وثائق مسربة.. حروب الظل الإيرانية من أجل النفوذ الإقليمي


١٨ نوفمبر ٢٠١٩ - ١٠:٠٨ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

في منتصف أكتوبر الماضي، وصل إلى العاصمة العراقية بغداد، زائر مألوف بكل هدوء، وبينما كان المتظاهرون في الشوارع يطالبون بوضع حد للفساد والإطاحة برئيس الوزراء عادل عبدالمهدي وينددون بالتدخل الإيراني في شؤونهم الداخلية، كان هذا الزائر يعقد اجتماعات مع بعض الحلفاء الفاعلين على الساحة السياسية ليقنعهم بالإبقاء على عبدالمهدي في السلطة، حتى ولو اقتدى الأمر استخدام القوة ضد المتظاهرين.

الزائر الذي كشفت الأيام أن مطالبه أوامر، كان قائد اللواء قاسم سليماني قائد "الحرس الثوري" الإيراني، ولم تكن المرة الأولى التي يزور فيها بغداد من أجل دعم الحلفاء أول لنقل "العملاء"، فجهود إيران التي طفت خلال الأيام الماضية على السطح لدعم عبدالمهدي ليست سوى جزء يسير من خطة ممتدة لتوسيع نفوذها في بلاد الرافدين، وعدد من بلدان المنطقة.

اليوم نشر موقع The Intercept وصحيفة "نيويورك تايمز" و"التايمز"، مجموعة من الوثائق المسربة تتالف من نحو 700 ورقة من أرشيف الاستخباراتية الإيرانية السرية تعود للعامين لـ 2014 و2015، وتكشف عن جهود إيران لتعزيز نفوذها على الساحة العراقية سواء من خلال الجواسيس التابعين لها أو عملاء قامت بتوظيفهم ودعمهم بكافة السبل من أجل التسلل إلى كل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في العراق.

الوثائق التي أرسلت للموقع The Intercept من مصادر مجهولة عرفت نفسها فقط "بأن لديها رغبة ليعرف العام ما تفعله طهران في العراق؟"، تتحدث عن حرب ظل قامت بها إيران على الأراضي العراقية، من خلال عقد اجتماعات سرية مع قادة سياسيين بارزين في الأزقة ومراكز التسوق وتحت أكثر من غطاء للتمويه وكذلك منحهم رشاوى مالية وعينية، كما تكشف الوثائق عن قيام إيران بزرع جواسيس في أماكن حساسة مثل مطار بغداد، حيث تكون المهمة التقاط صور للجنود الأمريكيين ومعرفة سير رحلاتهم الجوية.


زراعة مسؤولين وحرب جواسيس

الوثائق أشارت إلى أسماء أخرى غير عبدالمهدي كانت على علاقات سرية عالية المستوى مع طهران مثل نوري المالكي رئيس الوزراء السابق، وسليم الجبوري نائب رئيس البرلمان سابقا، ووزير الداخلية السابق بيان جبر، كما تحدثت عن رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي والذي أبدى استعداده أكثر من مرة لمزيد من التعاون مع الملالي، ووصف بأن لديه علاقات وثيقة معهم، وكذلك وزير الخارجية السابق إبراهيم الجعفري، وغيرهم.

بحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، تتكون هذه الوثائق من مئات التقارير والبرقيات التي تمت كتابتها من قبل ضباط جهاز الاستخبارات التابع للحرس الثوري، وتحديدا أولئك الذين عملوا في الميدان بالعراق، وتبيّن كيف حرصت إيران على مراقبة الوجود الأمريكي في بلاد الرافدين منذ لحظاته الأولى، بل ونافسته، حتى أنها جندت عملاء سابقين للمخابرات الأمريكية، ومسؤولين بالخارجية الأمريكية لمدها بخطط واشنطن بشأن العراق.

الصحيفة استعرضت مضمون وثيقة تؤكد أن إيران تمكنت من إدارة حرب جواسيس على الأراضي العراقية تحديدا في الجنوب، وتشير إلى لقاء تم في كربلاء أواخر 2014، جميع بين ضابط مخابرات عراقي ومسؤول مخابرات إيراني، حيث عرض الأول التجسس لصالح طهران، لا بل أنه حمل رسالة من مدير الاستخبارات العسكرية اللواء حاتم المقصوصي مفادها  نحن في خدمة إيران، وكل معلومات الجيش العراقي لكم،مع التأكيد على هويته الشيعة وأن لديهم عدو مشترك.

كما أخبر الضابط العراقي المسؤول الإيراني بأن واشنطن أمدت بغداد ببرنامج للتجسس على الهواتف النقالة، وأنه سيضمن أن تكون كافة المعلومات التي يوفرها هذا البرنامج تحت تصرف طهران.

إحدى الوثائق أيضا، تكشف كيف سعى العبادي بعد وصوله إلى كرسي رئاسة الوزراء إلى التواصل سرا مع طهران التي كانت تنظر لها على أنه رجل أمريكا، فيما تحدثت أخرى عن لقاء جمع العبادي مع مسؤول استخباراتي إيراني في يناير 2015، تحدث فيه عن أوضاع السنة وتراجع نفوذهم، وكيفية استفادة الشيعة من هذا الوضع وقد أبدى العبادي موافقته على كامل مقتراحات الضابط الإيراني.

