"نورد ستريم 2".. بين العقوبات الأمريكية المغلظة والإدانة والاستنكار الروسي الأوروبي


٢١ ديسمبر ٢٠١٩ - ١١:٤٧ ص بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

يبدو أن لعبة الكراسي الموسيقية، والصراعات السياسية، بين القوى الدولية الكبرى، لا تزال مستمرة، فبينما هدأت قليلًا نيران الاحتقان الاقتصادي الأمريكي الصيني، عادت في المقابل إلى الواجهة، ذكريات الصراع الأزلي بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، إلا أنه هذه المرة، يصطدم بردود أفعال أوروبية لا تسر الحليفة واشنطن.

الحديث الآن هو عن "نورد ستريم 2" في إشارة إلى خط الغاز المعروف باسم "خط السيل الشمالي 2"، والمعني بضخ الغاز الروسي إلى قلب أوروبا، والذي قرر الكونجرس وضع على قائمة العقوبات الأمريكية، وأقره بدوره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليصنع أزمة عالمية جديدة، قد تشكل بؤرة توتر جديدة في عالم ملتهب بالأحداث.

نورد ستريم 2.. في مرمى العقوبات الأمريكية



قبل أيام قلائل، صادق مجلسا النواب والشيوخ في الكونجرس الأمريكي بأغلبية ساحقة على فرض عقوبات على أنبوب الغاز الروسي "نورد ستريم 2" الذي ترى واشنطن أنه يعزز نفوذ موسكو في أوروبا.

وتستهدف العقوبات الشركات التي تساهم في بناء هذا الأنبوب تحت بحر البلطيق، والذي سيتيح إرسال الغاز الروسي إلى أوروبا دون عبور أوكرانيا، حليفة الولايات المتحدة الأمريكية.

وتهدف العقوبات إلى تعطيل الانتهاء من هذا المشروع الذي أنجز 80 بالمئة منه على أن يبدأ تشغيله نهاية هذا العام. وسيتيح المشروع بعد استكماله مضاعفة شحنات الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا، وخاصة إلى ألمانيا.

وتقضي العقوبات الأمريكية التي تستهدف السفن التي تعمل في مشروع إنشاء خط "السيل الشمالي 2" والخط الروسي التركي "ترك ستريم"، بتجميد أصول العاملين فيه وإلغاء تأشيرات الدخول الأمريكية الممنوحة لهم.

ومن المقرر أن تستهدف هذه العقوبات المجموعة السويسرية "أولسيز" التي تملك أكبر سفينة في العالم لمد الأنابيب "بايونيرينغ سبيريت"، وهذه السفينة تعاقدت مع مجموعة "غازبروم" الروسية للغاز لبناء القسم الواقع في عرض البحر (أوفشور) من الأنبوب.

وقد أعلنت المجموعة، في بيان/ تعليق أعمال بناء الأنبوب، مشيرة إلى أنها تنتظر حاليا "توضيحات تنظيمية وتقنية وبيئية من قبل السلطات الأميركية المختصة".

في غضون ذلك، قال السناتور الجمهوري "تيد كروز" -حليف ترمب في مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي- إن وقف خط أنابيب "نورد ستريم 2" يجب أن يكون أولوية أمنية رئيسية للولايات المتحدة وأوروبا على حد سواء.

وأضاف "من الأفضل بكثير لأوروبا أن تعتمد على مصادر الطاقة من الولايات المتحدة بدلا من أن تفيد بوتين وتعتمد على روسيا وتعرض نفسها للابتزاز الاقتصادي".

وإزاء الدعم البرلماني الكبير للقانون، لم يجد الرئيس الأمريكي أمامه خيار سوى الموافقة، خاصة وأن خصومه يتهمونه بالتساهل حيال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وترى واشنطن وحليفتاها أوكرانيا وبولندا أن أنبوب الغاز سيزيد من ارتهان الأوروبيين للغاز الروسي، وتاليا تعزيز نفوذ موسكو.

ويمثل المشروع استثمارا بعشرة مليارات يورو تمول مجموعة "غازبروم" الروسية نصفها والنصف الآخر تموله 5 شركات أوروبية.

ومنذ بداياته، واجه المشروع عقبات عديدة. ولم يحصل "السيل الشمالي 2" على الضوء الأخضر من الدنمارك لعبور أراضيها قبل نهاية أكتوبر/تشرين الأول، ما يمكن أن يؤخر بدء تشغيله الذي كان مقررا في نهاية 2019.

إدانة روسية واستنكار أوروبي


في رد فعل سريع، وفي أصداء القرار الأمريكي، صرحت الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية، السبت، أن العقوبات الأمريكية ضد الشركات المساهمة في مشروع خط "السيل الشمالي 2" (نورد ستريم 2) للغاز تمنع دولا أخرى من "تنمية اقتصاداتها".

وكتبت الناطقة ماريا زاخاروفا عبر صفحتها على "فيسبوك" أن "دولة يبلغ دينها 22 ألف مليار دولار تمنع بلدانا تتمتع بالملاءة من تدوير اقتصاداتها الفعلية".

كما دانت في التدوينة نفسها "الأيديولوجيا الأمريكية التي لا تحتمل المنافسة العالمية".




من جانبه أعرب الاتحاد الأوروبي، عن إدانته للعقوبات الأمريكية، وقال متحدث باسم المنظمة: إن "الاتحاد يعارض من حيث المبدأ فرض عقوبات على شركات أوروبية تمارس أعمالا مشروعة".

أما الحكومة الألمانية، فأعربت عن أسفها إزاء العقوبات الأمريكية.

وقالت نائبة المتحدث باسم الحكومة الألمانية، أولريكه ديمر، في برلين اليوم السبت، "ترفض الحكومة الألمانية هذا النوع من العقوبات المتجاوزة للحدود الإقليمية، إنها تمس شركات ألمانية وأوروبية وتعتبر تدخلا في شئوننا الداخلية".

وذكرت ديمر أنه بالنظر إلى المحادثات الروسية-الأوكرانية السارية بشأن نقل الغاز الروسي عبر أوكرانيا إلى أوروبا، فإن "هذه العقوبات الأمريكية، المبررة على وجه الخصوص بحماية أوكرانيا، غير مفهومة تماما".

وأشارت إلى أنه بدعم المفوضية الأوروبية والحكومة الألمانية، تم التوصل إلى اتفاق مبدئي بين أوكرانيا وروسيا حول اتفاقية جديدة لنقل الغاز عبر أوكرانيا اعتبارا من عام 2020، وقالت: "نرحب بالتمكن من توقيع اتفاق محدد أمس الجمعة".


اضف تعليق