا مثل أصحابه الراحلين، إنها مقابر الأسرة التي لا ينقصها الجمال المعماري ومتخمة بالزخارف الملونة، والتي لا تقل سحرًا عن جمال قصور أصحابها.

ومجرد أن تطأ قدميك "الحوش" تنتابك حالة من الذهول والانبهار وفي ذات الوقت يعتريك الحزن فالمكان مسجل كأثر إلا أنه قليل من يعرف عنه والنادر من يزوره.

اشتراه "محمد على باشا" عندما توفي بعض أبنائه في حياته، ثم اجتمعت العائلة في "الحوش" ليدفن "محمد علي" بمفرده في مسجده بقلعة "صلاح الدين".

حوش الباشا




أقيمت مدافن أسرة "محمد على" باشا والمعروفة بـ"حوش الباشا" على مساحة مستطيلة، لها واجهة واحدة رئيسية هي الواجهة الغربية المطلة على شارع الإمام الليثي خلف ضريح الإمام الشافعي.

في واجهة المدخل توجد غرفة مستقلة تقع فيها مقبرة أم الخديوي توفيق وزوجة الخديوي إسماعيل "شفق هانم"، أما الغرفة الكبرى فبداخلها مجموعة من الشواهد مقسمة بين أسر "إبراهيم باشا" والذي يستقل مدفنه في غرفة أصغر من شقيقته وإلى جواره مدفن زوجته ويليه مدفن ابنتهما الصغرى التي توفيت في عمرها الثالث.

وفي الجهة الغربية من مقبرة الأسرة المالكة تقع مقابر أسرة "إسماعيل باشا" ثم مقابر أسرة "طوسون باشا" وحرمه وتليها مقابر الخدم والحشم.

عندما مات الأمير "طوسون" وكان عمره 22 عامًا نتيجة إصابات خطيرة في إحدى المعارك، قام "محمد على" بعمل تركيبة فخمة وضعها فوق قبره أحاطها بمقصورة من البرونز، وفي سنة 1883م قام الخديوي توفيق بإنشاء حجرة أخرى فوقها قبة لتكون مدفنًا لوالدته، كما أنشأ أيضًا البهو الذي يتقدم حجرة دفن والدته.

يوجد أيضا شواهد لـ40 مملوكًا يقال إنهم من ضحايا مذبحة القلعة التي وقعت في 1811م، وبحسب بعض الروايات سبب تواجد هؤلاء المماليك أنها كانت في الأصل مقابر خاصة بهم ، واشتراها "محمد علي" من أجل عائلته.

جولة داخلية




الأثر له واجهة واحدة فقط هي الواجهة الغربية وتنقسم إلى ثلاثة أقسام يشتمل القسم الأول والثالث على ثلاث فتحات لشبابيك مستطيلة يغلق على كل منها ضلفتان خشبيتان زخرفتا بأشكال نجمية.

أما من الداخل فيغلق عليها درف أخرى خشبية معقودة بعقد نصف دائري كان بها ألواح من الزجاج ولكنها تحطمت، ويعلو كل فتحة من فتحات الشبابيك عقد مستقيم من صنجات معشقة ويلي ذلك شريط زخرفي على هيئة دلايات، وينتهي هذا القسم من أعلى بكرنيش حجري بارز، أما القسم الثاني من الواجهة فيرتد إلى الداخل قليلًا، حيث يتوسطه دخلة مستطيلة متوجة بعقد مخموس.

تحت ثلاث قباب كبيرة الحجم تقع مقابر العائلة المالكة، حيث تتزين الأضرحة بمجموعة من النقوش والزخارف الفنية الدقيقة، ويعلو مدخل المدفن قبة صغيرة تتدلى منها ثريا نحاسية ويؤدي إلى صالة كبيرة ذات بابين يؤدي كل منهما إلى حديقة المدفن وفي نهاية الصالة باب كبير يؤدي إلى داخل المدفن.

أبرز من دفن في هذه المقابر هو "إبراهيم" باشا ابن محمد علي، وضريحه يتكون من ثلاثة طوابق هرمية من المرمر الإيطالي، ومنقوش بالكامل من القاعدة الأرضية حتى أعلى الشاهد بأشكال نباتية وعربية على الطراز الإسلامي ويمثل في بنائه وزخارفه وحدة هندسية متكاملة الشكل في تناسق غاية في الروعة والكمال.

ويعلو الضريح شاهدان للقبر، الأول كتب عليه أبيات الشعر والمدح والرثاء، والآخر كتب عليه تعريف بصاحبه باللغة التركية ويعلوه الطربوش التركي باللون الأحمر حيث يعلو كل قبر تاج صغير أو كبير يدل أن هناك بنتًا أو سيدة كبيرة تدفن بالمكان ومدافن أخرى يوضع عليها طربوش كبير أو صغير يشير بأن هناك طفلًا أم رجلًا كبيرًا.

الراقدون تحت التراب

تضم المقابر مجموعة أخرى من المدافن وهي قبر والي مصر "محمد سعيد باشا"، وضريح نور هانم والدة عباس حلمي الأول وهو من أضخم وأفخر الأضرحة النسائية بمجموعة مدافن الإمام الشافعي، يبلغ طوله نحو ثلاثة أمتار، وقبر "إلهامي" باشا شقيق عباس حلمي الأول وضريحه طابقان من الرخام المزخرف، وقد نقشت عليه الآيات القرآنية.

وتضم المقبرة أيضًا "قبر فتحية هانم زوجة عباس حلمي الأول - الأميرة شمس زوجة عباس حلمي الأول - الأميرة ملك زوجة محمد سعيد باشا - الأميرة إنجي زوجة محمد سعيد باشا - الأمير أحمد بن إبراهيم باشا - الأميرة عين الحياة والدة محمد سعيد باشا - وقبر الأمير طوسون باشا ابن محمد سعيد باشا - الأمير محمد ابن طوسون باشا ابن محمد سعيد باشا- الأمير محمود طوسون باشا ابن محمد سعيد باشا - الأمير محمود بن محمد سعيد باشا - الأمير محمد علي ابن إسماعيل باشا - رقية هانم ابنة يكن باشا شقيق نور هانم - الأميرة زينب ابنة يكن باشا شقيق نور هانم".

سرقة الحوش

يقول محمود محمد، الحارس الخاص بالمكان: "تعرض المكان بعد ثورة 25 يناير 2011 لبعض عمليات السرقة والسطو حيث أختفت ثريات "النجف" المكان وللأسف الشديد مساحة المقبرة كبيرة جدًا وتحتاج لعدد من الحراس فأنا وزميل آخر نتناوب على حراسته ليلًا ونهارًا وطبعًا هناك بعد الأفراد من اعتدى على أرض الحوش بطرق مختلفة إما بالتكسير المتعمد أو تلويث المكان فليس الجميع يقدر القيمة التاريخية للمكان".

ويضيف: "في الفترة الأخيرة اهتمت وزارة الآثار بالمقبرة حيث بدأت مشروع أعمال الترميم والصيانة الآثار، ويتضمن المشروع ترميمًا دقيقًا شاملًا، وأعمالًا معمارية، وتخفيض منسوب مياه الأرضية، والذي سينفذ على عدة مراحل".

وأشار الحارس إلى أنه في الحزء الخارجي للمقبرة توجد "مقابر الصدقة" وتدار تحت رعاية إحدى الجمعيات الخيرية الموجودة في المنطقة.
















اضف تعليق