تحت وطأة العقوبات.. إيران تكشف عن موازنة "مقاومة" بمصير مجهول


٠٨ ديسمبر ٢٠١٩

كتبت – ولاء عدلان

"هذه موازنة لمقاومة العقوبات، مع أقل اعتماد ممكن على النفط"، بهذه الكلمات قدم الرئيس الإيراني حسن روحاني مسودة موازنة الحكومة، اليوم الأحد، لأعضاء البرلمان، المقدرة بنحو 39 مليار دولار.

قال روحاني -في كلمة بثها التلفزيون الرسمي صباحا- في العام المقبل، على غرار العام الحالي، فإن ميزانيتنا معدة للمقاومة والمثابرة ضد  العقوبات، عبر الحد من الاعتماد على صادرات النفط، التي تستهدفها واشنطن، إن هذه الموازنة ترسل رسالة إلى العالم مفادها أنه على الرغم من العقوبات، فإننا سنواصل إدارة البلاد إلى الأمام.

وأوضح أن الحكومة الإيرانية ستستفيد أيضًا من قرض بقيمة 5 مليارات دولار من روسيا، لا يزال قيد الإعداد، وذلك دون تقديم مزيد من التفاصيل عن القرض.

تطرق روحاني إلى عدد قليل من أبواب مسودة الموازنة، وقال: نعلم أنه في ظل حالة العقوبات والضغط الأمريكي، يعاني الناس من صعوبات كثيرة، ونعلم أن القوة الشرائية للناس قد انخفضت صادراتنا وارداتنا، وكذلك العملات الأجنبية تراجعت وتواجه الكثير من المشاكل، نعلم جميعًا أننا نواجه مشكلات في تصدير النفط، ولكن في الوقت نفسه نسعى إلى تقليل صعوبة معيشة الناس.

وأضاف: كل جهودنا موجهة نحو تقليل هذه المصاعب إلى حد ما بحيث يمكن أن تكون أكثر تحملاً، وعلى الرغم من العقوبات الأمريكية، فإن الحكومة ترى أن الاقتصاد الإيراني غير النفطي "سيكون إيجابيا" هذا العام.

وزعم -في ختام كلمته- أن إجراءات الولايات المتحدة لإضعاف بلاده، سيكون مصيرها الفشل.

كانت الولايات المتحدة انسحبت العام الماضي من الاتفاق النووي الموقع بين طهران ومجموعة "5 1" عام 2015، وعاودت فرض العقوبات الاقتصادية على طهران، وفي مطلع العام استهدفت صناعة النفط الإيرانية بحزمة جديدة من العقوبات بهدف "تصفير" صادراتها للعالم الخارجي، في محاولة لممارسة أقصى ضغط ممكن على نظام الملالي من خلال الشريان الرئيسي للاقتصاد، وبالفعل هوت صادرات إيران من الخام منذ بداية العام بأكثر من 80%، في ضربة موجعة للاقتصاد.

الاقتصاد وعصا العقوبات
مطلع الشهر الجاري قال النائب الأول لرئيس الجمهورية إسحق جهانجيري: إن الوضع الحالي في البلاد هو أحد أصعب الأوضاع منذ 40 عاما، نتيجة تركيز الأمريكيين وزيادة الضغوط على الحياة المعيشية للإيرانيين، في إشارة إلى العقوبات الأمريكية على طهران.

وعلى الرغم من استمرار زعم القيادة الإيرانية بأن لديها طرق بديلة لبيع النفط، وتجنب العقوبات -وهي محقة في جزء من الأمر إذ عمدت طهران إلى الالتفاف على العقوبات عبر تهريب النفط أو بيعه بشكل غير رسمي إلى دول مثل الصين- إلا أن اقتصاد البلاد بدأ يعاني خلال الأشهر الأخيرة بشكل غير مسبوق، وبات يهدد وجود نظام الملالي نفسه.

