"تبادل السفراء" يطوي صفحة القطيعة بين واشنطن والخرطوم


٠٥ ديسمبر ٢٠١٩

رؤية – محمد عبدالله

يبدو أن التوفيق كان حليف الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك إلى واشنطن، ليجد آذانا صاغية تلقى على إثرها إشادة بجهوده "لوقف سياسات وممارسات النظام السابق".

ويعتبر حمدوك، وهو دبلوماسي ومسؤول سابق في الأمم المتحدة وتلقى تعليمه في بريطانيا، أول زعيم سوداني يزور واشنطن منذ عام 1985. إلا أنه لم يلتق ببومبيو أو الرئيس دونالد ترامب نظراً لتواجدهما خارج البلاد.

عودة السفراء.. مكسب دبلوماسي


مكسب دبلوماسي إذن حققته زيارة حمدوك إلى واشنطن من شأنه أن يعيد الدفء للعلاقات الأمريكية السودانية ويطوي صفحة القطيعة، بعدما أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن بلاده ستعيد العلاقات مع السودان على مستوى تبادل السفراء بعد انقطاع دام 23 عامًا واصفًا إياها بـ"الخطوة التاريخية".

بيان الخارجية الأمريكية أكد دعم واشنطن الصريح لرئيس الوزراء السوداني وبرامجه السياسية. كما أثنت على جهود حمدوك الساعية للسلام مع المجموعات المسلحة في أنحاء السودان المختلفة وما تجريه حكومته من تحقيقات في العنف الذي مورس على الثوار.

بدوره، أكد مارك جرين المدير العام لوكالة المعونة الأمريكية استعداد الوكالة لعودة التعاون مع السودان وتوسيعه ودعم الوكالة للحكومة الانتقالية فنيا فى المجالات كافة.

صخرة العقوبات وقائمة الإرهاب

أبرز ما يسعى إليه حمدوك في واشنطن هو رفع صخرة العقوبات الأمريكية الجاثمة على صدر بلاده، ورفع اسم الخرطوم من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب التي وضعتها الولايات المتحدة عام 1993 من القرن الماضي ويرى بأنه يعيق الاستثمار الأجنبي بالبلاد.

حمدوك حذر من أن السودان على وشك الانهيار إذا استمر على القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب. وانهيار السودان فيما يرى حمدوك يشكّل بيئة لنمو الإرهاب والتطرف وقد يكون ملاذا مفضلا لتنظيمي القاعدة وداعش إلى جانب احتمال وجود نسخة سودانية وتلك مخاوف ربما تكون قائمة في التفكير الأمريكي أو هكذا ظنها رئيس الوزراء السوداني.

وطالما اشتكى مسؤولون سودانيون، بمن فيهم أولئك الذين كانوا في حكومة الرئيس السابق عمر البشير، مراراً من أن ذلك يعطّل النمو الاقتصادي عبر ثني المستثمرين الأجانب عن الدخول إلى السوق السودانية.

الدور الإقليمي الجديد


يؤكد مراقبون أن هذه المساعي ستنجح لما يبدو من تناغم كبير في الرؤى بين السودان الجديد والولايات المتحدة. فواشنطن والخرطوم تتفقان على إقامة حكومة مدنية وانتخابات ديمقراطية في السودان تطوي صفحة النظام العسكري وتعمل على تسوية جميع الخلافات الداخلية مع المجموعات المسلحة أو غيرها.

عدة مصادر أمريكية ذكرت بحسب وسائل إعلام أن المحادثات تجاوزت إطارها الثنائي إلى مناقشة قضايا أكبر وأشمل مثل سد النهضة الإثيوبي والنفوذ الصيني المتصاعد في أفريقيا، ما يعني أن السودان سيناط به لعب عدة أدوار إقليمية ما يعد اعترافا بمكانته الأفريقية.

شروط واشنطن

لكن التجربة السودانية مع أمريكا تؤكد أن ذات الأبواب التي يطرقها حمدوك قد سبقه إليها آخرون دون أن تتحقق النتائج المرجوة. فقد جلس وزيرالخارجية الأسبق إبراهيم غندور إلى الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في أديس أبابا عام 2015 وأشارت أمريكا في وجهه شروط السير في مسارات خمسة لتحقيق تقدم في العلاقات .

كانت شروط واشنطن وقتها تركز على ملف التعاون في الإرهاب وتبني خطوات إيجابية في العلاقات مع دولة جنوب السودان وفتح مسارات الإغاثة الإنسانية في أطراف السودان المتأثرة بالحرب فضلا عن التقدم في ملف الحريات وحقوق الإنسان وقد انتهى ذلك إلى رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان.

لكنه – أي السودان - وجد نفسه يسارع نفسه ويركض وراء هدف أمريكي في مضمار متحرك للأبعد فكلما ظن أنه اقترب من الهدف رفعت واشنطن سقف المطالب!

زيارة حمدوك بين الحذر والتفاؤل

السياق الجديد للمسؤول السوداني الذي يزور الولايات المتحدة هو رئيس للوزراء جاء محمولا على كاهل ثورة شعبية أطاحت بالنظام السابق الذي أسست في عهده أمريكا علاقتها العدائية بالسودان.

ويأمل كثيرون أن تتفهم واشنطن السياق الجديد في سودان غربت فيه شمس الإسلام السياسي ويقوم عليه رجال ونساء تعرفهم أمريكا وعلى اتساق كبير مع حلفائها الإقليميين. لكن ثمة من يرى أن أمريكا في لحظة أول عهدها بانتصار الثورة السودانية حين أعلنت أنها ستراقب الأوضاع لـ 6 أشهر تليها 6 أخرى إلى أن تطمئن إلى المسار الذي ستسلكه مع السودان وأنها ستضع أسئلتها القديمة ذاتها على حمدوك نظرا لأوضاع سودانية يعلو فيها الصراع السياسي والأيديولوجي.

غير أن آخرين يرون أن حل أزمات البلاد داخلها ولن يجدي البحث عنه في الخارج، فالخارج يقبل حينما تقبل النخبة بالداخل على تأسيس مشروع وطني متفق عليه في ظل استقرار سياسي يقود بالضروة إلى الاقتصاد الاقتصادي ربما يعززه نتائج زيارة حمدوك وتنقله إلى أفق الواقعية.
 


اضف تعليق