بعد وصفه بـ"الميت سريريًا".. ماكرون يشعل "النار تحت الرماد" بين أعضاء الناتو


١٩ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٦:٤٧ م بتوقيت جرينيتش

رؤية – محمود طلعت

لا تزال أصداء التصريحات التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مطلع الشهر الجاري عن حلف "الناتو" ووصفه بأنه "يحتضر ويعيش موتا سريريًا"  تلقي بظلالها على الساحة السياسية الدولية.

وأثارت تصريحات ماكرون انتقادات وردود فعل واسعة، ودفعت المتابعين إلى رصد طبيعة هذا الحلف وتاريخه، الذي يعود إلى 7 عقود خلت، والتحولات التي شهدها العالم، وجدوى هذا الحلف في ظل تغيير التحالفات.

حلف الناتو الذي بدأ عند تأسيسه بـ 12 دولة، يضم في عضويته حاليًا 29 دولة، إذ انضمت إسبانيا للحلف عام 1982، وتبعتها كل من التشيك، والمجر، وبولندا عام 1999.

لماذا هاجم ماكرون الناتو؟

يرى خبراء أن الرئيس الفرنسي كان محقًا إلى حد بعيد حين اعتبر في مقابلته مع ”الإيكونوميست“، بأن الحلف يعيش "موتًا سريريًا"، في إشارة إلى عدم جدواه في ظل انفراد بعض أعضاء الحلف في اتخاذ قرارات فردية تنعكس سلبًا على أعضاء آخرين.

ويرى ماكرون أنه ليس هناك أيّ تنسيق لقرار الولايات المتحدة الاستراتيجي مع شركائها في الحلف الأطلسي، ونشهد عدوانًا من شريك آخر في الحلف، وهو تركيا في منطقة مصالحنا فيها على المحك، من دون تنسيق.

الرئيس الفرنسي لديه قناعة عبّر عنها بأن الهدف من إنشاء الحلف أصلًا، هو حماية دول الحلف وأمنها، إذ تنص المادة 5 على "تضامن عسكري بين أعضائه في حال تعرض أحدهم لهجوم".

ويعد حلف شمال الأطلسي "الناتو" أهم حلف عسكري في العالم، تشارك كل دولة عضو فيه بقوات عسكرية وتوفر الخدمات اللوجيستية اللازمة لعمله.

هل الناتو "ميّت" إكلينيكيا؟

ماكرون أرجع وقتها سبب إطلاقه لمثل هذه التصريحات بأن حلف شمال الاطلسي ليس قادرا على التنبؤ بالسياسة الأمريكية في ظل قيادة الرئيس دونالد ترامب، إضافة إلى نقض الولايات المتحدة التزاماتها تجاه حلفائها.

حالة التراجع والضعف التي يشهدها الحلف، بدأت مع قدوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سدة الحكم والطريقة التي تعامل بها مع الحلف وإرغام أعضائه على رفع حصص نفقاتهم المالية، تحقيقا لما يصفه ترامب بالعدالة في توزيع النفقات، بحسب خبراء.

واليوم قالت مندوبة الولايات المتحدة لدى الناتو، كاي بيلي هتشيسون، في مؤتمر صحفي ببروكسل، إن واشنطن غير متفقة مع تصريحات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، حول "الموت الدماغي" للحلف.

وتابعت: "الولايات المتحدة تبذل جهودا هائلة لتعزيز أمن الناتو وتسعى لدعم كل انتقاد عندما يكون بناء وعلى أوروبا أيضا أن تعمل المزيد"، مشددة على أن بلادها متمسكة بالحفاظ على أكبر حد ممكن من الترابط بين الولايات المتحدة وأوروبا في إطار حلف شمال الأطلسي.

الخبير العسكري الروسي إيغور كوروتشينكو، اعتبر أن نهاية حلف الناتو باتت حتمية، مشيرًا إلى مقاطعة أعضاء الحلف الأسلحة الأمريكية، يشير إلى وجود نار تحت الرماد بين أعضاء الحلف من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، حيث تنظر الأخيرة للحلف على أنه سوق تجاري واقتصادي لأسلحتها.

