انتخابات هونج كونج.. صفعة لسياسات بكين القمعية


٢٥ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٩:٠٣ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت -  أسماء حمدي

حقق المرشحون الديمقراطيون المدعومون بالاحتجاجات في الشوارع في هونج كونج، فوزًا ساحقًا في الانتخابات المحلية، حيث أظهرت أرقام التصويت القياسية، تعبيرا واضحًا عن تطلعات المدينة وغضبها من الحكومة الصينية.

كانت الانتخابات توبيخًا واضحًا لبكين وحلفائها في هونج كونج، وأشارت نسبة المشاركة - 7 من كل 10 ناخبين - إلى أن الجمهور مستمر في دعم حركة الديمقراطية، حتى مع تزايد الاحتجاجات العنيفة.

ولعب شباب هونج كونج، وهم قوة رئيسية وراء المظاهرات التي دارت خلال الأشهر الستة الماضية، دورًا هائلًا في ارتفاع نسبة التصويت.

مع وجود ثلاثة ملايين ناخب يدلون بأصواتهم، حصل المرشحون المؤيدون للديمقراطية على 389 مقعدًا من أصل 452 مقعدًا، واحتل حلفاء الحكومة 58 مقعدًا فقط، وهو ما يمثل ارتفاعًا ملحوظًا عن 300 مقعد.

بالنسبة لكثير من دعاة الديمقراطية، كان أمس الأحد نقطة تحول، وقال آلان ليونج، رئيس الحزب المدني، أحد أكبر الأحزاب المؤيدة للديمقراطية: "كانت هناك صحوة عميقة لشعب هونج كونج".

كانت الانتخابات مخصصة لمجالس المقاطعات الـ18 في هونج كونج، وهي واحدة من أقل المناصب المنتخبة في الإقليم، وهي عادة ما تركز على قضايا المجتمع، مثل النقل والمرافق على مستوى الأحياء.

لكن هذه الانتخابات اكتسبت أهمية كبيرة، وكان ينظر إليها على أنها استفتاء بالوكالة على الاضطرابات التي خلقت أسوأ أزمة سياسية في المدينة منذ عقود في جزء شبه مستقل من الصين، حيث تعد الديمقراطية واحدة من أكبر مطالب المحتجين، والتي أعطت السكان فرصة نادرة للتصويت.

من المرجح أن تشجع المكاسب التي تحققت في صندوق الاقتراع حركة الديمقراطية، التي ناضلت وهي توازن بين الاحتجاجات السلمية والعنيفة لتحقيق أهدافها.

ومن المرجح أن يعمقوا التحديات التي تواجه الحكومة المركزية في الصين، والتي تريد كبح الاضطرابات في هونج كونج، وقد يؤدي ذلك إلى تفاقم مخاوف بكين من إعطاء سكان المدينة صوتًا أكبر في اختيار حكومتهم.


مجالس المقاطعات

مجالس المقاطعات هي من بين أكثر الهيئات الديمقراطية في هونج كونج، ويتم انتخاب جميع المقاعد تقريبًا بشكل مباشر، على عكس الهيئة التشريعية، حيث تزيد النسبة قليلاً عن النصف، ولا يتم اختيار الرئيس التنفيذي للإقليم مباشرة من قبل الناخبين، ولكن يتم اختياره بدلاً من ذلك من قبل لجنة متحيزة لصالح بكين.

ستمنح نتائج الانتخابات قوى الديمقراطية تأثيرًا كبيرًا على تلك اللجنة، التي من المقرر أن تختار رئيسًا تنفيذيًا جديدًا في عام 2022.

وتعد مجالس المقاطعات حوالي عُشر أعضاء الهيئة التشريعية البالغ عددهم 1200، والآن جميعهم سينقلبون من المقاعد المؤيدة لبكين إلى المقاعد المؤيدة للديمقراطية، ويسيطر دعاة الديمقراطية بالفعل على ربع المقاعد، في حين أن القطاعات الأخرى المؤيدة لبكين سابقًا في اللجنة بدأت الآن تميل نحو الديمقراطية، وأبرزها المحامون ومحامو العقارات.

