في ظل العقوبات وانخفاض القوة الشرائية .. ميزانية إيران وُلدت ميتة


١٤ ديسمبر ٢٠١٩

رؤية

بعد قرار رفع أسعار البنزين في إيران، وما أعقبه من حركة احتجاجية في إيران؛ جراء عواقب هذا القرار على أسعار السلع والنقل والارتفاع الحتمي في ظل ارتفاع مستوى التضخم وانخفاض القوة الشرائية. قدم الرئيس الإيراني حسن روحاني، يوم الأحد 8 ديسمبر 2019، إلى البرلمان، مشروع موازنة العام الإيراني القادم (21 مارس)، بقيمة تتجاوز 134 مليار دولار. ووصف هذه الموازنة بأنها "ستكون موازنة الصمود ومواجهة العقوبات المفروضة"، حيث أنها تعد، وفقا للسلطات، الأقل اعتمادا على إيرادات النفط.

وأعلن روحاني عن زيادة بنسبة 15 بالمئة لرواتب موظفي القطاع العام في البلد الذي يرزح اقتصاده تحت وطأة العقوبات الأمريكية.

وقال روحاني إن إيران تأمل في إكمال قرض بقيمة خمسة مليارات دولار، والذي طلبته من روسيا من أجل مشروعات تنموية، خلال سنة الميزانية.

من جانبه، توقع صندوق النقد الدولي بأن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 9,5% هذا العام. وبحسب البيانات الرسمية، فإن حجم موازنة العام القادم سيبلغ ما يعادل 134.2 مليار دولار. وتشمل الميزانية بيع أصول استثمارية بـ98.80 تريليون ريال وأصول مالية بـ1240 تريليون ريال، فيما تتوقع عوائد ضريبية وجمركية بـ1950 تريليون ريال.

وبحسب المشروع فان الحكومة ستطرح صكوكا إسلامية بـ800 تريليون ريال، فيما يبلغ حجم المبيعات المتوقع للنفط 980 تريليون ريال.

ولم يذكر المسؤولون أرقاما لسعر النفط وكميات التصدير المستخدمة في الحسابات، رغم أن صندوق النقد الدولي ذكر أن إيران ستحتاج لأن تبلغ أسعار النفط ثلاثة أمثال مستوياتها الحالية لتحقيق التوازن في ميزانيتها في ظل تراجع صادراتها من الخام.

وحسب تقرير رويترز، الميزانية الجديدة أكبر بعشرة في المئة من ميزانية السنة المالية الجارية بالعملة المحلية رغم أن قيمتها بالدولار أقل بفعل التضخم السنوي الذي يبلغ نحو 35%.

وتتوقع الميزانية هبوط إيرادات النفط والغاز والمكثفات بنسبة 40% مما يترك ثغرة تعتزم سدها باستخدام سندات حكومية وبيع لأملاك الدولة.

وقال محللون: إن إيران ربما اضطرت لبيع الخام بخصم عن المستويات الطبيعية مع سعيها لجذب المشترين القلقين من مخالفة العقوبات الأمريكية.

ويقول الخبير الاقتصادي الإيراني، فريدون خاوند، إن مشروع الميزانية الجديد، اختصر بصورة واضحة وشفافة الصعوبات الكبرى التي تتحدى الاقتصاد الإيراني والتي يمكن الجزم بأنها الأصعب منذ نهاية الحرب مع العراق؛ حيث انهيار النمو الاقتصادي، والتضخم المفرط، وتعطيل التجارة الخارجية، والتراجع الملموس للقوة الشرائية للشعب.

الميزانية قسمان

ويفسر فريدون في تقريره على شبكة إيران انترنشنال، أن الميزانية العامة في إيران تتكون من قسمين:

الأول: هو ميزانية الحكومة العامة (الوزارات والهيئات الحكومية).

والثاني هو ميزانية الشركات والبنوك الحكومية والمؤسسات غير الربحية التي تديرها الحكومة.


في مشروع الموازنة التي قدمها روحاني إلى البرلمان يوم الأحد 8 ديسمبر (كانون الأول)، تم تخصيص نحو 72 في المائة من إجمالي إيرادات الميزانية في البلاد التي تقدر بـ1988 ألف مليار تومان، أي ما يعادل 1425 ألف مليار تومان، للشركات والبنوك الحكومية والمؤسسات الربحية التابعة للحكومة. ومن أصل 563 تريليون تومان المتبقية من الميزانية العامة، فإن 79 تريليون تومان منه هو من الدخل الخاص بالمؤسسات الحكومیة والذي تديره هي بنفسها. لذا فإن ما تبقى أي 484 ألف مليار تومان، هو المبلغ الفعلي لميزانية الجمهورية الإسلامية في العام المقبل.

غموض عائدات النفط والضرائب

ويستطرد الخبير الإيراني في تقريره، بأن عائدات النفط والضرائب المتوقعة، وهما المصدران الرئيسیان للتمويل العام في البلاد، تواجه غموضًا کبیرًا.

الغموض الأول: تخمين مبلغ 48 ألف مليار تومان في مشروع ميزانية العام المقبل لإيرادات النفط، وهو نتيجة خدعة سحرية من أجل تحقيق هدفين رئيسيين.

