طالبان أفغانستان في ملعب إيران


٣٠ نوفمبر ٢٠١٩

رؤية - بنده يوسف

أعلنت حركة طالبان عن نفسها عام 1994، خلال ذروة الحرب الأهلية في أفغانستان. وفي عام 1996، استولت طالبان على كابول عاصمة أفغانستان. وقد انهزمت طالبان بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001، ولكنها عادت وأعلنت عن نفسها مجددًا عام 2006.

وفي السنوات الأخيرة، كانت طالبان في نزاع دائم مع الحكومة المركزية، كما أن الخطط التي وضعت من أجل السلام حتى الآن لم تكن ناجحة.

وهناك جهود دولية مكثفة في الفترة الأخيرة تهدف إلى التمهيد من أجل إجراء محادثات مباشرة بين الحكومة الأفغانية وطالبان، لكن طالبان لم تكن راغبة في المشاركة في هذا الحوار.

واختلفت إيران مع طالبان في أغلب فترة حكم الحركة لأفغانستان خلال الفترة بين عامي 1996 و2001. وحشدت طهران قوات على الحدود في عام 1998 بعد مقتل 11 من دبلوماسييها هناك.

وسلحت إيران بعد ذلك فصائل ساعدت قوات بقيادة الولايات المتحدة في الإطاحة بحركة طالبان بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

وتتابع طهران بدقة تطورات المفاوضات بين "طالبان" وواشنطن، على نحو بدا جلياً في إعلان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، في 27 نوفمبر الجاري، عن عقد لقاء مع قادة الحركة هو الثاني من نوعه خلال العام الجاري، بهدف دفع المفاوضات فيما بينهما والتوصل– وفقاً للرؤية الإيرانية- إلى تأسيس حكومة مشتركة تشارك فيها مختلف القوى السياسية "المؤثرة"، وتنهي التواجد الأجنبي في البلاد في إشارة إلى الوجود العسكرى الأمريكي، بالإضافة إلى محاولة تطويق تنامي حضور "داعش" في المشهد الأفغاني.

وحسب تقرير مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، فبالنسبة للولايات المتحدة، فإنها تعتبر أن الخطوة الإيرانية قد تربك مباحثات الدوحة، بل إن تقارير أمريكية تشير إلى أن الأخيرة ذاتها تُسهِّل حركة قادة "طالبان" بين المكتب السياسي في الدوحة وطهران.

وتكشف تلك التقارير أيضاً أن إيران لا تزال تدعم الحركة بالأسلحة، الأمر الذي يُعقِّد الموقف ميدانياً، وهو ما تحاول الحركة باستمرار نفيه، بل إن طهران ترد على ذلك باتهامات مماثلة إلى واشنطن.

ويعتقد أن كلا الطرفين -"طالبان" وطهران- يوظفان تلك المباحثات لصالح أجندتهما الخاصة، فالحركة تدرك أن ورقة طهران يمكن توظيفها في المباحثات للضغط على واشنطن، والعكس من جانب طهران التي ترى أن عليها أن تمارس دوراً في صياغة المستقبل السياسي في أفغانستان المجاورة، بالإضافة إلى الضغط على واشنطن في ضوء التوترات القائمة بينهما.

طهران تتواصل مع طالبان

كان السفير الإيراني لدى أفغانستان، محمد رضا بهرامي، قد أعلن عن وجود اتصالات بين الحكومة الإيرانية وجماعة طالبان، قد بدأت أول مرة، يوم 22 مایو/ أيار 2018.

وفي يناير العام الجاري 2019، انتقدت الحكومة الأفغانية سلوك إيران وتواصلها مع جماعة طالبان بعيدا عن الحكومة المركزية في كابول، وقال: "إن المسؤولين الإيرانيين يتصرفون كمتحدثين باسم حركة طالبان". وقد جاء رد الفعل الحاد هذا من الرئاسة الأفغانية، ردًا على تصريحات أدلى بها وزير الخارجية الإيراني، قال فيها آنذاك: "إن طالبان سوف تلعب دورًا في مستقبل أفغانستان، لكن الاتفاق الجماعي للمنطقة هو أن هذا الدور يجب أن لا يكون في قيادة الحكومة الأفغانية".

وتأتي التصريحات الأفغانية يناير الماضي، بعدما قام كان نائب وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بزيارة إلى أفغانستان، والتقی فی کابول بالرئيس الأفغاني، أشرف غني. بعد أن كان قد التقی، قبلها بأيام، في طهران، وفدًا من جماعة طالبان، بهدف دفع عملية السلام في أفغانستان، کما أعلن.

ولإيران ذات الأغلبية الشيعية روابط وثيقة منذ فترة بعيدة مع جماعات شيعية في جارتها أفغانستان، حيث قاتلت فصائلها مقاتلي حركة طالبان السنية.

واتهمت الحكومة الأفغانية العام الماضي طهران بتزويد طالبان بالمال والسلاح والمتفجرات وهو ما تنفيه الجمهورية الإسلامية. وتقول الولايات المتحدة: إن إيران تحاول توسيع نفوذها في غرب أفغانستان.

