الدب الروسي يحاصر الشرق ويزحف نحو أفريقيا


١٥ ديسمبر ٢٠١٩

كتبت - دعاء عبدالنبي

بثقة متعاظمة في نفسها تواصل روسيا فرض سيطرتها على العالم، متكئة على الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة الأمريكية، يساندها عزم الكرملين رغم الكساد الاقتصادي الذي تمر به موسكو بسبب أوكرانيا، وتدفعها تبعات "الربيع العربي" التي قلبت الأوضاع رأسًا على عقب في المنطقة بأسرها، فأقنعت رئيسها "بوتين" بضرورة استعادة هيبة الاتحاد السوفيتي السابق كقوة إقليمية نافذة ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب ولكن في القارة السمراء أيضًا.

حضور واثق في الشرق الأوسط

بفضل سياساتها المحنكة ودورها كوسيط دبلوماسي استطاعت موسكو أن ترتقي لمكانة أعلى تخطت سياسة ردود الفعل إلى المشاركة في تنفيذها، فقد أصبح من الصعب اتخاذ أي قرار في سوريا دون الرجوع إلى روسيا أو رغمًا عنها، يضاف إلى ذلك توطيد علاقاتها مع دول المنطقة بما فيهم الخصوم، لتبدو اليوم الحامية للوضع في الشرق الأوسط بسبب تماسكها ومصداقيتها في سياساتها الشرق أوسطية.

خلال السنوات الماضية، ازداد النفوذ الروسي في الشرق الأوسط بدرجة كبيرة وبشكل ملفت، وذلك يعود لما حققته موسكو من انتصارات في سوريا، وفي مجال الطاقة وعلاقاتها مع تركيا والمنافسين الإقليميين.

بدت روسيا محركًا فاعلًا في الأزمة السورية؛ حيث عمدت إلى تعميق تحالفاتها مع النظام السوري وحافظت على علاقاتها مع تركيا وإيران، فجاءت سلسلة الاجتماعات والمؤتمرات في أستانة وسوتشي بجانب جنيف ليكلل الوجود الروسي بنجاح.

وتعد دول الشرق الأوسط من أكبر المستوردين للسلاح الروسي، حيث زودت موسكو دمشق بمعدات عسكرية تصل إلى 26 مليار دولار، إضافة إلى التنقيب عن الغاز والنفط في البحر، والذي بدأته موسكو بموجب اتفاق مع وزارة النفط السورية بقيمة 90 مليون دولار.

وفي أعقاب ثورات "الربيع العربي" صعّدت موسكو جهودها البحرية الشاملة، بهدف توسيع قدراتها في المنطقة الإقليمية، فضلًا عن تأمين منفذ بحري بالمنطقة، وهو ما أقدمت عليه موسكو في 2017 بتوسيع قاعدتي طرطوس وحميميم.

ويأتي حضور روسيا  كلاعبٍ إقليمي بالمنطقة، بعدما ساهمت بعملياتها العسكرية منذ 2015 في حماية النظام السوري واستعادة سيطرته على الكثير من أراضيه عدا إدلب وبعض المناطق الأخرى.

كما لعبت موسكو دورًا محوريًّا في حسم بعض القضايا الحساسة، ومنها مواقفها في مجلس الأمن الدولي  بشأن الملف السوري ومحاصرة المشروع الأمريكي من خلال تعاونها الاقتصادي والعسكري مع إيران، وإبرام صفقات أسلحة مع تركيا.

أما مصر فقد نجح بوتين في جذبها من خلال الأسلحة والطاقة النووية والصفقات الاقتصادية، وقام بتوقيع عدد من الاتفاقيات بين البلدين منها إنشاء محطة الضبعة النووية، وتعزيز سبل مواجهة المخاطر الناتجة عن انتشار الإرهاب والتطرف.

في العراق عارضت روسيا الاحتلال الأمريكي وطرحت إمكانية تسوية القضية العراقية بالطرق السلمية، وكان لها دورًا مهمًا في تسليح العراق لمواجهة داعش خلال صفقة بلغت قيمتها 4 مليار دولار، ليصبح العراق ثاني أكبر مشترٍ للأسلحة الروسية.

كما تشكل الزيارة التاريخية للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز لموسكو في 2017 ، دليلًا إضافيًّا على تزايد النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، والتي تمخض عنها توقيع عدد من العقود لتوريد أسلحة روسية فضلًا عن مذكرة تفاهم لتوطين الصناعات العسكرية.

وفي سياق سعيها المتواصل لاستعادة مكانتها كدولة عظمى، طرح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف فكرة إجراء مفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين في موسكو، مستغلا معارضة الدول العربية والغربية للسياسات الأمريكية الداعمة لصفقة القرن وما تبعه من إجراءات لدعم الكيان الصهيوني، لكن إسرائيل فضلت أن تظل القيادة بيد الولايات المتحدة.

