انتخابات الكنيست 2019.. "الملك بيبي" المُلاحق قضائيًا وصراع العسكريين واليمين


٠١ مارس ٢٠١٩

رؤية - د/ محمد عبد الدايم

نتنياهو متهم رسميًا:-
 
أخيرًا أعلنها مستشار الحكومة الإسرائيلية، نتنياهو متهم رسميا بالرشى والاحتيال، حيث خرج أفيحاي مندلبليت أخيرا بتقريره الرسمي حول التحقيقات بشأن قضايا الفساد المتهم فيها بنيامين نتنياهو، ليعلن تقديم لائحة اتهام ضده وتقديمه للمحاكمة، بعد أن يخضع لجلسة استماع.

بعد نحو عامين من التحقيقات، أصبح نتنياهو رسميًا متهمًا بمخالفات فساد، تتضمن الاتهامات ضده تلقي الرشى والاحتيال وخيانة الأمانة في الملفات المعروفة باسم 1000 و2000 و4000، وتم إبلاغ محاميه رسميا، وسيحصل نتنياهو على حق جلسة استماع ليدافع عن نفسه قبل تحويله للمحاكمة.

السابقة الأولى:-
 
هي المرة الأولى التي تُوجه فيها تهم كهذه لرئيس حكومة وهو في منصبه، فإيهود أولمرت قد اتُهم رسميًا عقب استقالته من رئاسة الحكومة بعد ضغوط سياسية وإعلامية وقضائية، بينما نتنياهو لا يزال في منصبه، وتتلخص التهم الموجهة إليه في الحصول على منافع شخصية من رجلي أعمال، شمبانيا فاخرة وسيجار، وخيانة الأمانة على خلفية المحادثات مع ناشر صحيفة يديعوت أحرونوت بهدف تلميع نتنياهو، والرشوة مقدمة من رجل الأعمال شاؤول ألوفيتش مالك شركة بيزك وموقع والا الإخباري مقابل التدخل في محتوى الموقع لصالح ترويج سياسات نتنياهو.

حولوا حياة أسرتي إلى جحيم:-

رد حزب هاليكود على الفور الهجوم على قرار مندلبليت معتبرا أنه "ملاحقة سياسية" لشخص نتنياهو، فيما قطع رئيس الحكومة زيارته لروسيا وعاد ليواجه الجمهور في مؤتمر صحفي هاجم فيها قرار اتهامه، وصرح يائسّا بأن الإعلام والمعارضين قد "سفكوا دماء زوجته وطاردوا ابنه وحولوا حياة أسرته إلى جحيم"، كما هاجم تسيبي ليفني ويائير لابيد، وزعم أن المستشار القانوني "يُفصِل" قوانين خاصة لمحاكمة نتنياهو وحده، لكنه زعم بيقينه أنه سيكون رئيسًا للحكومة لأطول وقت ممكن.

فيما استغل بيني جانتس الفرصة الذهبية وعقد مؤتمرا صحفيا بعد انتهاء مؤتمر نتنياهو، وطالبه – بهجة الناصح الأمين-أن يستقيل حفاظا على استقرار إسرائيل واحتراما للقانون.

ولكن السؤال الآن: هل انتهى عصر بنيامين نتنياهو الذي أصبح معروفا بـ"الملك بيبي"، أم لناخبي اليمين المتشدد رأي آخر؟ هنا لا بد من عرض بعض المعطيات التي تشير لتغيرات فكرية على مستوى الأيديولوجيا المسيطرة على الأحزاب الإسرائيلية – الجديدة والقديمة-وعلى الجمهور.

في انتخابات الكنيست الـ 21 تتنافس 47 قائمة، وهو رقم قياسي لأول مرة منذ قيام إسرائيل، فأعلى عدد من القوائم المتنافسة في انتخابات إسرائيلية كان 34، وذلك في انتخابات الكنيست الـ 18 والـ 19.

منافسة عسكرية:-
 
مما يلفت النظر بشدة تواجد العسكريين السابقين في صراع الانتخابات الإسرائيلية هذه المرة، فقائمة تكتل كاحول لافان (أزرق أبيض) تتكون من ثلاثة رؤساء أركان جيش سابقين، بيني جانتس، وموشيه يعلون، وجابي أشكنازي، إلى جانب شخصيات عسكرية أخرى في القائمة.


