عندما يتحول تنظيم داعش لحزام أمن وجدار صد لتركيا


٣٠ أكتوبر ٢٠١٩ - ١٠:٤٦ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد

ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ومقتل بن لادن عام 2011 والتنظيمات المتطرفة تحولت إلى تنظيمات غير مركزية، بعد أن أصبحت قياداتها مطاردة من قبل أجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية. وتحولت قياداتها ربما إلى "رمز"، تغذي الأيديولوجية المتطرفة، ما عدا تنظيم داعش أو ما يسمى بـ"الدولة الإسلامية" كان غير ذلك، ليعلن"خلافته" في الموصل والرقة عام 2014.

كانت التنظيمات "الجهادية" خلالها تعيش حالة التراجع ما عدا تنظيم داعش كان يبزغ نجمه من جديد ضمن مفهوم "الحوكمة" وإدارة "الدولة" فإلى أي حد هذا التنظيم كان متماسكًا بالفعل من الداخل انذاك؟ وإلى أي حد من التحضيرات والتدابير التي اتخذها هذا التنظيم لكي يعلن "دولته"، الموارد البشرية، الموارد المالية، ومستلزمات الحوكمة ، توافرت له، في الوقت الذي كانت التنظيمات الأخرى مطاردة.

زعيم تنظيم داعش، عواد البدري، المكنى بالبغدادي والقرشي، رغم الشكوك حول نسبه، يعتلي منبر جامع الموصل، النوري الكبير عام 2019، ويظهر على الهواء مباشرة وسط جموع المصلين ويغادر المسجد، دون أي محاولة لاستهدافه، وهذا ما يثير الكثير من الشكوك حول من يقف وراء هذا التنظيم.

ترك تنظيم داعش يتنمر

ما يزيد بالأمر تعقيدًا حول تنظيم داعش، أن التحالف الدولي، لم ينفذ عمليات ضد التنظيم إلا بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على "خلافته" في الموصل، ورغم ذلك كان التحالف وقيادات البنتاغون تقول إن استعادة مدينة الموصل من قبضة تنظيم داعش تحتاج سنوات أطول. استطاعت قوات النخبة الأمريكية اصطياد رؤوس الخط الثاني من تنظيم داعش: أبرزهم أبو مسلم التركماني وأبو علاء العفري وآخرون، لكن لم تستهدف أبا بكر البغدادي.

حكومة بغداد آنذاك، هي الأخرى تركت تنظيم داعش، ليصل إلى "حجم الدولة" لأغراض سياسية، استخدمت آنذاك تنظيم داعش "مصدر تهديد للعراقيين" من أجل تنازلهم عن أبسط شروط الحياة اليومية. احتلال داعش للموصل، سبقته تدابير تورطت بها حكومة بغداد آنذاك من أجل ضخ قيادات جديدة إلى تنظيم داعش وتعزيز " دولته" ليكون مبررًا إلى التدخل الإيراني، وتقوية الميليشيات داخل العراق.

لماذا اختار تنظيم داعش مدينة الموصل عن غيرها من المدن أو المحافظات العراقية، ليعلن خلافته؟ رغم أن معقله كان في غرب بغداد وعند مدينة الأنبار؟

ألا يتعلق ذلك بأسباب تاريخية وجيوسياسية، في المنطقة، والمقصود هنا العلاقة ما بين تركة وبقايا الدولة العثمانية، وأطماع العثمانيين الجدد في العراق وسوريا. سياسة أردوغان تجاه العراق وخاصة مدينة الموصل وكركوك التي يتركز فيها الأقلية التركمانية، هي الأخرى شهدت تصريحات تعكس أطماع أردوغان وأعضاء حكومته في العراق. مدينة كركوك شهدت زيارات إلى مسؤوليين كبار أتراك إلى مدينة كركوك بدون موافقات أو تنسيق مع حكومة بغداد، وهذا ما يتنافى مع العلاقات الثنائية والدبلوماسية ما بين البلدين.

لقد اجتاح تنظيم داعش مدينة الموصل، وكانت القنصلية التركية، في مأمن وتم إطلاق سراح موظفيها ورعاياها من قبل تنظيم داعش، في الوقت الذي كانت عناصر تنظيم داعش تقطع الرؤوس وتبث الصدمة والرعب، بين الناس.

