بعد 8 سنوات من المراوغة.. 2019 يشهد انفراجة بملف سد النهضة


١٧ ديسمبر ٢٠١٩ - ٠٨:١٥ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - سهام عيد

بالرغم من التعثرات التي شهدتها مفاوضات "سد النهضة" الثلاثية بين إثيوبيا ومصر والسودان طيلة 8 أعوام، والتي باءت جميعها بالفشل ووصلت إلى طريق مسدود، إلا أن عام 2019 كان مختلفًا شيئًا ما؛ حيث استؤنفت المفاوضات في الربع النهائي منه، ومن المتوقع تدخل طرف رابع قبل أن تنحرف عن مسارها وتتفاقم.

في البداية واصلت حكومة إثيوبيا تعنتها، واعتبرت وزارة المياه والري الإثيوبية أن الاقتراح المصري الأخير حول تنظيم ملء سد النهضة بما لا يضر حصتها المائية، ودخول طرف رابع على خط المفاوضات الثلاثية يُمثّل "عبورًا للخط الأحمر"، وقالت الوزارة الإثيوبية: إن أديس أبابا رفضت الاقتراح؛ لأن "بناء السد مسألة بقاء وسيادة وطنية".

في المقابل، تحركت مصر على محورين لمواجهة خطر العجز المائي؛ الأول يتعلق باللجوء إلى تنفيذ المادة العاشرة من اتفاق "إعلان المبادئ" بمشاركة طرف دولي في مفاوضات سد النهضة، للتوسّط بين الدول الثلاثة (مصر وإثيوبيا والسودان) وتقريب وجهات النظر، والمساعدة على التوصل لاتفاق عادل ومتوازن يحفظ حقوق الدول الثلاث دون الافتئات على مصالح أي منها.

أما المحور الثاني فيتعلق بالتحرك لتوفير مصادر بديلة للمياه التي تحتاجها مصر من خلال الاعتماد على التوسع في إنشاء محطات تحلية مياه البحر.


موضوع الخلاف

تبرز أهم نقاط الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا في المشاكل الهندسية التي تتعلق ببناء السد وسنوات ملء خزان السد وإدارته أثناء سنوات الفيضان والجفاف.

مخاوف مصرية

في تقرير للجنة الثلاثية، التي شكلت من خبراء مصريين وسودانيين وإثيوبيين ودوليين لدراسة آثار السد، ذكر التقرير أن معايير التصميم المبدئي لم توضح سوى الطبيعة العامة للسد، دون ذكر تفاصيل حول مدى ملائمة جسم السد مع ظروف المنطقة المشيد عليها.

وبحسب التقرير نفسه؛ فالتصميمات الإنشائية لأساسات سد النهضة لا تأخذ في الاعتبار انتشار التشققات الكثيفة المتواجدة في الطبقة الصخرية أسفل السد بما يهدد بانزلاق السد وانهياره، وهو الأمر الذي دفع عددا من الخبراء إلى القول بأن السد بني لينهار بما يشكله هذا من خطر داهم على إثيوبيا والسودان ومصر.

واللافت في الأمر أن موقع السد قد تم تحديده بناء على دراسة قام بها مكتب استصلاح الأراضي التابع للإدارة الأمريكية في منتصف القرن الماضي، حيث أشارت الدراسة آنذاك إلى أن هذه المنطقة تتميز بانبساط تضاريسها نسبيًّا عن منحدرات الهضبة الإثيوبية مما يسهل عملية البناء والتخزين المائي.

أما ثاني المخاوف المصرية فتتعلق بحجم المياه التي سيحجبها السد من حصة مصر البالغة نحو 56 مليار متر مكعب سنويًّا وتأثير هذا على سكانها وأراضيها الزراعية وهذا بدوره ينقسم إلى شقين، أحدهما يتعلق بحجم المياه التي سيتم سحبها خلال فترة ملء خزان السد.

والآخر بالفترة، التي تلي عملية الملء، حيث ترغب إثيوبيا في ملء الخزان خلال 3 سنوات من أجل تسريع عملية إنتاج الكهرباء منه، بينما ترى مصر أن أقل مدى زمني لعملية ملء الخزان يجب ألا يقل عن 6 سنوات ترتفع في بعض الدراسات إلى 7 و10 سنوات.

الموقف المصري

تؤمن القاهرة بسلامة موقفها وعدالة قضيتها، إذ يشكل النيل شريان الحياة للمصريين، حيث يمثل قضية وجود، ومن ثم فإن المساس بها يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري.

كما أن القاهرة، التي أكدت غير مرة على دعمها الكامل لحق إثيوبيا في التنمية، ترى أنها أبدت حسن النية وسارعت في إجراءات بناء الثقة، وما زالت تمد يد التعاون المتبادل بما لا يضر بمصلحة أي من الأطراف.

