العدوان على غزة .. قراءة في التداعيات والأهداف


٢٠ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٤:٤٧ م بتوقيت جرينيتش

كتب - د.محمد عبدالدايم

أسبوع مر على العملية العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة، التي استهدفت حركة الجهاد الإسلامي، استهلت إسرائيل عدوانها "المعتاد" باغتيال القائد الميداني لسرايا القدس بهاء أبو العطا، بالتزامن مع محاولة لاستهداف القيادي أكرم العجوري الذي كان متواجدا في سوريا.

بعد سقوط العشرات من الفلسطينيين شهداء، وتكبيد القطاع المحاصر خسائر تصل إلى ثلاثة ملايين دولار، أُعلن الخميس عن اتفاق هدنة بين الطرفين، إسرائيل والجهاد الإسلامي، بعد جهود مصرية ودولية.


الجولة السادسة عشرة

هذه العملية الأخيرة أطلقت عليها إسرائيل اسم "الحزام الأسود"، وهي الجولة السادسة عشرة من جولات الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة منذ عدوان 2014 المعروفة إسرائيلية باسم "الجرف الصامد"، وأطلقت عليها كتائب القسام عملية "العصف المأكول" فيما سمتها في حينه حركة الجهاد الإسلامي بـ"البنيان المرصوص".

العملية الأخيرة حملت أهدافًا مختلفة عن سابقاتها، من أهمها:

-  توجيه ضربة كبيرة مزدوجة إلى حركة الجهاد، باغتيال قائدها الميداني أبي العطا في غزة، ومحاولة اغتيال أكرم العجوري في سوريا.

-  السعي لإثبات شرخ في العلاقة ما بين حركتي الجهاد وحماس، حيث ركزت إسرائيل هذه المرة على استهداف الجهاد وحدها، فيما امتنعت حماس عن المشاركة في الرد.

-  اختبار نجاعة الاستراتيجية الجديدة للجيش الإسرائيلي في التحديد الانتقائي، والتدمير السريع.


الإطار السياسي المحيط ومصالح نتنياهو

كما أن الظروف السياسية التي جاءت فيها العملية كان لها تأثيرها على استراتيجية إسرائيل، ونتائج العملية، فالجيش الإسرائيلي هذه المرة ينفذ عملية عسكرية واسعة على قطاع غزة، وعلى أهداف في العمق السوري بأمر من حكومة "تسيير أعمال" برئاسة نتنياهو، بينما توشك مهلة الـ28 يومًا الممنوحة لخصمه بيني جانتس على أن تنتهي دون أن يستطيع تشكيل حكومة جديدة.

إضافة إلى ذلك، ورغم التحفظ الروسي، فإن إسرائيل ما تزال تنشط بعمليات جوية فوق سوريا، لضرب أهداف إيرانية، وهذه المرة في محاولة لاغتيال قائد ميداني للجهاد الإسلامي، الذي تدفع دوائر السياسية والاستخبارات الإسرائيلية أنها ،أي الجهاد، مرتبطة على نحو قوي بإيران.

إذًا، الواضح للجميع الآن أن العملية جاءت لمصلحة الأجندة الشخصية لبنيامين نتنياهو، الذي يتشبث بالاستمرار في منصبه حتى 2022، ليحصن نفسه ضد لوائح الاتهام الموجهة إليه، كما أن إسرائيل مستمرة في تعقب الأهداف الإيرانية، والتابعين لها، سواء في سوريا أو العراق، أو لبنان، والآن في غزة.

صرح متحدث الجيش الإسرائيلي أن عملية اغتيال أبي العطا كان محور تخطيط منذ فترة طويلة، باعتباره مسئولا عن "إطلاق كثيف لقذائف صاروخية من غزة على إسرائيل" حتى أنه كان مسئولا عن الأمر بإطلاق قذائف صاروخية على أشدود حينما كان نتنياهو هناك في حملة انتخابية، وحينها رفض مسئولو الجيش والشاباك تنفيذ العملية حينها لعدم استكمال جمع المعلومات. ونفى متحدث الجيش أن يكون الأمر نتيجة أولى لتعيين نفتالي بينط وزيرا للدفاع، وصرح مسئولون بالجيش الإسرائيلي أن العملية جاءت بعد استكمال جمع المعلومات الاستخباراتية الدقيقة، التي سمحت بمعرفة موقع أبي العطا وتعقبه.

