أهمية الأمن المجتمعي في مواجهة التطرف، تجارب أوروبية


٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٧:٠٧ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - جاسم محمد

تعتمد خطط العمل الوطنية والدولية في الوقاية من التطرف، على دور منظمات المجتمع المدني في الوقاية من التطرف، وذلك بأن تكون هناك أطراف مشاركة في البرامج الوطنية، ربما تكون مكملة إلى برامج الحكومات أو بديلا عنها في بعض الأحيان.

يشكل التطرف تحديات سياسية وأمنية كبيرة للحكومات والمجتمعات في جميع انحاء أوروبا، وليس من الواضح في الوقت الحاضر ما إذا كانت هذه الحكومات قادره على مواجهه تحديات التطرف بنجاح. وقد دفعت هذه المعضلة الحكومات إلى التركيز على برامج مجتمعية وقائية محددة، تهدف إلى معالجة العوامل التي تؤدي إلى التطرف، بما في ذلك التعاطف الثقافي مع التطرف العنيف وغير العنيف على حد سواء.

وكانت الاستجابات الأوروبية للوقاية أقل من الموحدة، وذلك جزئيا لأنه لا يزال هناك خلاف كبير حول كيفيه تحديد مسببات العنف الإسلاموي في المقام الأول.

وتنقسم أسباب التطرف إلى دينية أو عرقية أو سياسية وأحيانا يرتبط التطرف بالعوامل الاقتصادية، ويرتبط التطرف بالظلم، وإن كان مجرد شعور، أو بالإقصاء والتهميش.

شبكة التوعية بالتطرف للمفوضية الأوروبية.. آلية جديدة لتعزيز الأمن المجتمعي الأوروبي

قامت المفوضية الأوروبية سنة 2011 بإنشاء آلية هدفها الوقاية و التوعية من التطرف و التطرف العنيف و الارهاب في المجتمعات الأوروبية وتعزيز الأمن المجتمعي الأوروبي، ويقوم الموقع الرسمي لشبكة التوعية بالتطرف RAN بالتعريف بهذه الأخيرة ومختلف مقارباتها ومهامها من خلال أنها وسيلة لتمكين المجتمعات المحلية (أسرة، مدرسة، أماكن العبادة... إلخ) للحيلولة دون وقوعها في التطرف، ومكافحة التجنيد.

وتعرف المفوضيةُ الأوروبية شبكةَ التوعية بالتطرف بأنها “شبكة من الخبراء والممارسين العاملين في الخطوط الأمامية أو على المستوى الشعبي من جميع أنحاء أوروبا الذين يتفاعلون بشكل يومي مع الأشخاص الذين تطرفوا بالفعل، أو من هم عُرضة للتطرف. يشمل نطاق عمل هؤلاء: دوائر الشرطة والسجون، وأولئك الذين لا يشاركون تقليديًّا في أنشطة مكافحة الإرهاب، مثل المدرسين، والعمال الشباب، وممثلي المجتمع المدني، وممثلي السلطات المحلية، ومتخصصي الرعاية الصحية”.

السياسات المجتمعية للوقاية من التطرف في ألمانيا

نظمت وزارة العائلة والشباب في المانيا خلال عام 2018، دروس سبل الوقاية من التطرف الأصولي واليساري واليميني، إلا أن البرنامج ركز على إرهاب المتشددين. وفي رأي الخبيرة القانونية ليمباخ فإن الحكومة لا تقصر في تخصيص الأموال اللازمة لتنفيذ هذه البرامج، إلا أنها تفتقد إلى خطة موحدة للتصدي لخطر زيادة تطرف الشباب، وأن هذه الثغرة كانت موضع نقاش المؤتمر.

وذكرت ليمباخ أنها أجرت مقابلات تفصيلية مع 27 خبيراً في الإرهاب وعلم النفس والتربية وأنهم كانوا متفقين مع رأيها بأن ألمانيا تفتقد لصيغة واضحة لتوحيد هذه الجهود. وكان المعلمون والتربويون ورؤساء النوادي والجمعيات، وغيرهم يعرفون كثيرا عن كيفية مواجهة النشاط اليميني المتطرف، إلا أنهم لا يعرفون ما يكفي عن أساليب المتطرفين الإسلاميين.

أطلقت ولاية شمال الراين فيستفاليا -في 27 أغسطس 2019- قناة ساخرة على شبكة يوتيوب بهدف توعية الشباب من خطر التطرف السلفي. والمشروع ترعاه هيئة "حماية الدستور"، جهاز الأمن الداخلي في ألمانيا، في أكبر ولايات البلاد من حيث عدد السكان، ويتألف من قسمين: قسم ساخر بعنوان "جهادي فول" وقسم آخر معني بنشر مواد جادة بهدف التثقيف والتوعية. وتم عرض الحلقات الثلاث الأولى من البرنامج في معرض الألعاب الإلكترونية "جيمسكوم" 2019 في مدينة كولونيا، كبريات مدن الولاية بغرب ألمانيا. وكانت مواضيع الحلقات الثلاث عبارة عن مزيج  بين الكوميديا الساخرة وطرح الأفكار المتطرفة بشكل فكاهي يعكس تفاهتها وعدم جديتها وبعدها عن الواقع وخطر الإرهاب الإسلاموي، حسب البيان الصحفي الذي نشر بهذا الخصوص.