تنظيم داعش حزام صد تركيا

مراجعة بسيطة لخارطة تنظيم داعش وللمناطق التي يتواجد فيها، نجدها تمثل "حزام أمان لتركيا" هي حزام تركيا، تنظيم داعش نشر قواته على حدود تركيا مع العراق ومع سوريا، خاصة مدينة البعاج وتلعفر التي أصبحت واحدة من معاقل تنظيم داعش، جرابلس السورية لا تبعد إلا بضعة كيلومترات عن الحدود التركية وكذلك إدلب، التي أصبحت" مركز للتنظيمات المتطرفة والمتحالفة علنا مع حكومة أردوغان.

تنظيم داعش عام 2014 كان يهدد العاصمة العراقية بغداد على بعد عشرات الكيلومترات، لكنه انسحب ليتمترس عند الحدود التركية. هدف أردوغان هو محابة الأكراد وليس محاربة التطرف والإرهاب.

نتذكر جيدا العمليات للجيش التركي: (درع الفرات، غصن الزيتون و نبع الفرات) جميعها كانت تصب في صالح تنظيم داعش، العمليات العسكرية، في استعادة السيطرة لأراضي شمال سوريا، كانت بعيدة عن المواجهات العسكرية مع داعش، لم نشهد ضحايا ولا أسرى، إلى حد يمكن وصفها "مبادلة في القوى وإعادة تموضع ما بين القوات التركية وتنظيم داعش.

هذا بعض ما يحصل أمام أعين العالم، لدولة فاعلة داخل الناتو ! وهذا ما يثير الكثير من التساؤلات حول الجهات التي دعمت تنظيم داعش أو اتبعت سياسات غض النظر، ليتنمر تنظيم داعش في المنطقة. الحقائق على الأرض في سوريا والعراق وحتى في ليبيا كشفت كيفية استخدام تنظيم داعش والجماعات المتطرفة، ورقة ضاغطة على دول المنطقة، من أجل فرض سياسات دولية وإقليمية وكذلك السيطرة على ثرواتها.

داعش ورقة سياسة ضاغطة

القوات الأمريكية كانت تبعد بضعة كيلومترات عن معقل التنظيم داعش في الباغوز السورية، ولم تشن عليه الضربات الجوية لدعم القوات الكردية قسد إلا في شهر مارس 2019، كانت أرتال داعش تتحرك بشكل طبيعي أمام القوات الأمريكية وأيضا الجيش التركي، هذا المشهد أيضًا يعيدنا بالذاكرة إلى أرتال ناقلات النفط لتنظيم داعش التي كانت تتحرك تحت سيطرة الطيران الأمريكي.

أردوغان كان يستورد النفط العراقي من تنظيم داعش مباشرة عند الحدود، لتتحول تركيا إلى ساحة بديلة تقدم الدعم اللوجستي والإعلامي والسياسي إلى تنظيم داعش، ضاربة قرارات مجلس الأمن.

اليوم أعلنت الولايات المتحدة مقتل زعيم تنظيم داعش، لكن هل الصفقات السياسية والأبواب الخلفية مع تنظيم داعش انتهت؟ بدون شك هي لا تنتهي وهي لعبة شرعنتها أجهزة الاستخبارات، ومنحت لنفسها الحق في ذلك، وهذا ما يستوجب على دول المنطقة التنبية والمحاسبة لتلك السياسات التي هددت وما زالت تهدد أمنها الوطني والإقليمي.

قتل البغدادي لا يعني نهاية تنظيم داعش

قتل بن لادن لكن القاعدة ما زالت تنشط، والظواهري لا يزال يطل علينا بين فترة وأخرى برسائله التي تحرض على الإرهاب، واليوم إن صح مقتل البغدادي، فما زالت وسائل الإعلام تضخم قيادات هذا التنظيم ومخاطره، ليس من أجل محاربة التطرف والإرهاب، بل من أجل السيطرة على ثروات دول المنطقة وفرض سياساتها.

التوصيات

ما تحتاجه دول المنطقة، اليوم أن يكون هناك تحالف إقليمي لمحاربة الإرهاب، بديلا للتحالف الدولي، الذي أصبح في حكم المنتهي في أعقاب الانسحاب الأمريكي وتخلي ترامب عن التزاماته في دول المنطقة، وتبني دول المنطقة سياسات ديمقراطية أكثر والتخلي عن الأحزاب الشمولية، والدعوة إلى التعايش السلمي بين دول المنطقة.



الكلمات الدلالية داعش أبوبكر البغدادي تركيا

اضف تعليق