بعد 30 عامًا.. سقط الجدار وعاشت برلين


١٠ نوفمبر ٢٠١٩

هدى إسماعيل

ثمانية وعشرون عامًا هي مدة المعاناة التي عاشها مواطنو ألمانيا الشرقية والغربية ، ففي أغسطس عام 1961، بنت سلطات ألمانيا الشرقية سورًا يفصل برلين الشرقية عن برلين الغربية بطول 155 كيلومترا وبارتفاع يفوق ثلاثة أمتار، كما أقيمت نقاط للمراقبة الأمنية أشهرها "نقطة مراقبة شارلي".

ولكن في ليلة تاريخية من نوفمبر 1989، قرر الآلاف من شباب ألمانيا الشرقية تغيير مجرى التاريخ، فاندفعوا لاختراق جدار برلين وإسقاط السور الإسمنتي، هذا الجدار الذي كان رمزًا لتمزق الشعب الألماني ، ليكون التاسع من نوفمبر يوم سقوط الجدار ، ولكن عملية هدم الجدار لم تبدأ إلا في 13 يونيو 1990، واستغرقت سنتين لإزالة كل التحصينات الحدودية القريبة مما ظل يوصف "بجدار العار".

الحرب الباردة




ورثت ألمانيا المهزومة في الحرب العالمية الثانية خلافات الحلفاء والاتحاد السوفيتي حول النفوذ في أوروبا، فانقسمت إلى قطاعين، الأول غربي سمي بجمهورية ألمانيا الاتحادية، فيما تأسست في القطاع الشرقي جمهورية ألمانيا الديمقراطية، وعلى إثر ذلك تحولت برلين إلى بؤرة النزاع في الحرب الباردة.

لجأت سلطات ألمانيا الشرقية، بدعم من الاتحاد السوفيتي، للفصل بين الجزأين الشرقي والغربي من برلين عن طريق إنشاء ما عرف بجدار برلين، وكان الجدار عبارة عن حاجز امتد لعشرات الأميال شيّد من الخرسانة، وجهّز بالأسلاك الشائكة واحتوى على أبراج مراقبة عديدة وسخّرت لتأمينه أعدادًا كبيرة من القوات وكلاب الحراسة، وكان الجدار من أجل وقف هجرة الشرقي نحو الغربي ، ولتبرير عملية إنشاء الجدار، تحدث المعسكر الشرقي عن بناء حاجز لصد أنصار الفاشية المتربصين بألمانيا الشرقية قصد منعها من تحقيق إرادة الشعب بإنشاء جمهورية شيوعية.

وعلى الرغم من ذلك فرّ ما لا يقل عن 3 ملايين نسمة من سكان ألمانيا الشرقية نحو جارتها الغربية عبر برلين المقسمة.

دبابة وبهلوان




في عام 1963، أقدم البهلوان هورست كلاين على استغلال مهاراته في المشي على الحبال فعمد لاستخدام كابل توتر عالي متروك وغير مستخدم مر فوق الجدار ليمشي فوقه بطريقة بهلوانية وينزل ببرلين الغربية ، هربا من جحيم ألمانيا الشرقية .

وخلال شهر ديسمبر 1961، قاد المهندس هاري ديترلينغ ما سمي بقطار الحرية الأخير، فبدل التخفيف من سرعته عند اقترابه من حواجز الجدار، فضّل الأخير اعتماد السرعة القصوى لاختراق الحاجز والتوقف ببرلين الغربية حاملا معه 6 من أفراد عائلته إضافة لستة عشر مسافرا آخر.

وامتدت عمليات الفرار لتشمل جنود ألمانيا الشرقية، فخلال شهر مايو 1963، سرق الجندي "Wolfgang Engels" دبابة، واقتحم بها الجدار ليعلق في الأسلاك الشائكة، وعلى الرغم من استهدافه بوابل من الرصاص، نجح الأخير في بلوغ هدفه.

