تقليص المديونية وانعدام الثقة.. صدمة جديدة لاقتصاد أردوغان


١٠ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٣:٥٦ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

خلال عقد من الزمن نما الاقتصاد التركي مدعوم بشكل رئيسي بالقروض والديون، مع توجه القطاع الخاص تحديدًا إلى الاقتراض وذلك للقيام بعمليات من استثمارات كبيرة.

ولكن هذه الصورة على وشك أن تتغير والسبب انعدام ثقة القطاع الخاص والشركات بالاقتصاد التركي ومستقبله؛ الأمر الذي جعل هذه الشركات تتجه بشكل أكبر نحو تسديد قروضها بدلًا من الاستدانة بشكل أكبر.

تغير عادات الإنفاق والإقراض والاستهلاك

 هذه الصورة تنعكس بشكل كبير على استثمارات أقل واقتراض أقل وأيضًا التركيز على تقليص حجم المديونية وسداد القروض الحالية.

وبالنظر إلى مؤشر شهية الاقتراض في تركيا؛ سيتضح أن القروض وتحديدًا من البنوك الخاصة لم تعد تنمو، بينما البنوك الحكومية ربما تكون الصورة أفضل بقليل فيما يتعلق بالمسار الصعودي لنمو قروضها.

الائتمان يغذي اقتصاد أردوغان

واللافت أنه على الرغم من أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يضغط على البنك المركزي لتقليص معدلات الفائدة، والتي تبلغ اليوم 15% وهي نصف معدلاتها خلال عام 2018، والهدف من ذلك هو دعم الاقتراض ومن ثم دعم الاقتصاد التركي؛ إلا أنه هذه السياسة لا تبدو وكأنها تنجح لأن الشركات الخاصة في تركيا باتت لديها العديد من إشارات الاستفهام حول مستقبل الاقتصاد، وبالتالي تفضل استخدام مواردها المالية للقيام بتغطية وتسديد الديون بدلا من الاقتراض بشكل أكبر.

وبالتالي بات تقليص المديونية أحد العوامل الثابتة في اقتصاد تركيا، الذي يتكيف حاليًا مع الأيام الصعبة بعد حوالي عقد من النمو المدفوع بالائتمان.

وبالنظر إلى مستويات الإقراض من البنوك التركية، بدأت تسجل انكماشًا من بداية عام 2019 بما يعادل 200 مليار ليرة، وهو ما يعني أن البنوك التركية لا تستطيع إيجاء فئة تريد الاقتراض.

تقليص المديونية.. والمستقبل القاتم

فيما يتعلق بالأرقام الخاصة بانعكاس تلك التغيرات على البيانات الاقتصادية التركية:

- الاستثمار بالأصول الثابتة بعد أن كان تراجع في الربع الثاني من 2019 بمعدل 3.2%، سجل تقريبًا 0% (صفر) في الربع الثالث (الفترة من إبريل إلى يونيو).

- على الرغم من أن البنوك الحكومية تضخ الأموال في الاقتصاد وأن البنك المركزي التركي، خفض أسعار الفائدة بمقدار 10 نقاط مئوية كاملة منذ يوليو الماضي كان معدل الإقراض بطيئاً، ففي الوقت الحالي لا يتوقع الاقتصاديون انعكاس هذا الاتجاه حيث إنه مدفوع بمخاوف أوسع بشأن المستقبل.

- نما الائتمان بالليرة التركية المعدلة حسب التضخم فوق الصفر في الربع الأخير، وفي المقابل تقلصت استثمارات رأس المال الثابت لأربعة أرباع متتالية حيث انخفضت بنسبة 7.4% على أساس سنوي في الفترة من أبريل إلى يونيو 2019 (الربع الثاني من العام الجاري).

- منذ أن بلغت ذروتها في مارس 2018 انخفضت أيضًا التزامات قطاع الشركات بالعملة الصعبة بمقدار 32 مليار دولار لتصل إلى 303 مليارات دولار في نهاية أغسطس الماضي، من 335 مليار دولار في مارس 2018، وفي الوقت نفسه، ارتفعت أصول الشركات بالعملات الأجنبية بمقدار 7 مليارات دولار.

- تلجأ اليوم الشركات التركية إلى تخفيض ديونها بالعملات الأجنبية بشكل كبير وذلك تخوفًا من أن مستقبل الاقتصاد قد يكون قاتمًا وليس بنفس الوضوح الذي كان عليه خلال الـ 10 سنوات الماضية، ففي أغسطس 2019 بلغ حجم أصول الشركات 100 مليار دولار لكن المطلوبات المسجلة عليها قدرت بما يقارب الـ 200 مليار دولار، ومن ثم أصبح لديها عجزًا بـ 300 مليار دولار.

- يأتي ذلك في الوقت الذي اقترضت فيه البنوك أيضًا بقيمة أقل بكثير مما سددته حيث انخفضت ديونها من الخارج بنحو الخُمس من نهاية عام 2017 لتصل إلى 85 مليار دولار في أغسطس الماضي، لكن مؤسسة فيتش العالمية للتصنيفات الائتمانية توقعت بأن القروض المتعثرة ستستمر بالارتفاع من معدل 5% في سبتمبر الماضي إلى 6.3% بنهاية 2019.

- يجب الأخذ في الاعتبار أن اقتصاد تركيا يعاني داخليًا من مواضيع أخرى، وبالتالي هذا ينعكس على هؤلاء الذين اقترضوا خلال السنوات الماضية ولا يستطيعون الآن الوفاء بالتزاماتهم.


وضعت السياسة الاقتصادية واستهداف حكومة رجب طيب أردوغان لمستويات نمو اقتصادي بـ5% من عام 2020 حتى 2022، إشارة استفهام كبيرة حول قدرة هذه الدولة على بلوغ هذه المستهدفات الاقتصادية في ظل الإحجام عن الاقتراض والاعتماد فقط على تسديد القروض.

فاستراتيجية تحقيق هذا النمو ترتكز بالأساس على الاستراتيجية التاريخية التي اتبعتها تركيا باللجوء لمزيد من الإقراض.

ونجاح الحكومة في تحقيق هدف النمو سيتوقف على قوة القطاع الخاص والاستثمار والصادرات حيث تعتمد الحكومة مرة أخرى على ائتمان أرخص لإعطاء الاقتصاد دفعة سريعة بدلاً من الإصلاحات الأعمق التي حث عليها المستثمرون.

وكانت هناك خطوات حكومية لتحفيز الإقراض المصرفي؛ حيث تم تخفيف القيود على احتياطيات المصارف، والتركيز بشكل أكبر على تحسين ملاءة النظام المالي للقطاع المصرفي.

ولكن السؤال الملح في الوقت الراهن هو: إلى أي مدى ستلجأ الشركات والقطاع الخاص إلى الاقتراض في ظل إنعدام الثقة في الاقتصاد التركي.



اضف تعليق