استهداف "خامنئي".. البحث عن التغيير لنظام الملالي


٢٩ يونيو ٢٠١٩ - ١٠:٥٨ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

صرح براين هوك، رئيس مجموعة العمل الخاصة بإيران في الخارجية الأمريكية، أمس الجمعة 28 يونيو/ حزيران: "هناك المليارات تحت سيطرة بيت المرشد الإيراني، علي خامنئي، ولذلك أدرجناه في قائمة العقوبات"، مضيفًا: "نحن نبحث عن حل دبلوماسي مع إيران.. ونقف مع الشعب الإيراني. وهم يدركون أن هدفنا أن تكون هناك حكومة جيدة لإيران. لا نريد إنفاق ملايين الدولارات على شراء الأسلحة".

وأضاف براين هوك: "إيران دائمًا ما كانت تريد الوصول إلى أهدافها عن طريق تهديد الدول.. وسنواصل سياستنا الخارجية ضد إيران".

وأشار هوك أيضًا إلى رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التفاوض مع إيران، مردفًا أن "الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قال مرارا إنه يرحب بأي اتصال مع إيران".

وفي معرض إشارته إلى زيارة رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، إلى طهران، قال هوك إن إيران رفضت مرارا اقتراح التفاوض بين الجانبين.

وأشار رئيس مجموعة العمل الخاصة بإیران في وزارة الخارجية الأميركية، إلى تشديد العقوبات على إيران، قائلا: "إذا لم نعرقل التدخل الإيراني في اليمن فستغلق طهران مضيق هرمز".

وأضاف: "سنقوم بتشديد العقوبات على إيران حتى تتصرف كبلد طبيعي"، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى "تغيير النظام" في إيران، لكنها تسعى "لتغيير سلوك إيران".

الدفاع عن سياسة النظام

يبدو أن النظام في إيران بات يدرك أن العقوبات التي استهدفت شخص المرشد الأعلى، تعني مزيد من تشديد العقوبات لاخضاع إيران على التفاوض. وتعني في رمزيتها أيضًا استهداف رأس النظام الحاكم في إيران للدفع بالتغيير في سلوك هذا النظام على الأقل تجاه سياسته الخارجية. وهو ما قابله تصريحات من أنصار هذا النظام تؤكد على أصولية السياسة الخارجية التي يتبعها النظام الحاكم في إيران، الذي لا يقبل أن ينتقل من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة حتى الآن.

وفي تصريح يعبر عن رؤية المحافظين الذين يسيطرون على القرار السيادي في إيران، والذي يمثل معسكر المرشد وأنصاره هذه الرؤية المتشددة، أعلن رئيس السلطة القضائية الإيرانية، إبراهيم رئيسي، وهو أحد أقوى المرشحين لخلافة خامنئي، أعلن معارضته لأي تفاوض بين بلاده والولايات المتحدة. وقال رئيسي، إن التفاوض في الظروف الحالية، يعني "التخلي عن المبادئ، ولن يقدم أي منفعة للشعب".

ودافع رئيس السلطة القضائية الإيرانية عن نظرية "المقاومة"، التي يطرحها المرشد خامنئي لمواجهة العقوبات الأميركية. وقال: "إن للجمهورية الإسلامية الكلمة الأولى والأكثر قوة في المنطقة، وهذا ليس كلامنا فقط".

وفي إقرار جديد على مخططات إيران التوسعية في المنطقة، وسياسة تصدير الثورة التي ينتهجها النظام الحاكم تحت سلطة الملالي منذ ثورة 1979م، اعتبر رئيسي، أن "الامتداد الاستراتيجي للثورة الإيرانية أصبح اليوم من اليمن إلى إفريقيا".

وأشاد رئيسي في كلمة له بثت قبل يومين على التلفزيون الإيراني، بالتوسع الإيراني، قائلا: "إذا كنا نقاتل بالأمس داخل حدودنا، فإن حدودنا والامتداد الاستراتيجي لجبهة الثورة الإيرانية أصبح اليوم من اليمن حتى إفريقيا".

