ألمانيا .. سقط جدار برلين لكنها ما زالت مقسمة


٠٩ نوفمبر ٢٠١٩

رؤية ـ جاسم محمد 

تحتفل العاصمة الألمانية برلين منذ يوم الرابع من نوفمبر الجاري 2019، بذكرى مرور 30 عاما على سقوط جدار برلين. وفي برلين المقسمة كانت تناقضات النظامين في مواجهة مباشرة: هنا الرأسمالية وهناك الشيوعية. وترسخ وجود الدولتين الألمانيتين عام 1973 بقبول عضوية كلا البلدين في الأمم المتحدة. وكانت برلين بسكانها الـ 3,3 مليون نسمة النقطة الساخنة للحرب الباردة وحتى بناء جدار برلين عام 1961 ممرا للفارين من الشرق إلى الغرب. 

ويشير المؤرخ فرانك بوش إلى مواقف مختلفة وذكريات من أيام ألمانيا الديمقراطية ويقول إن "الألمان الشرقيين لهم ذوق آخر في الموسيقى والإعلام والسفر ولهم مواقف سياسية مختلفة أيضًا" عن سكان غربي البلاد. 

ولا يتوقع هذا المؤرخ حصول مساواة تامة سريعة بين الشطرين الشرقي والغربي للبلاد. فهذا سيتطلب وقتا أطول حتى تنتهي ألمانيا الديمقراطية ككيان في الأذهان. وفي يوم ذكرى سقوط جدار برلين قبل 30 عاما، يعتزم الرئيس الألماني فرانك - فالتر شتاينماير والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل حضور مراسم الاحتفال الرئيسية  التي تقام عند النصب التذكاري لجدار برلين في شارع بيرناو.

وكان اندلاع أعمال عنف، ومنها أعمال الشغب التي قام بها اليمين المتطرف عام 2018 في مدينة كيمنتس - والتي تعد واحدة من أسوأ المصادمات التي وقعت في ألمانيا خلال عقود - قد عزز من صورة شرق ألمانيا المحبط والراديكالي. 

التاسع من نوفمبر ذاكرة سيئة في تاريخ ألمانيا

ارتبط يوم التاسع من نوفمبر بسقوط جدار برلين، لكنه ارتبط بالكثير من الحوادث غير السعيدة في الذاكرة الألمانية، لتختار جمهورية ألمانيا الفيدرالية يوم الثالث من أكتوبر، يومًا لعيدها الوطني، تحتفل فيه كل عام. فاليوم التاسع أعلن فيه رئيس حكومة الرايخ الألماني فيليب شايدمان قيام الجمهورية في ألمانيا عام 1918 وفي اليوم نفسه من عام 1923، حاول هتلر السيطرة على مدينة ميونخ.

وفي ليلة التاسع من نوفمبر 1938، ارتكب النازيون مذبحة "ليلة الزجاج المكسور" بحق اليهود، إذ قتلوا المئات منهم في متاجرهم وأماكن عبادتهم.

جهاز مخابرات شتازي

ما زالت  أسرار جهاز مخابرات شتازي (ألمانيا الديمقراطية سابقا) لحد الآن موضع اهتمام وممكن أن يكون تورط شخصيات المانية رفيعة المستوى مع جهاز شتازي آنذاك وراء إخفاء تلك الوثائق وكشفت إحدى التقارير تورط أكثر من عشرة آلاف من الألمان الغربيين بالعمل الاستخباري لصالح شتازي حتى سقوط جدار برلين!

كان جهاز المخابرات السرية لجمهورية ألمانيا الشرقية السابقة يصنف ضمن أفضل أجهزة المخابرات في العالم تنظيمًا، ورغم مرور أكثر من اثني وعشرين عامًا على سقوط  جدار برلين وحل جهاز مخابراتها  (شتازي) ما زال هنالك اهتمام بأسرارهذا الجهاز.

وهنالك قانون  تحت اسم  وثائق شتازي ينظم عملية التعامل مع إرث هذا الجهاز. وهناك مشروع لإعادة تجميع الملفات الممزقة لجهاز (شتازي) بمساعدة  الكمبيوتر، حيث سيتم إعادة تجميع قصاصات الأوراق الموجودة في 400 كيس وأنه من المتوقع أن يكشف هذا الأرشيف عمل جهاز شتازي الذي بات غامضًا لحد الآن ويستقطب اهتمام الألمان خاصة من جيل الشباب.

