2019.. سنة ميلاد لبنان جديد


١٧ ديسمبر ٢٠١٩ - ٠٥:١٣ م بتوقيت جرينيتش

رؤيـة - مي فارس

ليس 17 أكتوبر يومًا مفصليًا في سنة 2019 التي تعد أيامها الأخيرة فحسب، إنه بالتأكيد منعطف في تاريخ لبنان الحديث وسيبقى موعدًا مضيئاً يتذكره اللبنانيون بأنه اليوم الذي انتفضوا فيه ضد الطبقة السياسية بكل أركانها وطوائفها ووجوهها، وتوحدوا ضد الفساد والطائفية والنهب، وتوحدوا انتصارًا للعيش بكرامة.

في الشكل، كانت الضريبة على خدمة "واتساب" السبب الذي أخرج الناس إلى الشوارع، لكنها في الواقع ليست إلا النقطة التي طفح معها الكيل، بعد 30 سنة من سوء الإدارة الاقتصادية والمحاصصات الطائفية التي عيرت وجه لبنان وقضت على الطبقة الوسطى فيه ودفعت الفقراء إلى تحت مستوى الفقر وراكمت الثروات لحساب أشخاص أثروا على حساب الدولة ومؤسساتها.

على رغم مرور ثلاثين سنة على انتهاء الحرب الأهلية، لا يزال اللبنانيون يفتقرون إلى أدنى مقومات الحياة الطبيعية. تقنين في الكهرباء والماء، شوارع تفيض بناسها مع بداية كل شتاء، بطالة وهجرة متزايدة وخصوصًا في عداد الشباب ومشاحنات سياسية عند كل استحقاق تؤثر سلبًا على البلد والمواطن.

يمكن بسهولة القول إن انتفاضة اللبنانيين الذين خرجوا إلى الشوارع من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، كشفت فجوة كبيرة في الثقة بين الشعب وحكامه، وفضحت السياسات الطائفية والاقتصادية السيئة التي تحكمت بلبنان ونفرت حلفاء إقليميين ودوليين وضربت بنية الاقتصاد اللبناني وأضعفت القطاعات الإنتاجية التي تُحقق النمو وتخلق الوظائف وتؤدّي إلى التصدير.

سياسياً، أصبح البلد أسير سلاح "حزب الله" الذي يمسك بقرار السلم والحرب، واقتصاديًا، بات أسيرًا للاعتماد المفرط على تحويلات المغتربين وتدفّق الودائع لتمويل الاقتصاد، كما أصبح هشًّا وشديد الحساسيّة لأيّ صدمات داخليّة أو خارجيّة.

وبدورها، انعكست الأزمة السورية كارثة على الاقتصاد اللبناني، وبلغ مداها أكثر بكثير مما أصاب الدول الأخرى بسبب هشاشة الاقتصاد والبنى التحتية المترنحة.

أعلى مستوى مديونية في العالم

وسط هذه التراكمات، يسجل لبنان أعلى مستوى مديونية  في العالم مع 133.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وبات الاقتصاد اللبناني على شفير الانهيار. وفي النصف الأول من هذا العام، بلغت نسبة القروض المتعثرة 14% من إجمالي القروض، وهذه النسبة مرجّحة لتتضاعف في النصف الثاني من 2019 وسط الانكماش الاقتصادي الذي أدّى إلى إقفال مؤسسات وتسريح عمال، أو إلى خفض رواتب معظم موظفي القطاع الخاص.

ومنذ سبتمبر الماضي، توقف نمو قاعدة ودائع المصارف بسبب تراجع الثقة وزيادة الضرائب على فوائد الودائع، وبدأ مسلسل هروب الأموال من القطاع المصرفي، من فرض قيود على السحب النقدي والتحويل من الليرة إلى الدولار أو تحويل الأموال إلى الخارج.

المشاحنات السياسية

ولم تكن المحاصصة والمشاحنات  الطائفية أقل ضررًا على البلاد من السياسات الاقتصادية. وأدى الشلل السياسي في السنوات الأخيرة نتيجة عرقلة انتخاب رئيس أو الخلافات على تشكيل حكومات إلى تعثر مؤسسات حكومية وتراجع  الثقة بالاقتصاد اللبناني.

وتحول "حزب الله" الذي تورط في الحرب السورية عبئًا إضافيًا على الدولة اللبنانية التي صارت رهينة سلاحه وقرار الحرب الذي يتحكم به. وتجلى آخر مظاهر ذلك العبء الصيف الماضي عندما قرر الحزب في عز موسم الاصطياف إطلاق صاروخ على إسرائيل من جنوب لبنان، ردًا على مقتل اثنين من مقاتليه في غارة إسرائيلية على سوريا، من جهة أولى، وعلى خلفية الاشتباه بإرسال إسرائيل طائرات دون طيار "درونز" جرى تفجير إحداها وإسقاط ثانيتها في الضاحية الجنوبية لبيروت، من جهة ثانية، الأمر الذي شكل خرقًا للقرار الدولي 1701.