وفي المقابل فإن أديس أبابا، في رأي القاهرة، تواصل المراوغة لكسب مزيد من الوقت وفرض الأمر الواقع وهو أمر مرفوض من الجانب المصري رفضًا مطلقًا.

وفي السياق، يقدم وزير الخارجية المصري، سامح شكري، ملفًّا متكاملًا لعرض وجهة النظر المصرية المدعومة بمبادئ القانون الدولي والقواعد الحاكمة للتعامل مع الأنهار والقائمة على مبادئ عدم الإضرار بمصالح دول المصبّ، إضافة إلى التسلسل الزمني للاتفاقات والمعاهدات المنظمة للاستفادة من مياه النيل بداية من اتفاقيتي 1929 و1959.

وكذلك معاهدة تسوية المنازعات بين مصر وإثيوبيا الموقعة عام 1986 ووثيقة التفاهم الموقعة في الأول من يوليو عام 1993 حول عدة مبادئ أهمها عدم قيام أي من الدولتين بأي نشاط يتعلق بمياه النيل من شأنه إلحاق الضرر بمصالح الدولة الأخرى.

وإضافة إلى إعلان المبادئ الموقع بين مصر والسودان وإثيوبيا عام 2015، والذي نص صراحة على أن يتم الاتفاق بعد انتهاء الدراسات على كيفية إنجاز سد النهضة وتشغيله دون الإضرار بدولتي المصب مصر والسودان فضلًا عن اعتماد مبدأي عدم الإضرار والتعويض في حالة الضرر، وهو الإعلان الذي تتمسك مصر بتنفيذه والاعتماد على الدراسات الفنية، التي تؤكد صحة الموقف المصري.



الوساطة الأمريكية

في السادس من نوفمبر الماضي، انطلقت في العاصمة الأمريكية واشنطن، اجتماعات تضم وزراء الخارجية والمياه والري في مصر والسودان وإثيوبيا بشأن سد النهضة، وذلك برعاية وزير الخزانة الأمريكي، ستيفين منوشين، ومشاركة البنك الدولي.

وكان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قد أعرب -في اتصال هاتفي أجراه معه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي- عن اهتمامه الشخصي وحرصه البالغ على نجاح هذه المفاوضات وأنه شخصيًّا سيستقبل وزراء الخارجية الثلاث بالمكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في مستهل هذه المفاوضات، تأكيدا لحرصه البالغ على خروجها بنتائج إيجابية وعادلة تحفظ حقوق جميع الأطراف.

وقد أحدث هذا التصريح موجة من التفاؤل في الأوساط المصرية تجلى في تغريدة، نشرها الرئيس المصري عبر حسابه على موقع تويتر، وجّه خلالها الشكر لنظيره الأمريكي لدعمه المفاوضات الثلاثية، ووصف السيسي ترامب بأنه "رجل من طراز فريد، ويمتلك القوة لمواجهة الأزمات والتعامل معها، وإيجاد حلول حاسمة لها".

نتائج إيجابية

بحسب تصريحات سامح شكري، وزير الخارجية المصرية، فإن الاجتماعات أسفرت عن نتائج إيجابية من شأنها أن تضبط مسار المفاوضات وتضع له جدولًا زمنيًّا واضحًا ومحددًا.

وفي غضون ذلك، تقرر أن يتم عقد أربعة اجتماعات عاجلة للدول الثلاث على مستوى وزراء الموارد المائية وبمشاركة ممثلي الولايات المتحدة والبنك الدولي، تنتهي بالتوصل إلى اتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة خلال شهرين بحلول 15 يناير 2020، على أن يتخلل هذه الاجتماعات لقاءين في واشنطن بدعوة من وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوشين لتقييم التقدم المحرز في هذه المفاوضات.

وأكد شكري، خلال الاجتماعات المكثفة التي عقدت على أن مصر تسعى للتوصل إلى اتفاق متوازن يمكّن أثيوبيا من تحقيق الغرض من سد النهضة، وهو توليد الكهرباء، دون المساس بمصالح مصر المائية وحقوقها، وأن مياه النيل هي مسألة وجودية بالنسبة لمصر.

كما أوضح وزير الخارجية أهمية الدور الذي اضطلع به الوفد الفني من قبل وزارة الخارجية ووزارة الموارد المائية والري في عقد سلسلة اجتماعات مكثفة لاطلاع دوائر الإدارة الأمريكية والبنك الدولي على مجمل الموقف الفني والقانوني المصري، وبما يؤكد على عدالته في إطار التنسيق من قبل مؤسسات الدولة وما توليه من أولوية لهذا الملف الحيوي.

