الملك بيبي ومن بعده الطوفان!


٢٩ نوفمبر ٢٠١٩ - ١٠:١٥ ص بتوقيت جرينيتش

كتب - د.محمد عبدالدايم

� نتنياهو يشن حربًا على القضاء.
� أتباع بيبي في هاليكود يتهمون جدعون ساعر بتخريب الحزب.
� نتنياهو يرفض التعجيل بالانتخابات الداخلية.
� تكتل اليمين الصهيوني والحريدي يشكل الدرع الأخير لنتنياهو.
� ريفلين يحاول تجنب سيناريو الانتخابات الثالثة.
� المعارضة تتهم بيبي بتزكية الصراع الأهلي كيلا ينسحب.

لم يكن الأمر مفاجئًا على الإطلاق، لم يتفاجأ أحد داخل إسرائيل أو خارجها بأن يوجه القضاء الإسرائيلي لبنيامين نتنياهو لائحة اتهام رسمية، بعد تحقيقات مطولة في ملفات الاحتيال والرشى وخيانة الأمانة، ولم يعد مفاجئًا أن يُتهم مسؤول سياسي كبير بالفساد في إسرائيل، الجديد في الأمر أنها المرة الأولى التي يُوجه فيها اتهام رسمي لرئيس حكومة إسرائيلية وهو في منصبه، وهي المرة الأولى التي توجه له تهمًا ارتكبها وهو يشغل المنصب كذلك.



فاسد رسميًا

يوم الخميس الماضي أعلنها المستشار القضائي أفيحاي مندلبليت، بتوجيه الاتهام رسميا لبنيامين نتنياهو، في ملفات التحقيق المعروفة بالأرقام 1000، و2000، و4000.

في الملف رقم 1000 يواجه نتنياهو تهمة الاحتيال وخيانة الأمانة، بشبهات تلقيه هدايا من رجل الأعمال ومنتج أفلام هوليود وعميل المخابرات الإسرائيلية أرنون ملتشين، وكذلك الثري الأسترالي جيمس باكر.

الملف 2000 يواجه فيه نتنياهو تهمتا الاحتيال وخيانة الأمانة كذلك، بسبب الصفقة المشبوهة بينه وبين أرنون موزيس مالك صحيفة يديعوت أحرونوت، وتقضي الصفقة بأن يضيق نتنياهو على صحيفة يسرائيل هايوم، التي توزع مجانا، في مقابل أن تغطي يديعوت أحرونوت أخبارًا إيجابية لنتنياهو وعائلته.

أما الملف الأخطر فهو رقم 4000، ويواجه فيه نتنياهو تهمة الرشوة، حيث يُتهم بدفع مصالح شاؤول ألوفيتش رجل الأعمال ومالك شركة بيزك للاتصالات في مقابل تغطية إيجابية لرئيس الحكومة في الموقع الإخباري المعروف والا.

نجا الملك بيبي من الاتهام في ملف الغواصات الواردة من ألمانيا، لكنه على ما يبدو لن ينجو من الملفات الأخرى، أو أحدها على الأقل.


حالة جديدة من الجمود السياسي

اتهام نتنياهو في هذا الوقت بالتحديد خلق حالة جديدة في الساحة الإسرائيلية، بعد أن فشل مرتين في تشكيل حكومة جديدة بعد انتخابات إبريل وسبتمبر هذا العام، ومع فشل بيني جانتس هو الآخر في تشكيل حكومة اضطر رئيس إسرائيل رؤوفين ريبلين لتحويل خطاب التكليف إلى الكنيست، في مسعى أخير منه لتجنب سيناريو انتخابات ثالثة، لكن على ما يبدو فإنه سيناريو لم يعد بالإمكان تجنبه.


حرب شعواء مع الجميع

الآن أصبح نتنياهو في حرب مع الجميع، مع قطاع كبير من الجمهور الإسرائيلي، الذي عبر استطلاع رأي أجرته القناة 13 عن رغبة 65% منه في رحيله بعد توجيه الاتهامات رسميًا إليه، ومع جناح المعارضة الجديد ممثلا في تكتل كاحول لافان بزعامة الجنرال السابق بيني جانتس، ومعه حليف الأمس غريم اليوم الثعلب أفيجادور ليبرمان وحزبه يسرائيل بيتينو الذي كان له الدور الأكبر في إفشال مساعي نتنياهو لتشكيل الحكومة لمرتين متتاليتين، وفي حرب مع كثير من منابر الإعلام التي سعى لاستقطابها لصالحه ولصالح تجميل عائلته، ناهيك عن حربه الجديدة، التي كانت مستترة، مع قيادات معارضة له داخل حزبه هاليكود، وعلى رأس هذه القيادات جدعون ساعر.

أعلن بيني جانتس فشله في تشكيل حكومة جديدة، وأعاد التكليف إلى رئيس الدولة رؤوفين ريبلين قبل نهاية مهلة ال28 يومًا القانونية الممنوحة له، وبعدها أعلن مندلبليت تقديم لائحة الاتهام رسميا بحق نتنياهو، ما اسفر عن سخط عارم في صفوف الجمهور الإسرائيلي، فخرج المئات متظاهرين للمطالبة بإسقاط بيبي، وتنحيه عن منصبه.