الشهر الماضي شهدت شوارع طهران وعدد من المحافظات الإيرانية تظاهرات حاشدة صنفت بأنها الأكثر دموية منذ ثورة الخميني، وراح ضحيتها أكثر من 200 شخص، احتجاجا على زيادة أسعار الوقود ثلاثة أضعاف وتردي الأوضاع المعيشية، في ظل معدلات تضخم قدرت بنحو 40%، ومعدلات بطالة تتجاوز الـ25% بين الشباب، هذه التظاهرات شهدت للمرة الأولى رفع شعارات منددة بحكم الملالي.

صندوق النقد الدولي رفع تقديراته أخيرا، لانكماش الاقتصاد الإيراني هذا العام من 6% إلى 9.5%، مقابل انكماش بـ4.8% سجله بنهاية 2018، واعتبرت أن البلاد تختبر ضائقة اقتصادية حادة جدا.

البنك الدولي توقع انكماشا للاقتصاد الإيراني بنحو 8.7% بنهاية 2019، وأن يكون بنهاية 2020 عند 90% من حجمه قبل عامين فقط، كما توقع أن يبقى التضخم فوق مستوى 20% خلال العامين القادمين، وأن يتسع عجز الميزانية -الذي بلغ 5.4% في 2018/ 2019- خلال الأعوام المقبلة ليصل إلى 6% في 2021/ 2022 مع زيادة الحكومة الإنفاق على إجراءات للحماية الاجتماعية بينما تحصل على إيرادات نفطية أقل.

موازنة موسعة بمصير مجهول
تبدأ السنة المالية الإيرانية التالية في 20 مارس المقبل، مع حلول العام الفارسي الجديد، والموازنة الجديد تأتي بزيادة تتراوح ما بين 10% و 20٪ عن عام 2019، وسط وعود بزيادة بنسبة 15٪ في أجور القطاع العام وبحزمة من الدعم الاجتماعي خشية أي حراك شعبي مستقبلي، تشمل دعم السلع الأساسية والأدوية على أساس سعر صرف عند 42 ألف ريال للدولار، مقارنة بسعر السوق الحرة الذي يبلغ نحو 125 ألف ريال، مما يعني توفير هذه السلع بأسعار أقل للمستهلك الإيراني.

وتشمل مسودة الموازنة أيضا بيع أصول استثمارية بـ98.80 تريليون ريال، وأصول مالية بـ1240 تريليون ريال، وبرنامج لطرح صكوك إسلامية بـ800 تريليون ريال، فيما تتوقع عوائد ضريبية وجمركية بـ1950 تريليون ريال.

بحسب تقارير محلية المسودة المعروضة على البرلمان تعتمد على مبيعات للنفط تتراوح بين 500 ألف ومليون برميل يوميا وبعائدات تصل إلى 980 تريليون ريال، وبذلك تعد الأقل اعتمادا على النفط على مدار التاريخ الاقتصادي للبلاد، وكانت تقديرات سابقة لـ"رويترز" أوضحت تراجع صادرات إيران من النفط هذا العام مما يزيد عن 2.5 مليون برميل يوميا إلى نحو 400 ألف برميل يوميا أو أقل.

لكن في ظل معدلات تضخم تتراوح بين 40% و50%، ووصلت هذا العام إلى أكثر من 63% بالنسبة للأغذية والوقود، ومعدلات بطالة بنحو 25%، ومع استمرار سياسة العقوبات الأمريكية "القصوى" وعدم وجود أي بوادر لإنفراج هذه الأزمة، بفعل استمرار التدخل الإيراني في دول الجوار المزعزع لاستقرار المنطقة، من المرجح أن يواجه الإيرانيون المزيد من الصعوبات في عام 2020، لا سيما وأن الحكومة ستواصل هيمنتها على قطاع التوظيف والاستثمار، ما يعني أن السوق الإيرانية على موعد مع فقد مزيد من الوظائف، نظرا لحتمية تخفيض الاستثمار الحكومي لمواجهة عجز الموازنة واحتواء أثر العقوبات.



 

الكلمات الدلالية أزمة الاقتصاد الإيراني

اضف تعليق