ويبدو أن روسيا لا تكتفي بنفوذها في الشرق الأوسط، فبات يراودها حلم إحياء نفوذ الاتحاد السوفيتي السابق في أفريقيا، فجاءت قمة سوتشي الأخيرة  بحضور أفريقي زاخم، سبقه دعم عسكري وسياسي روسي لأزمات القارة التي يراها الكرملين أرضًا خصبة لتعميق علاقاتها مع شركائها القدامى والجدد  وتفادي العقوبات الغربية.

أفريقيا والمصالح الاستراتيجية

بعد غياب نحو ثلاثة عقود، عادت موسكو وبقوة للقارة السمراء من خلال القمة التي استضافها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منتجع سوتشي بمشاركة 54 دولة أفريقية، وانتهى بتوقيع أكثر من 50 عقدًا بقيمة إجمالية تصل إلى 800 مليار روبل، واستضافة قاعدة عسكرية روسية، فيما أعلن بوتين عن شطب 20 مليار دولار من الديون المستحقة على البلدان الأفريقية.

بدأت عودة روسيا للساحة الأفريقية مطلع 2018، مع إرسالها أسلحة وعشرات المستشارين العسكريين إلى أفريقيا الوسطى ودول أخرى؛ مثل ليبيا وموزمبيق والسودان ومدغشقر من خلال مجموعة "فاغنر" الممولة من الرئيس فلاديمير بوتين.

وتسعى موسكو لإنشاء بنية تحتية من النفوذ السياسي يمكن أن تستخدمها مع أوروبا أو الولايات المتحدة، من خلال أذرعها الخاصة بوسائل الإعلام والمنصات الرقمية من أجل اختراق الرأي العام والنخبة السياسية في جميع أنحاء القارة السمراء، بحسب ما ذكره مقال لصحيفة الـ"نيويورك تايمز".

ومثال على الحراك الإعلامي في أفريقيا، تفعيل خدمات وكالة "تاس الروسية" في غانا ودول غرب أفريقيا، وإعلان الكرملين استعدادهم لتدريب صحفيين أفارقة في  "سبوتنيك" و"RT" التي يتحكم بها الكرملين.

اقتصاديًّا، اقتصرت المبادلات التجارية بين روسيا والقارة الأفريقية عام 2018 على 20 مليار دولار، وتشكل الأسلحة القسم الأكبر من الصادرات الروسية إلى أفريقيا، فمنذ عام 2009، تم إرسال الأسلحة الروسية رسميًّا إلى 18 دولة هناك معظمها كانت لأنجولا ونيجيريا والسودان.

وخلال السنوات الأخيرة تزايد النشاط الروسي في أفريقيا، من خلال إنشاء الموانئ الروسية وتوقيع عقود ضخمة في مجال حفر المناجم، وتوغل الشركات الأمنية الروسية في جمهورية أفريقيا الوسطى، وإرسال خبراء روس في صيانة العتاد العسكري بالكونغو. وخلال ثورة السودان ظهر المرتزقة الروس هناك أيضًا.

أما ليبيا، فقد كان الدور الروسي فيها خفيًّا، لكنها اليوم تسعى لفرض حاكم عسكري يخدم مصالحها الاستراتيجية، ما دفع بالرئيس بوتين للإعلان عن دعم حلفائه في النزاع الحالي من خلال توفير أسلحة ثقيلة متطورة.

ومن الجزائر، أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2006 عمليَّة العودة إلى القارة، مقترحًا شطب ديونها مقابل إبرام عقود تسليح ضخمة، ومنذ ذلك الوقت مثلت الجزائر 80% من مبيعات الأسلحة الروسيَّة إلى أفريقيا.

روسيا ترى في هذه الدول الأفريقية ملعبًا طبيعيًّا لها؛ فهي مهمة من الناحية الاقتصادية من أجل تجاوز العقوبات الغربية، وكذلك من ناحية استراتيجية وجغرافية سياسية، حتى تتمكن من بناء نظام إقليمي يساعدها على فرض سياستها بالمنطقة ومواجهة اللاعبين الدوليين.
 


الكلمات الدلالية روسيا

التعليقات

  1. استراتيجى1 ١٥ ديسمبر ٢٠١٩ - ٠٢:٣٦ م

    حضور روسيا كلاعب فى سوريا فقط وليس بالشرق الاوسط باكمله لكى تلتفت روسيا لافريقيا والدب الروسى اقل من ان يحاصر الشرق الاوسط فهو مجرد قط روسى يريد ان يكون دب فى مجازره بادلب فقط

اضف تعليق