ومع نجاح كل هؤلاء في تحقيق حلمهم بالفرار من جحيم النظام الشيوعي بألمانيا الشرقية، قتل ما يزيد عن 100 شخص قرب الجدار أثناء سعيهم وراء الحرية، وبينما فارق البعض الحياة بسبب وقوعهم من أعلى المباني والأسلاك الشائكة، أحبط جنود ألمانيا الشرقية العديد من محاولات اجتياز الجدار عن طريق استهداف الفارين بوابل من الرصاص.

نقطة تشارلي

"أنت تغادر القطاع الأمريكي" لافتة كتبت بعدة لغات عند نقطة تفتيش شارلي، رمز انقسام ألمانيا، حيث كانت الدبابات الأمريكية تواجه نظيرتها السوفييتية عندما تم بناء جدار برلين في عام 1961، وبعد 57 عاما من بناء الجدار وما يقرب من 30 عاما على سقوطه، أصبحت نقطة التفتيش بمثابة منطقة جذب سياحي.

وأمام مركز مراقبة تابع للجيش الأمريكي أعيد بناؤه، يقف رجال يرتدون زي جنود أميركيين ومعهم أعلام أميركية يتقاضون 3 يورو مقابل التقاط صورة.

يحتضن الشارع بانوراما للفنان "ياديجار آسيسي" توضح يوما في برلين التي كانت مقسمة من قبل، ومتجرا يقدم النقانق والبطاطس المقلية، في حين يحاول بائع متجول مجاور قريب بيع أقنعة واقية من الغاز وقبعات عسكرية.

ويوجد على الجانب الآخر من الشارع "صندوق أسود" أنشأه مجلس الشيوخ في برلين كـ"نقيض للسخرية" لتثقيف الزوار حول الحرب الباردة.

ويرغب العديد من الزائرين في رؤية الجدار هناك لكنهم يشعرون بخيبة أمل عندما يجدون بدلاً من ذلك خط الحدود السابق المتضمن في الرصيف ، وفي الواقع، من الصعب العثور على دليل على أن المدينة كانت مقسمة.

ميركل تعبر

أمام الحشود التي كانت تتزايد، فتحت أبواب المعابر على مصراعيها، وكان أول معبر رفع الحواجز في برلين ذاك الواقع في شارع بورنهولمر ، كانت المستشارة الحالية أنجيلا ميركل واحدة من هؤلاء الألمان الشرقيين الذين تجمعوا عند هذا المعبر لينتقلوا وهم لا يصدقون ما يحدُث، إلى الغرب رمز الحرية.

كانت ميركل تعيش في الحي وخرجت من حمام البخار للتو، وقالت لتلفزيون "آ ار دي" "كنا غير قادرين على الكلام وسعداء".

وذهبت الباحثة في الكيمياء في أكاديمية العلوم لجمهورية ألمانيا الديموقراطية لتحتفل في المساء وتشرب "عبوة من الجعة" لدى أصدقاء في الغرب، ثم عادت بهدوء إلى بيتها.

وكتبت في صحيفة "فرانكفورتر روندشاو" أن "الاستقبال في برلين الغربية كان حارا جدا".

برلين ستعيش




في تعليق منه على هذا الحدث التاريخي، قال المستشار الألماني السابق "ويلي براندت" في مقر بلدية برلين "من المؤكد... أنه في الجهة الأخرى من ألمانيا، لا شيء سيظل على حاله، رياح التغيير التي كانت تهب منذ فترة على أوروبا، لم يكن من الممكن بأي حال من الأحوال أن تظل بعيدة عن ألمانيا... لقد كنت دائما مقتنعا بأن الجدران الإسمنتية والتقسيم القائم على الأسلاك الشائكة لا يمكن أن يقاوم حركة التاريخ... برلين ستعيش والجدار سيسقط ".


الكلمات الدلالية جدار برلين

اضف تعليق