السياسات المجتمعية للوقاية من التطرف في فرنسا

السلطات الفرنسية اتخذت قرارا استراتيجيا يهدف الى الوقاية من التطرف داخل المجتمع الفرنسي؛ لأنها وصلت إلى قناعة بأن التيارات المتطرفة التي وجدت في ضواحي مدنها وهوامش مجتمعها تربة خصبة من الغضب والحرمان لإحداث قطيعة كبيرة بين النظام الجمهوري ومكونات المجتمع الفرنسي أصبح خطرا قاتلا يهدد تماسكه لدرجة أن الرئيس إيمانويل ماكرون تحدث في إحدى خرجاته الإعلامية عن خطر الانفصال الذي يشكله نشاط هذه الجماعات المتشددة في بعض مناطق الجمهورية. كلمة انفصال كلمة قوية في القاموس السياسي الفرنسي وتعكس أعلى درجات القلق والتخوف من تمدد الإسلام السياسي وبسط نفوذه على عقول بعض مسلمي أوروبا.

أعلنت الحكومة الفرنسية عشرات الإجراءات في إطار خطة واسعة النطاق لمحاربة التطرف شعارها "الاستباق من أجل الحماية"، تستهدف المدراس والسجون والموظفين في بعض القطاعات الحكومية السيادية وعلى رأسها الأمن. تشمل الإجراءات تشديد المراقبة والمتابعة التربوية على المؤسسات التعليمية غير التعاقدية وعلى الدروس التي تعطى في إطار عائلي.

 وشملت الخطة الجديدة تعزيز التربية على وسائل الإعلام من أجل حماية طلاب المدارس مما يسمى نظريات المؤامرة، والحيلولة دون انتشار الدعاية الإرهابية على الشبكة العنكبوتية. ولتحقيق هذه الغاية تعتزم الحكومة التعاون مع كبريات المنصات لتطوير أدوات آلية للتعرف على المواد الدعائية وشطبها من الإنترنت، كما تسعى لتطوير خطاب مضاد للدعاية الإرهابية من خلال دعم المنظمات والهيئات التي تعمل في هذا المجال.

إن مواجهة فرنسا للتطرف تختلف عن الدول الأوروبية الأخرى خاصة خلال العامين الاخيرين، فكانت سياستها أقل اعتمادًا على قيادة المجتمع، وأكثر اعتمادًا على علم النفس والرعاية الاجتماعية. ولكن هذا النهج أثبت فشله، وهو الأمر الذي دفع الحكومة الفرنسية إلى اتباع نهج استباقي للوقاية.

أطلقت فرنسا خطة وطنية لمنع التطرف خلال شهر فبراير 2018،، تتبنى مقاربة واسعة النطاق، حيث تتعمق في كل شيء، مثل: التعليم، والرياضة، والحكومة المحلية، والمؤسسات الخاصة، إضافة إلى تطوير الدعم للعلمانية واستخدام الروايات المضادة، وزيادة الرقابة الحكومية على التعليم الخاص، وإزالة المحتوى الإرهابي غير القانوني على الإنترنت بشكل أسرع، وتدريب المعلمين على اكتشاف علامات التطرف، ومشاركة أكبر من المتخصصين في الصحة العقلية.

السياسات المجتمعية للوقاية من التطرف في بلجيكا

وافقت السلطات البلجيكية على صرف مبالغ مالية لتمويل 8 مشروعات تنفذها منظمات معنية بمجال الشباب، وهي مشروعات تهدف إلى مكافحة الاستقطاب والتطرف في أوساط الشباب، من خلال العمل على تجنب حدوث تزايد في أعداد الشباب الذين يتركون التعليم من دون الحصول على مؤهل دراسي، وكذلك مكافحة جرائم الشباب صغار السن �الأحداث�، والتصدي لآفة التطرف. حسبما أعلنت هيلنا كريفتس، وزيرة التعليم في الحكومة الفلمنية البلجيكية، أن "التعليم لديه مهمة وقائية عندما يتعلق الأمر بالتطرف والاستقطاب، وهناك رغبة من جانب المدارس ومنظمات المجتمع المدني لمساعدة الشباب الضعفاء في اختيار طريق الدراسة، والقيام بالواجبات المدرسية، وتنمية المواهب، ومعالجة حالات الفصل الصعبة."

السياسات المجتمعية للوقاية من التطرف في السويد

تشير دراسة أكاديمية نشرها الباحث روبن سيمكوكس في معهد هودسن في 11 آذار 2019، إلى أن استراتيجية السويد لمواجهة التطرف هي الأكثر تطورًا بين الدول الأوروبية، حيث يركز نهجها في مجال الوقاية المجتمعية على منع الجريمة، ووقف أعمال العنف، ومعالجة المظالم، بدلًا من التركيز على المعالجة الإيديولوجية غير العنيفة من خلال الالتزام بحرية التعبير.