وأكد أن كل هذه المؤشرات تؤكد وجود انهيار تام في وحدة صف الحلف، على النحو الذي يعجل بنهايته، مشيرًا إلى أن النهاية حتى لو لم تكن في المستقبل القريب إلا أنها قادمة لا محالة.



ماذا قال أميـن عام الحلف؟

المقاربة الفرنسية لم ترق للكثير من أعضاء الحل؛، إذ انتقدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تصريحات ماكرون ووصفتها بـ"الراديكالية". وحذر وزير الخارجية الألماني هايكو ماس من تقويض الحلف، قائلًا: "سيكون من الخطأ أن نقوض حلف شمال الأطلسي.. بدون الولايات المتحدة لن تتمكن ألمانيا ولا أوروبا من حماية نفسها على نحو فعال".

وشاطر الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ، الألمان رأيهم، إذ اعتبر أن الحلف ما زال ”قويًا“، مؤكدًا أن الولايات المتحدة وأوربا تتعاونان معًا أكثر مما فعلتا منذ عقود.

بدوره قال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو: إن حلف الناتو تاريخيًا من أهم الشراكات الاستراتيجية، رغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد قال -في تصريح سابق- إن الحلف عفا عليه الزمن، قبل أن يطالب دول الحلف بتقاسم عبء التمويل.

من جانبه أكد رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو على "الدور بالغ الأهمية" للحلف على الساحة الدوليّة، خصوصًا في العراق ولاتفيا.

أما موسكو، فرحبت بتصريحات ماكرون وقالت المتحدّثة باسم وزارة الخارجيّة الروسية ماريا زاخاروفا "إنها كلمات من ذهب صادقة وتعكس الجوهر.. إنّه تعريف دقيق للواقع الحالي لحلف شمال الأطلسي".

مخاطرة أحبطت أوروبيين

مسؤولون في باريس اعتبروا أن تصريحات ماكرون الحادة أحبطت أوروبيين آخرين، لكنها مخاطرة يبدو أن الرئيس الفرنسي مستعد لاتخاذها إذا كانت ستمنع الأوروبيين من أن يغضوا الطرف عن عالم أصبح أكثر خطرا.

وقال رئيس ليتوانيا جيتاناس ناوسيدا للصحفيين أثناء زيارته لروما: "لا أستطيع القول: إن هذا التصريح جعلنا سعداء للغاية"، لكن مسؤولين فرنسيين يقولون: إن ماكرون لم يقل إلا ما هو واضح تماما، وإن ترامب هو من شكك في السابق في التزامات الولايات المتحدة تجاه حلف الأطلسي ووصفه آنذاك بأنه "عفا عليه الزمن".

ولعل الدعم الذي تقدمه تركيا للجماعات الإرهابية التي تشكل خطرًا على مصالح الولايات المتحدة والدول الغربية في منطقة الشرق الأوسط، يشير إلى سوء نية من أنقرة، وأنها باتت تتصرف على أنها عدو للحلف وليس عضوًا فيه.

الولايات المتحدة من جانبها أدركت خطورة الدور التركي، وظهر ذلك واضحًا في مواقفها الحاسمة من تصرفات أنقرة، سواء فيما يتعلق بتدخلها عسكريا في الشمال السوري، أو معارضتها ولهجتها الحادة تجاه صفقة  "إس 400".

ويعود تاريخ إنشاء حلف ”الناتو“ إلى عام 1949، استجابة لضرورات الحرب الباردة النامية حينها، لكن نهاية تلك الحرب لم تنه الناتو، بل على العكس توسع الحلف ليشمل بعض دول الاتحاد السوفيتي السابق، ويصبح أكبر تحالف عسكري في العالم.




الكلمات الدلالية إيمانويل ماكرون الناتو

اضف تعليق