النظام في إيران لا يستوعب مطالب الأجيال الجديدة


٣٠ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٧:٥٣ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - بنده يوسف

أدت الاحتجاجات الأخيرة في إيران إلى توسيع الهوة بين النظام والشعب بشدة. وزاد الطين بلة قيام الحكومة الإيرانية بقطع شبكة الإنترنت؛ ما أدى إلى فقدان الثقة بين الحكومة والمتظاهرين.

قامت قوات الأمن الإيرانية -خلال الساعات الماضية- باعتقال عدد آخر من المحتجين في مدن مختلفة في إيران، وصفتهم الأجهزة الأمنية بـ"الأشرار"، و"مثيري الشغب"، و"قادة الاضطرابات ومحركيها".

وبالإضافة إلى الاعتقالات في المدن الكبيرة مثل طهران وأصفهان وشيراز، تشير تقارير الوكالات الرسمية الإيرانية إلى اعتقالات واسعة تقوم بها القوات الأمنية والسلطة القضائية في مدن إيرانية مختلفة.

وكانت موجة من الاحتجاجات قد إندلعت في كافة مدن إيران؛ بسبب إعلان الحكومة رفع أسعار البنزين ومحاصصته. وتعلن الحكومة دوافع ذلك؛ هو من أجل إعانة المعوزين؛ 24 مليون و600 ألف أسرة في إيران، 7 ملايين منها في حالة اقتصادية جيدة، و18 مليون أسرة متوسطة، أو تحت الضغط".

ارتفاع الأسعار

ورغم نفي المسئولين بعدم تأثير قرار رفع البنزين على أسعار السلع؛ تشير التقارير الرسمية في إيران إلى ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية للمواطن الإيراني، عقب إخماد الاحتجاجات، كما ترصد التقارير وجود تصاعد تدريجي لأسعار السلع في الأسواق، إثر رفع سعر البنزين.

ويفيد أحدث تقرير نشره مركز الإحصاء الإيراني أن معدل التضخم في البلاد في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، وصل إلى 41.1 في المائة.

ووفقًا لهذا الإحصاء فإن القدرة الشرائية لجميع فئات المجتمع آخذة في الانخفاض، حيث وصل معدل التضخم، خلال الأشهر الـ12 الماضية، في المجموعات الرئيسية: "الأطعمة، والمشروبات، والتبغ"، إلى أكثر من 53 في المائة للعُشر الأول من المجتمع، ووصل إلى نحو 61 في المائة للعشر العاشر.

ارتفاع أرقام القتلى

كانت منظمة العفو الدولية، أمس الجمعة 29 نوفمبر، قد أعلنت أن عدد قتلى الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة وصل إلى 161 قتيلا. بينما ذكر موقع "كلمة" المقرب لزعيم الحركة الخضراء، مير حسين موسوي، أن عدد القتلى وصل إلى 366 قتيلا، وأن هذا الرقم مؤكد وموثوق، ويعتمد على مصادر في الداخل الإيراني.

وأكد الموقع التابع للإصلاحيين، أن عدد القتلى في بعض المدن، مثل شهريار في محافظة طهران، مرتفع للغاية".

وقد أصدرت 4 أحزاب معارضة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، بيانًا مشتركًا، طالبت فيه منظمة الأمم المتحدة والجهات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان بـ"اتخاذ إجراءات فورية لمنع قتل المحتجين وتعذيب واضطهاد المعتقلين في إيران". وقد وقعت على هذا البيان أحزاب: اتحاد الجمهوريين الإيرانيين، وحزب "فدائيان خلق"، ومنظمات الجبهة الوطنية الإيرانية خارج إيران، وتضامن الجمهوريين الإيرانيين.

الحكومة والنظام ضد المتظاهرين

ويشعر المتظاهرون في إيران بخيبة أمل في الحكومة التي يرأسها رئيس معتدل محسوب على جبهة الإصلاحيين، وهو ما يزيد من انعدام الثقة تجاه المسئولين في إيران.

فقد أشاد الرئيس الإيراني، حسن روحاني، بما قام به عناصر قوات التعبئة (البسيج)، في قمع متظاهري الاحتجاجات الأخيرة. حيث قال خلالَ زيارته، الأربعاء الماضي، إلى محافظة أذربيجان الشرقية: "إن قوات الباسيج كانت في الخط الأمامي بجوار الحرس الثوري والجيش، وأحيانا قبلهما".

وفي محاولة للهروب من المسئولية، قال روحاني: "أخبرت وزارة الداخلية، ومجلس الأمن القومي، قبل شهر ونصف، برفع أسعار البنزين، وقلت لهم نفذوه في الوقت المناسب، دون الرجوع لي"، مضيفًا: "علمت بخبر تنفيذ قرار ترشيد البنزين يوم الجمعة، حيث إنني أخبرت وزير الداخلية، قبل ذلك، بتنفيذ المشروع، وقلت له لا تخبر أي شخص بموعد التنفيذ حتى أنا".