منذ 2014، بدأ سليماني يصور ويجول كما يحلو له في بغداد، ويلتقط صورًا مع الجنود الإيرانيين والفصائل الموالية، في إحدى الوثائق، يظهر تقرير استخباراتي داخلي غضب ضباط استخبارات الحرس الثوري من هذه الصور التي تظهر سليماني أثناء قيامه بعمل قيادي في الميدان، بشكل يعطي شرعية للوجود الأمريكي تحديدا في أعين السنة، على حد وصفهم.

ووفقا للوثائق سليماني طلب من وزير المواصلات السابق باقر جبر صولاج خلال لقاء في بغداد، فتح الأجواء العراقية أمام الطائرات الإيرانية لنقل أسلحة إلى سوريا، وما كان من الأخير إلا الموافقة بكل ترحيب.


اليد العليا والتوسع الإقليمي
وصل نفوذ إيران بحسب "نيويورك تايمز" في العراق، إلى الحد الذي لم تكن هناك كلمة تقال خلف الأبواب المغلقة في مكاتب الحكومة العراقية، إلا وتصل إلى طهران مباشرة، وتحديدا الاجتماعات العراقية الأمريكية رفيعة المستوى، إذ كانت طهران تخشى من نمو النفوذ الأمريكي في العراق، الذي تريد له أن يبقى تابعا لها وأن تكون الكلمة العليا لها دون منازع في كل ما يتعلق بشؤونه.

حسن دانائي فر، سفير إيران في العراق من 2010 إلى 2017 ونائب قائد القوات البحرية للحرس الثوري سابقًا قال لـ"نيويورك تايمز":  إيران لديها اليد العليا في الوصول إلى كافة المعلومات الخاصة بالشأن العراقي، لدينا الكثير من المعلومات حول قضايا العراق المتعددة، وفي فترة الوجود الأمريكي كان الاهتمام ينصب على ما كانت تفعله أمريكا هناك.

فيما أكد أحد مستشاري الحكومة الإيرانية، أن لديهم عدد كبير من الحلفاء من بين القادة العراقيين الذين يمكن أن تثق فيهم طهران بـ"أعين مغلقة"، وبحسب الصحيفة الأمريكية، طهران كان لديها قنوات اتصال قديمة مع رموز المعارضة لنظام صدام حسين قبل 2003، كعبد المهدي وغيره، وهذا ساعدها في تجنيدهم في مرحلة ما بعد صدام، ويفسر لحد بعيد لماذا اليوم لا يمكن لأي سياسي عراقي أن يصبح رئيساً للوزراء دون مباركة إيران.

الأمر  عينه يحدث في لبنان وسوريا وإن كان الحديث ليس بالضرورة عن منصب رئيس الوزراء، فطهران وتحديدا سليماني له نفوذ واسع هناك سواء من خلال فصائل موالية لها تأثير مباشر على صناعة القرار السياسي كحزب الله في حالة لبنان أو ميليشيات مسلحة تابعة للحرس وعلاقات مباشرة مع القيادة السياسية كما في حالة سوريا.

طهران تعتبر العراق ولبنان وسوريا مناطق حاسمة لأمنها القومي، وسليماني يشرف بنفسه على اختيار السفراء في هذه الدول وبالطبع يقع الاختيار على أبناء الحرس الثوري، ولا دخل لوزارة الخارجية، فالأمر لا يتعلق بسفير بقدر ما يتعلق وكيل عن "الحرس".

الأخطر من ذلك أن الوثائق تكشف نوع من صراع الأجنحة داخل النظام الإيراني، فمكانة سليماني لدى الملالي تزداد يوما بعد يوم، ما أزعج وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات العامة، وفي حادثة شهدتها تركيا عام 2014 تشير إلى أن الاستخبارات أضطرت إلى زرع جاسوس داخل اجتماع سري بين فيلق القدس وجماعة الإخوان المسلمين.

بحسب إحدى الوثائق الاجتماع المشار إليه حضره أحد نواب سليماني، وقيادات أخوانية من خارج مصر هم: إبراهيم منير، ومحمود الإبياري، ويوسف ندا، ودار حول البحث عن أرضية مشتركة للتعاون، وعرض الأخوان تعاون حركة الإصلاح اليمنية التابعة لهم، مع الحوثيين، بما يضمن توحيد جبهتم ضد السعودية باعتبارها عدو مشترك، إلا أن الوثائق أكدت فشل الاجتماع، ولم ترد إشارة إلى اجتماعات أخرى مماثلة.

"إيران أرحلي" و"إيران برا برا" هكذا انتفض الشارع في لبنان والعراق في وجه نفوذ الملالي منذ قرابة شهر، ضمن حراك شعبي واسع يطالب بالإصلاح السياسي ومكافحة كافة أوجه الفساد، مراهنا على الإرادة الوطنية وقدرتها على التغيير.. إيران اليوم تكافح لأخر نفس للحفاظ على سنوات من العمل الاستخباراتي من أجل مخططها للتوسع الإقليمي، لكن الجديد في المعادلة هو إرادة الشعوب.


 

 

اضف تعليق