المرشد = النظام = الثورة

ويقول المحللان في معهد واشنطن، "پاتريك كلاوسون" و"مهدي خلجي"، كان مفهوم "ولاية الفقيه" جوهر الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. فقد كان ذلك هو الصخرة التي بُنيت عليها الثورة، والفكرة المثبتة في دستور يمنح السلطة المطلقة لكبير الفقهاء في البلاد، أي المرشد الأعلى. وكان سلف خامنئي، آية الله روح الله الخميني، قد أصدر في عهده حكماً يقضي بتمتع المرشد الأعلى بصلاحيةً لا تقتصر على تجميد أي قانون مدني إيراني فحسب، بل أيضاً على أي منحى يراه مبرراً من الشريعة الإسلامية.

ومنذ توليه السلطة في عام 1989، اتخذ خامنئي عدة خطوات أخرى مضت قدماً بولاية الفقيه. ففي عهد الخميني، كان موقف العديد من رجال الدين البارزين فاتراً تجاه هذا المفهوم أو حتى ناقداً له. إلّا أن خامنئي صرّح مراراً وتكراراً بأنه "يتعيّن على جميع المسلمين، بمن فيهم آيات الله العظمى، الامتثال لأوامر الولي الفقيه ... ولا يمكن تمييز الالتزام بإطاعة الولي الفقيه عن الالتزام بالإسلام ... وأن قرارات الولي الفقيه وسلطته ... تعلو على إرادة الشعب وسلطته في حال وجود خلافٌ بينهما."

علاوة على ذلك، فرض خامنئي عبادةً مهيبة لشخصيته. إذ يتوجب على وسائل الإعلام الإيرانية عدم الإشارة إليه بصفة "القائد" المنصوص عليها في الدستور بل تسميته "المرشد الأعلى المعظّم". كما يُطالب كبار المسؤولين - في خطاب تلو الآخر - بالولاء ليس فقط لولاية الفقيه بل لخامنئي نفسه. وأولئك الذين يعتبرون منتقديه سيلقون معاملة قاسية حتى لو كانوا ملتزمين بالمبدأ الذي يمنحه السلطة المطلقة، كما حدث مع مرشحي الرئاسة السابقين مهدي كروبي ومير حسين موسوي.

فضلاً عن ذلك، لطالما جادل خامنئي بأن معارضة المرشد الأعلى هي جوهر الخطط الأمريكية المفترضة لتغيير النظام. على سبيل المثال، جادل قائلاً في عام 1997: "إن الغطرسة العالمية [جملته الشهيرة للإشارة إلى الولايات المتحدة وحلفائها] فكرّت في تجربة وسيلة أكثر فعاليةً لمحاربة الثورة الإسلامية. وبعد دراسات كثيرة توصلَتْ إلى استنتاج مفاده أن عليها استهداف قائد الثورة، لأنها تعلم أن جميع مؤامراتها ستفشل بوجود قائد قوي في جمهورية إيران الإسلامية."

الخطوات القادمة لخامنئي

ويستطرد "پاتريك كلاوسون" و"مهدي خلجي" في تقريرهما: من خلال استهداف المرشد الأعلى على هذا الصعيد الشخصي، سيكون للأمر الصادر في 24 حزيران/يونيو تأثير أوسع، وهو: إقناعه بأن الهدف الأمريكي هو الإطاحة بنظامه. وعلى الرغم من أن ذلك سيرسّخ الاعتقاد الذي يؤمن به لسنوات طويلة، إلّا أن القضية الأكثر أهمية هي ما إذا كان الأمر التنفيذي سيؤدي إلى تغيير أفعاله، وليس معتقداته.