أما حزب هاليكود برئاسة بنيامين نتنياهو فيتواجد في قائمته رئيس جهاز الأمن العام الأسبق آفي ديختر، وكذلك نجح في الوصول إلى قائمته وزير الإسكان السابق يوآف جالانط الذي كان عضوًا سابقا في حزب كولانو برئاسة موشيه كحلون، لكنه تركه وانضم مؤخرًا لحزي هاليكود، ومن المعروف أن جالانط جنرال احتياط سبق أن كان مُرشحًا لتولي منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي.

هذه هي أبرز الشخصيات ذات الخلفية العسكرية، لكنها ليست الوحيدة، كما أن رئيس الوزراء نتنياهو الذي يتولى بنفسه وزارة الدفاع ظهر مؤخرًا وهو يضفي طابعًا عسكريا على  دعايته الانتخابية، حيث ظهرت مشاهد للجيش في حملته الدعائية، حتى صدر أمر من المستشار القانوني للحكومة أفيحاي مندلبليت بمنع إظهار الجنود الإسرائيليين في الدعاية الانتخابية.

كان بيني جانتس قد استهل حملته الدعائية بعد تدشين حزبه الجديد عوتسما ليسرائيل (مناعة لإسرائيل) بعرض مشاهد لنشاطه العسكري في قطاع غزة، وتأثير عملية الجرف الصامد على القطاع المحاصر.

صراع شخصي:-
 
ليس الصراع الانتخابي عسكريا فقط، لكن من ملامح الانتخابات الإسرائيلية 2019 كذلك تحول المنافسة بين الأحزاب إلى منافسة شخصية، فالحديث الآن عن قوة هاليكود استتباعا لقوة نتنياهو رغم اتهامات الفساد حتى أصبح معروفا باسم "الملك بيبي"، والأمل في بيني جانتس كوجه عسكري سابق يمثل بديلا لنتنياهو، وطموح يائير لابيد، وظهور أول لأورلي ليفي أفيقاسيس كرئيسة حزب، وكل هذا الحديث عن الأسماء ربما يرجع لأن عددا من الأحزاب – الجديدة تحديدا- قامت على شخص واحد، وكذلك لعدم وجود اختلافات أيديولوجية كبيرة بين الأحزاب المتنافسة، فمعظمها يدور في فلك اليمين، أو يمين الوسط، بينما اليسار لا يمثله سوى حزب ميرتس الذي تنشب فيه صراعات داخلية، ومعرض لعدم تجاوز نسبة الحسم.


سيطرة الأحزاب الدينية:-
 
لم تعد تقسيمات الأيديولوجيا الحزبية في إسرائيل مثلما كانت في السابق، يمين ووسط ويسار، بل الآن الفارق ينحصر في تشجيع وجود دولة إسرائيلية، أو دولة يهودية، فأيديولوجية الدولة تحت زعامة نتنياهو وحلفائه من أحزاب اليمين المتشدد تدفع في اتجاه يهودية الدولة قبل أي شيء، وفوق أي توجه آخر، بينما ما تزال بعض الكيانات السياسية الأخرى تؤيد إسرائيلية الدولة لوجود يهود وغير يهود بها، لكن يبدو أن سيطرة أفراد اليمين الديني وأحزاب المستوطنين على الحكم تؤدي إلى بلورة توجهات أكثر تشددًا تدفع لصهر الأيديولوجيات المختلفة في بوتقة اليمين اليهودي "القومي" فقط، مع تنحية أي توجه لمدنية إسرائيل.