استغل نتنياهو العملية العسكرية كما هو متوقع، بأن سحب الأضواء ليومين من مفاوضات بيني جانتس الذي يسعى لتشكيل حكومة قبل أن تلفظ مهلته أنفاسها الأخيرة، كما استثمر نتنياهو عمليته في استمرار الهجوم الضاري على القائمة العربية المشتركة وأعضائها بالكنيست، واتهمهم بدعم "الإرهاب"، ليضع ضغطًا سياسيًا وإعلاميًا أكبر على جانتس كيلا يتلمس دعم القائمة العربية له، ولو من خارج الحكومة.

كما أن مسألة تعليق الدراسة والعمل في مستوطنات غلاف غزة وتل أبيب؛ قد ألقت بظلالها على المجتمع الإسرائيلي، حيث ظهر تخوف الجميع من العملية الأخيرة، ومن جديد تبرز "فزاعة الأمن" التي يرفعها نتنياهو أمام الجميع ليضمن خوفهم وبقائه.


نجاح استراتيجية إسرائيل

أثبتت العملية الأخيرة نجاعة بالنسبة لإسرائيل في أمرين، أولهما: تحييد حماس، عبر استراتيجية استهداف الجهاد الإسلامي فقط، ومن ثم محاولة الشقاق بين الحركتين، والأمر الثاني هو إثبات نجاح المنظومة العسكرية الجوية الإسرائيلية، التي تقوم على تنفيذ عمليات ذات نتائج تدميرية كبيرة في زمن قياسي قصير، كما أن منظومة الدفاع  بالتصدي لقذائف الجهاد نجحت بنسبة تصل إلى 93%.

صمت حماس وعدم مشاركتها بالرد يؤكدان الضغوط الكبيرة التي تتعرض لها، وفي الوقت نفسه يؤكدان قناعتها بعدم أفضلية الاشتباك في الوقت الحالي، استقراء لأهداف العملية الإسرائيلية، التي تقضي باغتيال قائد الجهاد، وافتعال ضجة في هذا الوقت تحديدًا.

عادت إسرائيل إلى سياسة الاغتيالات المُركزة، بالتعاون الفعال بين الشاباك والجيش، بتحديد دقيق لمكان أبو العطا وزوجته واغتياله، وهو ما يؤكد التفوق الإسرائيلي الاستخباراتي في جمع المعلومات، ويؤكد كذلك أن سياسة الاغتيالات قائمة ولن تتغير.

العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة لم يكن من بين أهدافه إحداث خسائر كبيرة في الأرواح والمنشآت، ولكن قصدت منه إسرائيل اختبار قدراتها الاستخباراتية والجوية، وتنفيذ الفكر الجديد للجيش، وتنظيم استراتيجية جديدة في التعامل مع القطاع المحاصر، وتحديد أولوياتها بدقة دون توسيع دائرة الهجوم بشكل يفتح عليها جبهات كثيرة للرد والهجوم، فأي حرب واسعة النطاق كانت ستجلب غضب مصر التي تبذل يوميا جهودها للحفاظ على وقف إطلاق النار، كما كانت ستجلب غضبًا دوليا،  مع محاولات إنعاش الحياة في القطاع المحاصر، ناهيك عن مشاركة حماس في الرد العملي.

أثبتت العملية الأخيرة كذلك أن حماس لا تملك فرض سيطرتها على حركة الجهاد، وأن كليهما، وإن نفيتا وجود شرخ في العلاقة، يقفان موقف الند بالند، وهذا تحديدا ما تستثمره إسرائيل. 
 


الكلمات الدلالية الحرب الإسرائيلية على غزة

اضف تعليق