دعا رئيس الحزب المدني السيد ليونج، الحزب الشيوعي الصيني إلى تغيير سياساته في هونج كونج، قائلا: "نقوم بعمل ملموس لمعالجة مخاوف أهالي هونج كونج، وأعتقد أن حركة الديمقراطية لا يمكن أن تنتهي".

وقالت ريجينا إيب، عضو مجلس الوزراء وزعيم حزب سياسي مؤيد لبكين، إنها فوجئت برؤية الكثير من الناخبين الشباب الذين حاول الكثير منهم مواجهتها بمطالب المحتجين، وأضافت "عادة، لا يخرج الشباب للتصويت، لكن هذه المرة تمكنت المعارضة من جعلهم يخرجوا للادلاء بأصواتهم".

قبل الانتخابات، كانت قيادة المدينة تشعر بالقلق لأن التصويت سيشوبه فوضى الأشهر الأخيرة، حيث وقعت بعض أكثر المواجهات عنفا بين المحتجين والشرطة الأسبوع الماضي، مما أدى إلى تحول حرمين جامعيين إلى ساحات معركة.

لكن المدينة ظلت هادئة نسبيا أمس الأحد، حيث خرج الناخبون بأعداد كبيرة، ووقفوا في طوابير طويلة في مراكز الاقتراع في الصباح، وتم نشر ضباط شرطة مكافحة الشغب بالقرب من مراكز الاقتراع.

كان ديفيد لي، وهو متقاعد يقترب من التسعين من عمره، من أوائل الناخبين في جزيرة هونج كونج، وقال إنه جاء لأنه أراد الديمقراطية، مؤكدًا "إنها مهمة".


إقبال ساحق واحتفالات 

وتوقع عدد من المحللين، أن المرشحين المؤيدين للديمقراطية سيواجهون صعوبة في تحقيق مكاسب كبيرة، وقال جوزيف تشنغ، الأستاذ المتقاعد بجامعة سيتي في هونج كونج، إن المرشحين المؤيدين لبكين يحصلون على تمويل أفضل بكثير، وعادة ما يفوزون في الانتخابات المحلية".

لكن إقبال الناخبين ارتفع إلى 71 في المائة من الناخبين المسجلين، مقارنة بنسبة 47 في المائة خلال الانتخابات السابقة، وهو ما يفوق التوقعات.

وفقد العديد من السياسيين البارزين المؤيدين لبكين سباقاتهم، من بينهم مايكل تيان، عضو في البرلمان، بعد هزيمته، قال إن الزيادة في عدد الناخبين الشباب تشير إلى أنهم أصبحوا أكثر انخراطًا سياسيًا، مضيفًا أنه يتعين على الحكومة الاستماع إليهم.

في مقاطعة توين مون، احتفل حوالي مائة شخص بهزيمة جونيوس هو، أحد أكثر السياسيين في هونج كونج إثارة للجدل، وتعرض "هو" للطعن بسلاح أبيض الشهر الجاري من قبل شخص تظاهر بأنه أحد مؤيديه.

وكان "هو" قد أعلن تأييده للشرطة بشكل واضح أكثر من مرة في مواجهة المتظاهرين، وبث نشطاء مقطعا مصورا له يصافح فيه عددا من الأشخاص يُعتقد أنهم من عصابة تراياد الشهيرة، وفي وقت لاحق هاجم أعضاء العصابة المتظاهرين.