واتهمت واشنطن طهران في أكتوبر/ تشرين الأول بتوفير تدريب عسكري وتمويل وأسلحة لطالبان.

الدخول على خط المحادثات

في سبتمبر العام الجاري، انهارت المحادثات الأمريكية مع حركة طالبان وتجدد القتال. وسعى الجانبان إلى التوصل لاتفاق حول انسحاب آلاف الجنود الأمريكيين من أفغانستان في مقابل ضمانات أمنية من طالبان.

وردت طالبان على القرار قائلة: إن قرار الرئيس ترامب إلغاء محادثات السلام مع قادتها سيؤدي إلى إزهاق أرواح مزيد من الأمريكيين وخسارة مزيد من الأصول الأمريكية.

وكان من المقرر أن يزور وفد من حركة طالبان، الولايات المتحدة لتوقيع اتفاق للسلام في منتجع كامب ديفيد، لكن الحادث تسبب في إيقاف المحادثات.

وبعد توقف المحادثات الأمريكية مع طالبان، أعلنت طهران أنها عقدت محادثات مع حركة طالبان الأفغانية، وذلك بعد أسبوع من انهيار محادثات السلام في أفغانستان.

وكشفت صحيفة "الجريدة" الكويتية، أن وزير الخارجية الإيراني، أبلغ قطر المستضيفة لمحادثات السلام بين الحكومة الأفغانية وطالبان، أن طهران مستعدة أيضا للمشاركة في أي مسعى لحل الأزمة الأفغانية.

ثم بعد دخول طهران على خط التواصل مع طالبان، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن الولايات المتحدة استأنفت محادثاتها مع حركة طالبان، وذلك خلال زيارته للقوات الأمريكية في أفغانستان، الخميس. الماضي 18 نوفمبر 2019م. وتعد هذه هي الزيارة الأولى لترامب إلى بلد تخوض فيها الولايات المتحدة حربًا منذ 18 عاما.

وتأتي تصريحات ترامب أيضًا، بعد أن ساعدت قطر الولايات المتحدة على إطلاق سراح رهينتين كانا محتجزين لدى حركة "طالبان" منذ 2016.

وقالت حركة طالبان الأفغانية، أمس الجمعة، إنها مستعدة لاستئناف محادثات السلام مع الولايات المتحدة، وذلك بعد يوم من زيارة ترامب غير المعلنة.

وحسب رويترز، قال مسؤولون من طالبان: إن الحركة تعقد اجتماعات مع مسؤولين أمريكيين كبار في الدوحة منذ مطلع الأسبوع، وأضافوا إن من الممكن استئناف محادثات السلام الرسمية قريبا.

زيارة طالبان

وكان وفد من حركة طالبان برئاسة ملا عبدالغني برادر، قد زار طهران بعد انهيار المحادثات مع واشنطن. وبحث الوفد مع وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف آخر مستجدات الساحة الأفغانية، ضمن جهود إيران المستمرة لإحلال السلام في أفغانستان.

وأكد ظريف استعداد إيران للمساعدة في تشكيل وتعزيز الحوار السياسي بين الأطراف الأفغانية بمشاركة الحكومة الأفغانية وجميع القوى السياسية الفاعلة في البلد لتشكيل حكومة يشارك فيها الجميع.

وشدد ظريف على استعداد بلاده لتوسيع التعاون الاقتصادي والثقافي مع أفغانستان حكومة وشعبا، على أساس المصالح المشتركة بين البلدين الجارين.

وتعد هذه الزيارة الثانية لوفد طالبان إلى إيران بعد أن أوقفت الولايات المتحدة محادثات السلام مع الحركة في 8 أيلول/ سبتمبر الماضي، إذ زار الوفد موسكو في 14 سبتمبر، وطهران في 17 من الشهر ذاته بعد توقف محادثات السلام.

وكشفت صحيفة "الجريدة" الكويتية، أن الاجتماع حضره من الجانب الإيراني وزير الخارجية جواد ظريف، وقائد فيلق القدس بالحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني، والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي، الأدميرال علي شمخاني، في حين حضره من جانب طالبان شقيق رئيس المكتب السياسي للحركة الملا عبد الغني.

ونقلت الصحيفة الكويتية عن مصدر في الخارجية الإيرانية، قوله: إن "المحادثات تطرقت إلى توطيد العلاقات بينهما، ومشاركة طهران في مفاوضات السلام الأفغانية".

 وتابع المصدر قائلا: "ظريف أبلغ الوفد الأفغاني، أن إيران تتجنب أية لقاءات مع الأمريكيين، لكن المرشد الأعلى علي خامنئي، أعطى ضوءا أخضر للحكومة في حالتين فقط للجلوس حول طاولة واحدة مع الأمريكيين".

والواضح، أن طهران تحاول المشاركة في صياغة مستقبل أفغانستان، في ظل احتمالات مشاركة طالبان في السلطة، إن قبلت بفكرة تداول السلطة. وأفغانستان بلد مجاور لإيران، وبوابة مهمة نحو دول أسيا الوسطى والصين، وهو ما يعزز أهمية هذا البلد بالنسبة للولايات المتحدة. وطهران تحاول الاستثمار في ذلك.


اضف تعليق