في حينه، دب الذعر بين اللبنانيين وسارع سياح إلى مغادرة البلاد خوفًا من حرب بين إسرائيل و"حزب الله"، وليس معروفًا بعدما إذا كان حقًا عدم سقوط قتلى إسرائيليين هو الذي جنب البلاد حربًا واسعة.

وما كاد ينجلي خطر تلك الحرب حتى أعلنت الخزانة الأمريكية إدراج مصرف "جمال ترست بنك" على "لائحة أوفاك"، الأمر الذي أدى إلى إقفال المصرف وتصفيته وأثار بلبلة بين اللبنانيين والمودعين في ظل اصرار أمريكي على معاقبة المصارف التي تسهل التعامل مع "حزب الله".

وبدأ الهلع يأخذ منحى آخر عندما بدأت أزمة فقدان الدولار الأمريكي، وامتنعت المصارف عن تلبية حاجات عملائها في سابقة في تاريخ القطاع المصرفي لبنان.

ونشأت سوق موازية للدولار، حيث بلغت قيمة العملة الأمريكية 2000 ليرة لبنانية في السوق السوداء، مقابل 1516 ليرة في المصارف التي تمنع المودعين من سحب أكثر من 300 دولار أسبوعيًا.

حالياً، تبدو أزمة لبنان أمام أفق محدود. قوتان تتصارعان، شارع  دأب على الاحتجاج منذ شهرين متمسكًا بمطالبة بحكومة تكنوقراط وبرنامج إنقاذي واضح تضع البلاد على السكة الصحيحة، وطبقة سياسية تعيش في حال إنكار وتتمسك بحكومة سياسية تحافظ على حصص الأطراف السياسية التي ترفضها الانتفاضة.

وعلى رغم المؤشرات المالية المتراكمة والضيق المعيشي الذي دفع أكثر من ثلاثة أشخاص إلى الانتحار، يعجز الفرقاء السياسيون عن تسهيل الطريق لتأليف حكومة اختصاصيين. وبعد إرجاء جديد للمشاورات النيابية لتسمية رئيس للوزراء، سجلت جولة جديدة من تبادل الاتهامات بالمسؤولية عن الأرجاء بين الرئاسة ورئاسة الحكومة.

ومع هذا العجز الرسمي، يتزايد العنف في الشارع ليلة بعد ليلة؛ إذ تعمد مجموعات من المناصرين لحزب الله وحركة أمل منذ أيام إلى مهاجمة خيم المعتصمين في وسط بيروت وإحراقها. وبلغ بها الأمر أخيرًا إلى إضرام النار بالسيارات وتخريب ممتلكات. وتسود مخاوف من تدهور الوضع أكثر وإراقة دماء.

ومع ذلك، تشكل الانتفاضة اللبنانية للكثيرين الأمل الأخير للوصول إلى التغيير المنشود، وهز أسس الطبقة الحاكمة وفسادها الاقتصادي والسياسي، ومساوماتها الطائفية وممارساتها الرجعية والمتخلفة. فمع أن لبنان بات متسولًا  من "المجتمع الدولي"، وعاجزًا عن توفير الأدوية في مستشفياته، فإن التحدي الأكبر اليوم يكمن في الحفاظ على هذا التحرك الشعبي العابر للطوائف والأحزاب والمناطق والأول من نوعه منذ الاستقلال، ومنع اختراقه أو الوقوع في فخ  العنف، لعدم إعطاء ذريعة للقوى الأمنية لقمعه.

فالدولة العاجزة عن توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها، أو فرص العمل لشبابها وشاباتها، أو تسديد قروضها المستحقة، أو توفير رواتب موظفيها، أو حتى على توفير الحد الأدنى مما يسمى "الأمن الغذائي" لشعبها، وتضليل شعبها بشأن القوة المفترضة لعملتها الوطنية، باتت مرفوضة من جيل أثبت وعيًا استثنائيًا وبرهن على مدى شهرين حبًا كبيرًا للبنان ووطنية جارفة لا ترهبها اتهامات بالتبعية للخارج ولا غزوات ليلية لمندسين.


يدرك اللبنانيون أن الطريق طويل وأن بناء الأوطان لا يمكن أن يكتمل بأشهر ولا بسنوات، إلا أن الشباب اللبناني المثقف والواعي وضع اللبنة الأولى لدولة حديثة عابرة للطوائف والمذاهب والأحزاب يؤمن حقًا بأنها ستنمو وتزدهر مهما طال الزمن.


اضف تعليق