تهاوي القطبية الواحدة.. كيف صعدت القومية عقب سقوط حائط برلين؟


١٣ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٣:٤٤ م بتوقيت جرينيتش

 رؤية - محمود رشدي 

إبان انهيار حائط برلين في نوفمبر 1989، أضحى مجتمع أوروبا الغربية، حيث الليبرالية وآليات السوق، هو المنتصر، وأصبح التعاون الدولي وبناء المؤسسات الاقتصادية، على أساس ليبرالي، هو البنية الأساسية لتكوين مجتمع ما بعد نظام ثنائي القطبية، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وبدأ عصر القطبية الواحدة بانهيار الإمبراطورية السوفيتية، وعقب ثلاثين عامًا من سقوط حائط برلين تبين أن مبدأ القومية بات أقوى وأبرز في تشكيل المجتمع الدولي على أساس عالمي. 

بسقوط حائط برلين، توالى انهيار مرتكزات الشيوعية في أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفيتي، وانفتحت القيود المفروضة بين شرق وغرب أوروبا، وأعقبها موجة من التحول الديمقراطي بالدول الشرقية ساعية لتبني النموذج الرأسمالي، واختلفت في نمط تحولها الديمقراطي، ولكن اتفقت جميعها على رفض الشيوعية ونموذج الحزب الواحد، وراحت لإعادة هيكلة الاقتصاد والتوجه نحو التعددية السياسية.

صعود القومية

بانهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991، توالت موجات التحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية، بل وتعداها لروسيا نفسها التي تبنت نموذج تعددي، وباتت مبادئ الليبرالية من التعاون الدولي وبروز القطاع الخاص ودولة النيوليبرالية، دولة الحد الأدنى من التدخل والاقتصار فقط على المهام الأمنية، هي الأبرز في تشكيل الدول الجديدة وليدة الإمبراطورية السوفيتية.

في التسعينيات، برزت الولايات المتحدة كقوة عظمى اعتلت قمة النظام الدولي، ولكنها فشلت في الوفاء بالتزاماتها التي أوكلت إليها؛ هي دعم الدول الشيوعية التي تنادي بالتحول الديمقراطي، وركزت بدلا من ذلك على التمتع بثمار الانتصار بالحرب الباردة، واقتصرت مساندتها على مسودة "إجماع واشنطن"؛ هو مسودة طرحها جون وليامسون عام 1989 لتكون علاجاً ووصفاً من عشرة بنود للدول الفاشلة التي واجهت صعوبات مالية، وتشمل المسودة  سياسات في مجالات عدة مثل استقرار الاقتصاد الكلي والانفتاح الاقتصادي فيما يتعلق بكل من التجارة والاستثمار وتوسيع قوى السوق داخل الاقتصاد المحلي.

في ذلك الوقت، شرعت الصين في رحلة مذهلة للنمو الاقتصادي، مكنتها من انضمامها - بدعم من الولايات المتحدة - إلى منظمة التجارة العالمية والمؤسسات المالية الدولية. في النهاية، حلت الصين محل الاتحاد السوفيتي كمنافس محتمل للولايات المتحدة.

الأزمة المالية والقومية

جاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008، لتنهي من هيمنة الولايات المتحدة وعززت بشكل كبير بروز القومية التي ركزت في صعودها على تصدعات النيوليبرالية، حيث الفروق الشاسعة بين الطبقات الاجتماعية، وظهور الدولة الرأسمالية كنظام يحمي مصالح الأغنياء على حساب الفقراء.

وما نشاهده في الآونة الأخيرة في القارة الأوروبية كدلالالة واضحة على فشل الدول الليبرالية في تلافي أخطاء مبادئها، فلا زالت دول الاتحاد تعاني من أزمة اقتصادية برزت في احتجاجات شهدتها اليونان وإيطاليا وإسبانيا، وتوّجها استفتاء بريطانيا في 2016 بالخروج من الاتحاد الأوروبي.

ناهيك عن صعود تيارات اليمين المتطرف، التي تعد أقصى مراحل التطرف القومي Ultra nationalism، إضافة لسياسات ترامب التي ظهرت في برنامجه الانتخابي "أمريكا أولًا"، وصولًا إلى سياسته الحالية في انسحاب الولايات المتحدة من دورها العالمي مثل اتفاقية المناخ، ومحاولاته العديدة لانسحاب الجنود الأمريكيين من الشرق الأوسط وكذلك الحائط الحدودي مع المكسيك.
 
الذكاء الاصطناعي والتسلطية 

أثارت تطبيقات الذكاء الاصطناعي تنافسًا كبيرًا بين الدول والشركات الكبرى كونه مجالًا تنافسيًا تسعى كل دولة للاستحواذ على أكبر عدد من براءات الاختراع كي تحوز لنفسها نصيب في العالم التقدمي القادم؛ الذي ستشكل به التكنولوجيا تراتبية الدول. 

كانت ثورات التكنولوجيا كانت رهينة العالم الغربي، وبالتالي حافظت على صدارتها في السنوات الماضية، وظلت الصين في سنوات صعودها مقلدة للغرب، وبرزت في الوقت الراهن كدولة رائدة في عالم الذكاء الاصطناعي، ولاسيما عقب الهجوم الأمريكي على شركة هواوي الصينية لسيطرتها على بناء شبكات الجيل الخامس في عدة دول أوروبية، على رأسها ألمانيا.

في مسار يبدو تسلطيًا، شرع الرئيس الصيني شي جين بينغ في إنشاء ما يسمى نظام الائتمان الاجتماعي. إذا نجح في إكماله ، ستحصل الدولة على سيطرة كاملة على مواطنيها. ومما يثير القلق، أن الجمهور الصيني يجد أن نظام الائتمان الاجتماعي جذاب، لأنه يوفر لهم الخدمات التي افتقروا إليها في السابق، ويعدهم بالضرب بيد من حديد على أيدي الفاسدين والمجرمين، ويقدم للمواطنين دليلاً عن كيفية الابتعاد عن مخالفة ذلك البرنامج. والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الصين يمكن أن تبيع نظام الائتمان الاجتماعي في جميع أنحاء العالم للدكتاتوريين المحتملين، الذين سيصبحون بعد ذلك يعتمدون سياسيا على الصين.



اضف تعليق