فيما استمر جانتس على موقفه الداعي لتشكيل حكومة "وحدة" بمشاركة حزب هاليكود دون نتنياهو لتجنب الانتخابات الثالثة، واستمر أفيجادور ليبرمان في اتهامه لنتنياهو بأنه يدمر إسرائيل بإصراره على الالتصاق بالحريديم.
استثمر جدعون ساعر القيادي بهاليكود هذا الزخم ليخرج مطالبًا مركز الحزب بإجراء انتخابات داخلية عاجلة خلال ثلاثة أسابيع تجنبًا للسقوط الحر الذي يسببه نتنياهو للحزب والنظام السياسي بأكمله.


قوبلت دعوة ساعر بهجوم حاد من القيادات الحزبية التابعة لنتنياهو في هاليكود، فاتهمته بالسعي نحو مجد شخصي يجلب وراءه تخريب للحزب.
كيف يتجنب نتنياهو سقوطه

هذه المرة لم يفلح الإعلان الأمريكي بالاعتراف بالمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة في إحداث صخب كبير يغطي على حالة الشلل السياسي في الداخل الإسرائيلي، ورغم استمرار نتنياهو في تناول سيرة "الخطر الإيراني" كما يتناول طعامه، ورغم العملية العسكرية الأخيرة على الجهاد الإسلامي وغزة؛ فإن البادي للجميع أن الجماهير الإسرائيلية أصابتها حالة الضجر الشديدة من هذا الجمود السياسي الذي استمر لعام وقابل للزيادة، ويضاف إليه السخط العارم من تفشي الفساد في الأروقة السياسية.


لكن رغم هذا ما يزال نتنياهو مصرًا على ألا ينال مصيره إيهود أولمرط، الذي قرر الاستقالة من منصبه كرئيس للوزراء، وعندها تمت محاكمته بالسجن الفعلي.

استطاع نتنياهو، حتى الآن، أن يجذب تابعيه في هاليكود لصفه، ولو مؤقتًا، بأن وجهوا حملة شديدة ضد منافسه الطموح جدعون ساعر، واتفق بيبي مع حاييم كاتس على إجراء الانتخابات الداخلية خلال ستة أسابيع، وليس 21 يومًا، بما يعطيه فرصة لاستقراء الوضع إذا تم حل الكنيست والتوجه حينها لانتخابات ثالثة.

فيما يتعلق بكاحول لافان وبيني جانتس أصبح الانضواء في حكومة "وحدة" بين هاليكود وبين كاحول لافان في وجود نتنياهو على رأس الحكومة أولا أمرًا شبه مستحيل، وكي يحافظ نتنياهو على وضعه كرئيس حكومة تسيير أعمال ما يزال محتفظًا بورقته القوية متمثلة في تكتل أحزاب اليمين الصهيوني والحريديم، الذين أعلنوا سابقًا مرارا أنهم يؤيدون بيبي حتى لو ووجه بلوائح اتهام، وأطلقت الصحافة الإسرائيلية على تحالف نتنياهو مع الأحزاب الدينية "بلوك اليمين".

في المقابل تبرز النزعة الابتزازية لقادة الأحزاب الدينية كعادتهم في المفاوضات السياسية، فقد طلب أرييه درعي رئيس حزب شاس من نتنياهو أن يعين مزيدًا من قيادات الحزب كوزراء في الحكومة الانتقالية، باعتبار أن حزبه يأتي في المركز الثاني بعدد المقاعد بعد هاليكود داخل هذا التكتل اليميني، حيث يمتلك 9 مقاعد، ولا يحمل الحزب سوى حقيبتي الداخلية والشئون الدينية.


بلوك اليمين، وتأجيل الانتخابات الداخلية إلى أبعد موعد ممكن، مع خيار الانتخابات الثالثة، هي الحلول العاجلة لبنيامين نتنياهو كي يستمر في منصبه كرئيس حكومة تسيير أعمال، فيما يحاول التخلص من لوائح الاتهام، يضاف إلى ذلك الحملة المسعورة له ولتابعيه على النيابة العامة وجهاز القضاء الإسرائيلي، بشن حرب إعلامية على النظام القضائي بحجة أن السعي لإسقاطه بوازع شخصي بعد ضغوط إعلامية موجهة وليس بسبب فساد ارتكبه.

استثمار المنفذ القانوني

قانونيًا، ليس ثمة نص يلزم نتنياهو بتقديم استقالته بعد تقديم لائحة الاتهام ضده، أو قبل انتهاء الإجراءات القضائية، أي أنه يستطيع الاستمرار في منصبه كرئيس للحكومة، فربما تستمر إجراءات محاكمته طويلا.
حتى إذا صدر حكم قضائي بإدانته جنائيًا، في هذه الحالة يمكن إسقاطه عن منصبه بقرار يتخذه الكنيست بالأغلبية، وحتى في هذه الحالة يمكن أن يغامر نتنياهو ضامنًا أن لا أغلبية في الكنيست ستصوت لعزله.


الكلمات الدلالية تشكيل الحكومة الإسرائيلية

اضف تعليق