وتقع أعمال الوقاية على عاتق وزارة الثقافة والديمقراطية. وهذا يعكس حقيقة أن السويد ترى أن تعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية أفضل عائق أمام التطرف.

وفي مرحلة تالية، وُضعت تحت رعاية وزارة العدل. ففي يناير 2018، تم إنشاء مركز لمنع التطرف العنيف، يعمل تحت إشراف المجلس الوطني لمنع الجريمة بالوزارة، التي أضحت مكلفة بتطوير العمل القائم على المعرفة والعمل المشترك بين القطاعات في منع التطرف العنيف على المستويات الوطنية والإقليمية والمحلية بالدولة.

الخلاصة

يعتبر الشباب الفئة الأكثر استهدافا في برامج الوقاية من التطرف العنيف. وقد عملت الدول الأوروبية في السنوات الأخيرة على محاولة إيجاد مقاربات وسياسات جديدة مرتبطة بتعزيز الأمن المجتمعي بهدف الوقاية من التطرف ومحاربة التطرف العنيف، والملاحظ هو أن الدول الأوروبية اتفقت على ضرورة تبنّي أهمية الأمن المجتمعي في الوقاية من التطرف، لكنها اختلفت في المقاربات التطبيقية لهذا المفهوم.

على الرغم من أن المفوضية الأوروبية قامت بإنشاء آلية خاصة هدفها الوقاية من التطرف على مستوى المجتمع، إلا أن هذه المعضلة لا تزال قائمة في حد ذاتها، ولم تعد تقتصر فقط على التطرف الديني بل شملت حتى التطرف الإيديولوجي والهوياتي.

الحكومات الأوروبية ما زالت متخوفة من انتشار التطرف على مختلف مستوياته بدءا من الأسرة، وهذا ما كلفها صرف ميزانيات كبيرة موجهة إلى البنية المجتمعية خاصة تلك المرتبطة بالمهاجرين واللاجئين، بهدف التقليل من درجة التطرف داخل هذه المجتمعات المحلية، لكن تبقى كل هذه الجهود لا تعبر بشكل مرضي عن النتائج المتحصل عليها ميدانيا.

وهنا يُبرز دور المجتمع المدني مبدأ الاحتواء والمعالجات الثقافية والفكرية والمساعدة في الاندماج في المجتمع  من خلال الحصول على فرص الدراسة والعمل ومتطلبات الحياة اليومية.

التوصيات

- في ظل سياسات حكومية، ربما تكون غير وطنية أو فاسدة، تظهر أهمية دور المجتمع المدني للوقاية من التطرف، من خلال اعتماد المعالجات الاجتماعية والثقافية والفكرية، الإيديولوجية، وتعزيز روح المواطنة عند الفرد والجماعات. وهنا تبرز الحاجه إلى التضامن والتكامل بين أفراد المجتمع من خلال شبكة عمل منظمات مدنية مجتمعية.

- ينبغي على الدول -ومنها الدول الأوروبية لاسيما تلك التي تستقبل الكثير من المهاجرين- أن تكثف تركيزها على سياسات الإدماج انطلاقا من البرامج التعليمية والتربوية.

- ينبغي على الدول الأوروبية توسيع الاعتماد على مقاربة الشرطة المجتمعية التي تسمح بدورها بأن تكون حلقة الوصل بين الإدارة المحلية والفواعل المجتمعية المحلية من أجل تسهيل التنسيق والتعاون المتبادل بينهم.

- الحكومات ملزمة بتكثيف التنسيق مع شركات المنصات الإلكترونية من أجل المراقبة الصارمة لمحتوى الإنترنت.

- إن اعتماد الحوار هو الأساس في المعالجات الاجتماعية للتطرف "يجب أن نسمع الآخرين" بدل الإقصاء وأن الاستباق من أجل الحماية بات ضروريًا، من خلال الأسرة والمدرسة ومراكز العبادة ومناهج الدراسة والمراكز الثقافية.

- إيجاد قنوات حوار وتفاعل بين الأديان والثقافات المختلفة، من أجل التعايش السلمي في المجتمع، من خلال المنتديات أو الهيئات الوطنية والدولية.

- وفي زمن العولمة والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تساهم كثيرًا في نشر الأخبار الكاذبة أو المفبركة، ومنها الدعاية المتطرفة أو تلك الرسائل التي تدعو إلى الكراهية، بات ضروريا أن تنهض الحكومات بمسؤوليتها، بإيجاد مواثيق عمل مع محركات الإنترنت، بعيدًا عن مبدأ الربح، بحذف المحتوى المتطرف وفي وقت قياسي.

- التأكيد على  إيجاد أنظمة للإنذار المبكر في المؤسسات التعليمية، بالتعاون مع المراكز المدنية للوقاية من التطرف.



الكلمات الدلالية الأمن المجتمعي

اضف تعليق