الهدف الأول هو التظاهر بأن الحكومة قد خفضت توقعاتها لعائدات النفط، وأن تأمين هذا المبلغ من الإيرادات ممكن تحت ظروف "العقوبات القصوى". بهذه الحركة يأمل معدو الميزانية الابتعاد عن انتقاد المنافسين عن طريق خفض رقم الإيرادات المتوقعة من عائدات النفط إلى أقل مما هو متوقع بالفعل.

الهدف الثاني من حركة السحر هذه هو تقليل أهمية حصة النفط في ميزانية الدولة، لإثبات أن إيران على درب "الصمود"، وقللت من اعتمادها على النفط وليست بعيدة عن "اقتصاد من دون نفط".


لكن الحقيقة أمر آخر، والخبراء داخل البلاد تمكنوا خلال ساعات قليلة من معرفة الرقم الحقيقي لإيرادات بيع النفط المتوقعة من قبل الحكومة في العام المقبل؛ صحيفة "دنياي اقتصاد" نشرت في عدد يوم الإثنين 9 ديسمبر (كانون الأول) تقريرًا عن الميزانية تحت عنوان "لغز النفط"، تناولت فيه مشروع الميزانية ونوهت إلى أن الرقم الحقيقي لإيرادات بيع النفط المتوقعة من قبل الحكومة ليست 48 ألف مليار تومان بل 78 ألف مليار تومان.. الحركة السحرية الخفيفة هذه تمت عن طريق استبدال مصادر الإيرادات والتلاعب بالمصطلحات في نص الميزانية، حيث ذكرت هذه الصحيفة أن "السبب الذي أدى إلى انخفاض تركيز النفط في الميزانية على ما يبدو هو تقسيم عائدات النفط إلى قسمين، وهما الأصول الرأسمالية والأصول المالية".

وأضافت صحيفة "دنياي اقتصاد": "للحصول على 78 ألف مليار تومان من عائدات صادرات النفط، يتعين على إيران تصدير مليون برميل من النفط (بفرض سعر البرميل 50 دولارًا). وفي الوقت الحالي فإن أفضل التقديرات لحجم صادرات النفط الإيرانية هي 500 ألف برميل يوميًا، فيما يقدر بعض الخبراء الدوليين الحجم الواقعي للصادرات النفطية بنحو 200 ألف برميل يوميًا".

وهنا يظهر لغز آخر لم تتطرق إليه صحيفة "دنياي اقتصاد"؛ فإذا افترضنا جدلاً أن إيران تصدر مليون برميل من النفط يوميًا، فكيف سيدفع زبائن إيران ثمن هذه الصادرات؟ بالدولار أم اليورو أم بقية العملات القوية الأخرى؟ أم عملة بلد الزبون مثل اليوان الصيني؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف سيتم توظيفها كإیرادات بالعملات الأجنبية في خزانة الجمهورية الإسلامية؟

الغموض الثاني: هو عدم حتمية تحصيل 195 ألف مليار تومان من الضرائب والجمارك أيضًا. فلا يمكن تجاهل أن الاقتصاد الإيراني في حالة ركود شديد، وهناك احتمال كبير لنمو سلبي بنحو 10 في المائة خلال العام الإيراني الحالي (أي حتى 21 مارس/ آذار 2020). لقد انخفضت القوة الشرائية للإيرانيين بشدة، وتراجع قسم كبير من الطبقة الوسطى في البلاد إلى ما دون خط الفقر. من ناحية أخرى يعمل عدد قليل من المنشآت الإنتاجية في إيران بطاقة إنتاجية أقل من 50%، فيما أغلقت عدة منشآت أخرى. كما أثرت العقوبات الخارجية والركود المحلي الشديد سلبًا على التجارة الخارجية في إيران، وأهم مؤشرات هذا التأثير انخفاض حجم الصادرات والواردات في البلاد خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري بالمقارنة مع فترات مشابهة من العام الماضي.

ضمن هذه الظروف هل يمكن أن تسجل الإيرادات الضريبية والجمركية زيادة بنسبة 11% عن السنة الحالية؟

بالإضافة إلی الإيرادات المتوقعة من الصادرات النفطية (78 ألف مليار تومان) والضرائب والجمارك (195 ألف مليون تومان)، والتي یثیر تحققها أسئلة كثيرة، فإن إيران تحتاج لموازنة ميزانيتها العامة -البالغة 484 ألف مليار تومان- إلى تأمين 211 ألف مليار تومان من مصادر أخرى، بما في ذلك بيع الممتلكات الحكومية وإصدار الأوراق المالية وحتى الاقتراض من الخارج.

أشار الرئيس روحاني ضمن تصريحاته أثناء تقديم ميزانية الدولة العامة، إلى وجود "استثمارات روسية في إيران بمقدار 5 مليارات دولار"، مضيفًا أنه تم الانتهاء من ملياري دولار سابقًا وسيتم تحقیق الباقي في العام المقبل.

ما يقصده روحاني من الاستثمارات الروسية هو إقراض بالدولار للجمهورية الإسلامية، طبعًا هذه خطوة أخرى نحو وضع الجمهورية الإسلامية تحت مظلة دعم موسكو.

بالنظر إلى الغموض الذي يلف مصادر إيرادات مشروع الميزانية المقترحة من حسن روحاني، من المتوقع أن تكون ميزانية العام المقبل إذا تم اعتمادها بشكلها الحالي واحدة من أكبر حالات العجز في تاريخ الجمهورية الإسلامية.



اضف تعليق