ويعد فوز أمس الأحد، بمثابة انتصار على آخر فوز كبير للمعسكر المؤيد للديمقراطية في هذه الانتخابات، عندما فازوا بـ 198 مقعدًا، في أعقاب احتجاجات ضخمة في عام 2003، حيث دفعت هذه المظاهرات الحكومة إلى إلغاء مشروع قانون الأمن القومي الذي طلبته بكين والذي قال النقاد إنه كان من شأنه أن يعرض الحريات المدنية في هونج كونج للخطر.

وهيمن حلفاء الحكومة على الانتخابات التي تلت ذلك، ومنذ ذلك الوقت بدأت بكين تستثمر بكثافة في جهود التعبئة الشعبية، بما في ذلك نقل أعداد كبيرة من مواطني هونج كونج الأكبر سنا من دور المسنين في الصين إلى أماكن الاقتراع في هونج كونج.

كما تتلقى العديد من الأحزاب السياسية المؤيدة لبكين تبرعات كبيرة من فروع هونج كونج للشركات المملوكة للدولة في الصين القارية، والتي تستخدمها لتنظيم المؤتمرات وغيرها من أحداث الحملة، لكن النتائج أظهرت حدود هذه الجهود.

ماندي لي ، 53 سنة، ربة منزل صوتت في حي كولون باي، ظهرت للتصويت لصالح المؤسسة المؤيدة لبكين وانتقدت الاحتجاجات، قائلة: "لا يتعلق الأمر بالتعاطف مع الشباب، لكنني أعتقد بقوة أن جهودهم عقيمة، نحن جزيرة صغيرة، وإنها مسألة وقت فقط قبل أن تقوم الصين بضم الإقليم".

بدلاً من التركيز فقط على القضايا المحلية، ركز العديد من المرشحين الديمقراطيين على الموضوعات العريضة للحركة الاحتجاجية، وخاصة الغضب من وحشية الشرطة، وتعرض المرشحون من كلا الجانبين للهجوم أثناء الحملات الانتخابية.




قد تؤدي نتيجة الانتخابات إلى تعقيد موقف كاري لام، الرئيس التنفيذي لهونج كونج، ويقول النقاد إنها فشلت في التواصل مع المجتمع بشأن الاحتجاجات، وقد طالب الكثيرون بتنحيها.

وقالت لام أن الحكومة تحترم نتائج الانتخابات، وأضافت: "لقد أشار الكثيرون إلى أن النتائج تعكس استياء الرأي العام من الوضع الاجتماعي والمشاكل العميقة"، مضيفة أن الحكومة "ستستمع إلى آراء الجمهور بعقل متفتح وتفكر مليا فيها".

في يونيو، قامت السيدة لام بالمضي قدمًا في مشروع قانون كان يسمح بتسليم سكان هونج كونج إلى النظام القضائي المعتم في الصين القارية، وقد أثارت هذه القضية مخاوف عميقة بشأن انتهاك بكين لهونج كونج، التي حافظت على نظامها السياسي والقضائي منذ أن استعادت الصين المستعمرة البريطانية السابقة في عام 1997.

سحبت السيدة لام اقتراحها بعد أشهر من الاحتجاجات، لكن الكثيرين قالوا إنها تصرفها جاء متأخرا، ويطالب المتظاهرون الآن بتنازلات إضافية، بما في ذلك إدخال الاقتراع العام والتحقيق المستقل في سلوك الشرطة.

علق وزير الخارجية الصيني وانج يي، على اتجاه المؤيدين للديموقراطية لتحقيق فوز كاسح في الانتخابات المحلية بهونج كونج، قائلا: إن تلك المدينة جزء من الصين "مهما يحدث".

وقال وانج "إنها ليست النتيجة النهائية حتى الآن، دعونا ننتظر النتيجة النهائية، حسنا؟ ومع ذلك من الواضح أنه بغض النظر عما يحدث، فإن هونج كونج هي جزء من الصين"، وأشار إلى أن أي محاولة لإحداث الفوضى في هونج كونج أو حتى إلحاق الضرر بازدهارها واستقرارها لن تنجح".