"خاتمي" يتكلم

وقد علّق الرئيس الإيراني الإصلاحي الأسبق، محمد خاتمي، على الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، ووصفها بـ"العميقة"، كما أرجعها إلى "الفقر، ومشاكل الحكم، واستغلال أطراف أجنبية".

ويعتبر الرئيس خاتمي من الشخصيات الإصلاحية المغضوب عليها من قبل النظام بسبب مواقفه الرافضة لسياسة التشدد. ومع ذلك يرفض خاتمي فكرة الإطاحة بالنظام الحاكم، حيث قال: "هناك بعض الواهمین بإسقاط النظام الذین يشوهون سمعة الإصلاح والإصلاحيين السلميين، بنفس القدر الذي یشوهون فیه سمعة الجمهورية الإسلامية؛ وهذا يجعل من السهل علينا التمييز بين الأطراف المختلفة، على الرغم من أن هناك تأکیدًا دائمًا علی الفصل بينها".

لا حل لدى النظام إلا القوة

وفي تعبير عن عدم استيعاب النظام لمطالب الأجيال الجديدة من الشباب، سيما أن هذه الأجيال لم تعايش مخاطر الثورة وويلات الحرب؛ وبالتالي هي تتطلع للمستقبل وليس لتكرار الحديث عن الماضي؛ وهو ما يفسر عدم استماع الأجيال الجديدة لأدبيات وخطابات النظام الذي مازال يكرر لحظات معاناته. أصدر المفكر الإيراني هاشم أقاجري، بیانًا، انتقد فيه بشدة المرشد الإيراني، علي خامنئي، والحرس الثوري، والحكومة، والبرلمان، قائلا: "إن مرشد نظام ولایة الفقیه أظهر أنه لا یفکر إلا في استخدام القوة، لحل الأزمات".

وحسب شبكة إيران إنترنشنال، رفض أقاجري وصف المحتجين بـ"الأشرار"، قائلاً: "هل الأشرار والمشاغبون في إيران کثیرون، لدرجة أن الحکومة اضطرت لمحاربتهم بكل قواتها القمعية، وأقامت في كثير من المناطق نظامًا عسکریًا غير معلن؟".

وجاء في البيان أيضًا: "هل مثيرو الشغب والغوغاء أقوياء بما يكفي لتعبئة الملايين في 150 مدينة صغيرة وكبيرة، من الجنوب إلى الشمال، ومن الشرق إلى الغرب، ونشرهم في الشوارع؟".

وفي إشارة إلى تاريخ رد فعل النظام على حركات الاحتجاج في إيران، قال: "إن حركات الاحتجاج، خاصة بعد الحرب العراقية الإيرانية، کانت قد بدأت ردًا علی السياسات النيوليبرالية والرأسمالية الناهبة، وفرض نسبة 60 في المائة من التضخم، وتضرر المستضعفین (المعروفین الآن باسم الفئات الضعيفة) والمحرومین الذين خرجوا للتو من الضغوط الهائلة للحرب العراقية الإيرانية. ولسوء الحظ، واجه المحرومون والمحتجون الرصاص والقتل في عدة مدن بما فيها إسلام شهر، ومشهد، وأصفهان، و ... ".

وكتب أقاجري أيضًا: "إن حجم ومدى وشدة العنف هذه الأيام في جميع أنحاء وطننا المضطرب، إيران، ضد المحتجين ومطالبهم المعيشية، التي هي شرط أساسي لحياة إنسانية كريمة، غريبة حقًا".

وقال: "المراجع الدينية في قم وغيرها من الحوزات الدينية، ألم تعرف، ولم تقرأ، ولم تقل: إن إمام العدل قد قال إن اللَّهُ أخذ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَلَا سَغَبِ مَظْلُومٍ وأن ینبروا للدفاع عن المظلومین؟ إن التزام الصمت حیال الاضطهاد الذي یتعرض له المضطهدون في هذه البلاد، لا یمت بأي صلة للإمام علي، وأتباع نهج هذا الإمام".

إلى ذلك، انتقد أقاجري الحرس الثوري، وكتب: "الحرس الثوري الذي تكون من الشعب والمضطهدين في بداية الثورة.. کیف أصبح الآن قوة لقمع المطالبین بالحرية والعدالة".

كما وجه أقاجري سهام نقده إلى البرلمان والحكومة، قائلاً: "إن موقف ما يسمى الهيئة التشريعية والسلطة التنفيذية أكثر مأساوية".

وكتب أقاجري: "لقد قام نظام ولایة الفقیه في إيران، بحرق كثير من فرص الإصلاح والتحديث وخسارتها، وضمان بقائه على مدار الـ22 عامًا الماضية، وهو يتحرك الآن، بإيقاع أسرع، في طریق یقلل بشکل متزاید من فرص بقائه، ویجعل آفاق مستقبله أکثر قتامة".

كما انتقد أقاجري المرشد الإيراني، آية الله علي خامنئي، قائلاً: "لقد أظهرت قيادته، حتى الآن، أنه لا یفكر إلا في القوة عند البحث عن حلول للأزمات الأساسية الداخلية والخارجية، وما يفعله في واقع الأمر هو تأجيل الأزمات وتجميعها".