في السياق ذاته، اجتمع وزراء الري للدول الثلاث "السودان ومصر وإثيوبيا" في أديس أبابا منتصف نوفمبر، كأول اجتماع تشاوري بعد اجتماع واشنطن، وذلك بحضور الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي.

المشاورات الثلاثية ناقشت قواعد تشغيل سد النهضة، بهدف الوصول إلى اتفاق بحلول 15 يناير 2020، وذلك طبقًا للبيان المشترك لاجتماع وزراء الخارجية بواشنطن في 6 نوفمبر.

وفي أول ديسمبر، استضافت القاهرة الاجتماع الثاني بشأن سد النهضة، بمشاركة وزراء الموارد المائية والري في مصر والسودان وإثيوبيا، وممثلي الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي، لحل الخلافات الفنية حول سد النهضة، واستكمال النقاشات بخصوص قواعد الملء والتشغيل.

وفي بداية الاجتماع قال سيلشى بكيلي، وزير المياه والري الإثيوبي: إن نهر النيل مهم جدا لمصر والسودان وإثيوبيا، مؤكدا أن من حق بلاده استخدام موارد النهر، وترى أن المباحثات ليست للبحث في شرعية سد النهضة ولكن للبحث عن حل للخلافات العالقة.

وأكد بكيلي إلتزام بلاده بأن يكون السد نموذجا للتعاون والاندماج بين دول المنطقة، مطالبا بأن تتم المفاوضات بطريقة أفضل، وأن تكون متضمنة حلولا لكافة المشكلات العالقة ويكتب لها النجاح.

وكشف الوزير الإثيوبي، أن المناقشات السابقة ركزت حول قواعد التشغيل والملء، معترفا بإحراز تقدم كبير في تقرير مدة وتشغيل وبناء السد، الذي سيمتد بين 4 إلى 7 سنوات، مطالبًا بالتحلي الصبر لحل المشكلات لأخرى.

وفي 10 ديسمبر، انطلقت في العاصمة الأمريكية واشنطن ثالث اجتماعات مفاوضات سد النهضة، على مستوى وزراء الخارجية وزراء الموارد المائية من الدول الثلاث مصر، والسودان، وإثيوبيا، لاستكمال المباحثات بخصوص قواعد الملء والتشغيل لسد النهضة، برعاية وزير الخزانة الأمريكي.

وقال وزيرا الخارجية والموارد المائية والري المصريين، في أعقاب الاجتماع الذي عقد بحضور وزير الخزانة الأمريكي ورئيس البنك الدولي، إن الاجتماعات تضمنت عقد لقاءات ثنائية بين وزير الخزانة الأمريكي مع وزراء الخارجية والري، في كل من مصر والسودان وإثيوبيا.

وأضاف الوزيران في بيان لوزارة الخارجية المصرية، أن الاجتماع أعقبه جلسة موسعة، تناول خلالها الأطراف الثلاثة، وجهات النظر حول الخطوات اللازمة من أجل التوصل إلى اتفاق قبل يوم 15 يناير 2020.

وأضاف البيان، أنه في أعقاب الاجتماعات صدر بيان مشترك عن الدول الثلاثة والولايات المتحدة والبنك الدولي، حدد مسار المفاوضات والعناصر التي يجب تناولها من أجل التوصل إلى اتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة بحلول 15 يناير 2020.

وأكد الوزيران أهمية انخراط الدول الثلاثة في المفاوضات بحسن نية وشفافية، من أجل تحقيق المصالح المشتركة للدول الثلاث، وضمان التنفيذ الكامل لأحكام اتفاق إعلان المبادئ المبرم في 23 مارس 2015، وبما يحقق أهداف إثيوبيا في توليد الكهرباء دون الإضرار بمصالح مصر المائية.



مرحلة الحسم

في غضون ذلك، قالت وزارة الخزانة الأمريكية: إن وزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان، يخططون للاجتماع في واشنطن يوم 13 يناير المقبل، لمحاولة التوصل لاتفاق نهائي بشأن سد النهضة الإثيوبي، وذلك في أعقاب اجتماع وزراء الدول الثلاث والذي عقد في واشنطن، بحضور وزير الخزانة الأمريكي ورئيس البنك الدولي.

وعبر وزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان، خلال اجتماعهم في واشنطن، عن تقديرهم للدور المراقب للولايات المتحدة والبنك الدولي في ملف سد النهضة، مؤكدين أنهم "لاحظوا التقدم المحرز بالاجتماعات الفنية بين وزراء الموارد المائية في أديس أبابا والقاهرة".


اضف تعليق