في خطابٍ ألقاه في 29 أيار/مايو، قام خامنئي بتقييم الاستراتيجية الأمريكية على النحو التالي: "يمارسون الضغوط لإرهاق الجانب الآخر. وعندما يشعرون أن الجانب الآخر منهَك وقد يقبل بشروطهم، يقولون 'حسناً، دعونا نتفاوض'. تأتي المفاوضات تكملةً لضغوطهم". ثم جادل بأن ردّ إيران الوحيد الممكن هو كسب النفوذ ضد الولايات المتحدة لكي ربما تصبح في موقع قوة. وفي رأيه أن إيران تملك تحت تصرفها ما يكفي من "الوسائل لممارسة الضغط" وعليها استخدامها. ومع أنه لم يسمٍّ أي من هذه الوسائل التي كان يقصدها، إلا أنه من المفترض أنه كان يشير إلى المشاريع التي انشغلت بها إيران مؤخراً، إي: إعادة تفعيل برنامجها النووي وتهديد إمدادات النفط الخليجية. ومهما يكن الأمر، فقد اكتسبت طهران نفوذاً بالفعل. ففي حين أن الحديث قبل شهرين كان يركز على نجاح واشطن غير المتوقع في إلحاق أذىً حقيقي بالاقتصاد الإيراني، إلّا أن التركيز حالياً ينصب على مدى خطورة المنطقة وقابليتها للانفجار، وأصبح الكثير من زعماء العالم يدعون إلى التوصل إلى حل وسط.

وفي المقابل، لعل سعي خامنئي لكسب النفوذ قد يكون في الواقع أمراً جيداً إذا كان هذا يعني أنه مستعد للنظر في إجراء محادثات جديدة. فالمشكلة تكمن في ارتيابه الدائم من المفاوضات والتسويات التي غالباً ما يصفها بالمنحدر الخطر (على سبيل المثال، لاحِظْ مقاومته المريرة لمحاولة التوصل إلى حل وسط في أعقاب الاحتجاجات الجماهيرية في إيران عام 2009، أو مناشداته لـ �حزب الله� والفلسطينيين حول التمسك بـ "المقاومة" ضد إسرائيل بدلاً من التفاوض). ومن المؤكد أن خطابه الأخير لم يُظهر أدنى اهتمام بالتحاور مع الولايات المتحدة. فبعد لقائه برئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في 13 حزيران/يونيو، أدلى خامنئي بتصريح من على شاشات التلفزيون، أعلن فيه بإهانة: "ليس لدينا شك في حسن نواياكم وجديتكم، ولكن فيما يتعلق بما قلتم حول ما أخبركم به الرئيس ترامب، فأنا لا أعتبر ترامب شخصاً يستحق تبادل الرسائل معه. ليس لدي أي ردٌّ له، ولن أجيبه." وفي خطاب ألقاه في 26 حزيران/يونيو قال، إن "المفاوضات هي طريقتهم في خداعك للحصول على ما يريدون. أنت تحمل السلاح، فلا يجرؤ الطرف الآخر على الاقتراب منك. لذلك يقول لك ارمِ سلاحك لكي أستطيع إيذاءك. هذا ما يعنوه بالمفاوضات. إذا استسلمتَ لهم، فقد انتهى أمرك! وإذا لم تقبل تستسلم، سيواصلون التذرع بحقوق الإنسان."

من المرجح أن يؤدي الأمر التنفيذي الجديد إلى تأجيج مثل هذا الخطابات، ولكن الحقيقة هي أنه إذا قبل خامنئي بالمفاوضات، فسوف يفعل ذلك ليس لأنه يريد التفاوض، بل لأنه يعتبره ضرورياً للحفاظ على حكمه - حتى إذا كان يندد بالمفاوضات طوال الوقت. فقد أعلن في 14 أيار/مايو أن "المفاوضات سُمّ"، مذكِّراً بقول آية الله الخميني عام 1998 بأن إنهاء الحرب مع العراق كان "أكثر فتكاً من شرب نبات الشوكران". لكن الأمر الصادر في 24 حزيران/يونيو يسير بواشنطن خطوةً إضافية على طريق الضغط على خامنئي لتناول "السم" والسماح بإقامة محادثات جديدة. ومن الممكن أن يتناوله - فمن خلال قبوله على مضض بالاتفاق النووي لعام 2015 أظهر أنه يمكن دفعه إلى فعل أمور يعارضها بشدة إذا كان يعتقد أنها ضروريةً للحفاظ على النظام.


اضف تعليق