أنا أو اليسار:-
 
يؤكد نتنياهو في دعايته على خطر "اليسار" واعتبار كل من ينافسه "يساري لا يؤيد يهودية إسرائيل" التي يراها – هو وحلفاؤه – أولا وقبل كل شيء، دولة لليهود فقط، أي يرسخ لوجود ديني للدولة، وينطلق من هذا الوجود الديني نحو "قومية يهودية" برعاية الأحزاب اليمينية والدينية الحريدية، التي كانت في السابق تعتبر الانتخابات أمرًا هامشيًا، تستغلها فقط للحصول على مزيد من الامتيازات المالية لمؤسساتها التعليمية والدينية، لكنها منذ أصبحت الذراع القوي لنتنياهو باتت تشكل نقطة تحول في الانتخابات، وترسم توجهات للدولة أكثر حدة وتطرفًا عن ذي قبل.

تحالفات استباقية:-

بعد تفرق قوى اليمين وتحذير نتنياهو من تفتيت أصوات ناخبيها، أعلنت أحزاب هابيت هايهودي (البيت اليهودي) وهاإيحود هلئومي (الاتحاد القومي) وعوتسما يهوديت (مناعة يهودية) عن تحالفها سويا في الانتخابات القادمة، فيما أعلن بيني جانتس رفضه المشاركة مع هذه الأحزاب إذا ما فازت كتلته كاحول لافان بالانتخابات، وفي المقابل – وفقا لتقارير صحفية – فإن رؤساء الأحزاب اليمينة والدينية الحريدية أفيجادور ليبرمان ونفتالي بينط وأرييه درعي ويعقوف ليتسمان وموشيه جفني أعلنوا كذلك رفضهم الدخول في ائتلاف حكومي مع جانتس إذا ما فاز في الانتخابات، لأنه يتحالف مع يائير لابيد "اليساري" رئيس حزب ييش عاتيد.

إذا ما فاز هاليكود بالمركز الأول في الانتخابات القادمة فإن نتنياهو يستطيع تكوين ائتلاف حكومي من أحزاب اليمين والحريديم، فيما لم تتضح الصورة بالنسبة لتكتل كاحول لافان، فليس أمام بيني جانتس ويائير لابيد سوى الائتلاف مع حزب هاعفودا وميرتس، لكن هذا الأمر لا يمكن التصريح به بشكل مباشر الآن، خشية خسارة أصوات الجمهور اليميني، كما أن الاتفاق مع هاعفودا غير مضمون بعد الانتخابات، لأن آفي جفاي ربما لا يستطيع حزبه الحصول على نسبة تصويت جيدة تفيد جانتس في الائتلاف والتوحد ضد نتنياهو وحلفائه، وهنا ربما سيكون أمام الثنائي جانتس/ لابيد  ومعهما يعلون وأشكنازي فرصة وحيدة بإشراك هاليكود ونتنياهو في الائتلاف الحكومي، بدلا من خسارة كل شيء والبقاء في صفوف المعارضة.

سياسة أمنية واحدة:-
 
السياسة الأمنية لإسرائيل تحتل الجانب الأكبر من دعاية الأحزاب المتنافسة في الانتخابات، وهنا تبدو مساحات التشابه كبيرة، فالجميع يتحدثون عن ضرورة إنهاء الوضع المقلقل جنوبًا في قطاع غزة، وانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة الحصار، مع رفض الحديث عن اتفاق سلام ينتهي بحل الدولتين، كذلك أجمع الكل على ضرورة كبح التمدد الإيراني حول إسرائيل، وانتهاج سياسة صارمة ضد طهران.

يبدو أن انتخابات الكنيست الـ 21 لم تعدم الزخم السياسي حتى الآن، والمؤشرات توحي باستمرار التحالفات والحراك في الظل، قبل المعركة الرسمية في إبريل، وبعد ظهور النتائج التي يتحكم في تفوتها ضغط التيارات اليمينة والدينية، والتأثيرات الشخصية للمتنافسين على الجمهور الإسرائيلي.


     صدمة لائحة اتهام مندلبليت لنتنياهو تأتي قبل 40 يومًا على انتخابات الكنيست المقرر إجراؤها في التاسع أبريل المقبل، والآن يواجه نتنياهو وحزبه تحديا أصعب من ذي قبل، مع مؤشرات صعود بيني جانتس مدعوما بيائير لابيد وموشيه يعلون وجابي أشكنازي، لكن اليمين المتشدد يدعم "الملك بيبي" إلى الرمق الأخير حتى الآن.


اضف تعليق