ألمانيا تلك الماكنه التي استطاعت أن تنفض غبار النازية والحرب العالمية الثانية وتكون دولة قوية تثير مخاوف أقرب حلفائها الأوروبيين ألا وهم الفرنسيون ويبدو أن الرايخ الثاني والرايخ الثالث أي عهد بسمارك وشارلمان الأول ما زالا يلقيان بظلالهما على العلاقات الألمانية الفرنسية والتي شهدت تحديات وحروبًا كثيرة .

الرئيس الروسي بوتين جاسوسًا في ألمانيا الشرقية

كشفت صحيفة بيلد الألمانية عام 2018 ولأول مرة، على بطاقة هوية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حين كان جاسوسًا في ألمانيا الشرقية. البطاقة محفوظة حالياً في أرشيف الشرطة السرية الألمانية في مدينة دريسدن، شرق ألمانيا، تكشف أنشطة بوتين التجسسية حين عمل في جهاز الاستخبارات السوفياتي "كي جي بي" لمصلحة وزارة أمن الدولة في ألمانيا الشرقية المعروفة اختصاراً آنذاك بـ "شتازي".  البطاقة التي تحمل بيانات بوتين، بما في ذلك صورته وتوقيعه الشخصي، والتي تم إصدارها في 31 ديسمبر 1985 عندما كان برتبة رائد في الاستخبارات السوفياتية، سمحت لبوتين بالدخول إلى مباني أجهزة الأمن في ألمانيا الشرقية دون عوائق، وكان يتم تمديدها كُل ثلاثة أشهر حتى نهاية عام 1989.

ألمانيا ما زالت مقسمة

بقيت ألمانيا مقسمة من عام 1945 حتى عام 1990، ورغم مرور ثلاثة عقود على توحيدها وانهيار النظام الشيوعي في شرقي البلاد، لا تزال آثار التقسيم ملموسة وواضحة. ومن المتوقع أن يستمر هذا الأمر لعقود أخرى. جمهورية ألمانيا الديمقراطية هي الدولة الألمانية الثانية التي تأسست في أكتوبر 1949 بعد أربع سنوات من نهاية الحرب العالمية الثانية.

ما زال الكثير من سكان الولايات الشرقية، يشعرون بالإحباط، تقول الباحثة الاجتماعية، جوديت أندرس: "ربما يكون ذلك بسبب قلة تمثيلهم في ألمانيا"، أي في الحكومة، إذ إن سكان شرقي ألمانيا لا يشغلون سوى 1,7 بالمئة من المناصب الاقتصادية والسياسية والإدارية العليا في البلاد. فبعد توحيد ألمانيا تم إبدال النخبة وكبار المسؤولين في ألمانيا الشرقية بآخرين من غربي البلاد، وهذه النخبة الغربية لا تزال تعيد إنتاج نفسها رغم مرور ثلاثين عاما على توحيد البلاد، بحسب ما قالت الباحثة جوديت أندرس، التي ترعرعت في شرقي ألمانيا وساهمت في تأسيس مبادرة تهدف إلى جعل الناس هناك يفكرون بطريقة مختلفة وأكثر ثقة بأنفسهم.

تبقى ألمانيا مقسمة، شرقية وغربية، فهي تدفع ثمن حقبة تاريخية، وذاكرة صعبة تمتد إلى عقود. ما زالت ألمانيا تواجه تحديات كبيرة في تعزيز وحدتها، رغم انهيار جدار برلين، ولكن الجدار ما زال افتراضيا قائما في عقول الكثير، والمتمثل مع عودة النازية وتصاعد تمدد التيارات الشعبوية واليمين المنطرف خاصة في الولايات الشرقية.

العوامل الاقتصادية بدون شك، لها تأثير مباشر في ذلك، لكن هناك عوامل ربما لها تأثير أكثر وهي "ثقافة" تلك الشعوب، عندما تشعر بالعزلة والانغلاق، وتعتبر بقية الثقافات، مصدر تهديد لها. لذلك تقف اليوم ألمانيا في حيرة من أمرها، في كيفية التعامل مع هذه التهديدات "تمدد اليمين المتطرف والنازية" ويبدو أنها تحتاج إلى سنوات طويلة لتحسم أمرها.




الكلمات الدلالية جدار برلين ألمانيا

اضف تعليق