ما قصة الجدل حول محاكمة "الدواعش" الفرنسيين في العراق؟


٠٥ يونيو ٢٠١٩ - ٠٨:٥٦ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد

تعيش فرنسا، إلى جانب دول أوروبا، جدلًا حول عودة المقاتلين الأجانب، وللأسف حتى الآن لم تقوم فرنسا ودول أوروبا أيضا، بتنفيذ سياسات ترتقي إلى ما يجب أن تتمتع به من إمكانيات أمنية واقتصادية، لاحتواء المقاتلين الأجانب.

احتضنت السويد يوم 4 يونيو الجاري، مشاورات بين ممثلي وزارات الداخلية والعدل في أحدى عشر دولة أوروبية حول إمكانية إنشاء محكمة خاصة تقاضي المقاتلين الأجانب الذين انخرطوا في القتال في كل من سوريا والعراق.

وتقترح السويد أن يكون مقر المحكمة في دولة من دول المنطقة من أجل جمع الأدلة الكافية والضحايا والشهود، يأتي هذا في أعقاب صدور أحكام في العراق على 11 فرنسيًا بالإعدام، وهو ما أثار جدلا في الأوساط الحقوقية حول مسؤولية الدول الأوروبية المعنية في استعادة رعاياها، ومحاكمتهم.

الموقف القانوني من محاكمة "الدواعش" الفرنسيين

قضت محكمة عراقية  يوم 3 يونيو بإعدام اثنين من الفرنسيين بتهمة الانتماء لداعش وهم آخر المحكومين بنفس القضية وسبق أن قضت محكمة عراقية  يوم 26 مايو بإعدام ثلاثة مواطنين فرنسيين، بعد إدانتهم بالإرهاب والانضمام إلى تنظيم داعش. 

وأجريت محاكمة الفرنسيين بموجب المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب العراقي، التي تنص على الحكم بإعدام كل من ارتكب جرما بصفته فاعلاً أصلياً، أو شريكاً في الأعمال الإرهابية، وتشير المادة 53 من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي والمادتان 6 و9 من قانون العقوبات العراقي، والمادتان 14 و15 من القانون المدني إلى أن كل الجرائم التي ترتكب على الأرض العراقية يكون للقضاء العراقي ولاية عليها.

ويقول الخبير القانوني علي التميمي: وفقا لتلك المواد فإن كل من يرتكب جريمة أو أجزاء من الجريمة داخل العراق، يحاكمون في العراق، وإذا أظهرت التحقيقات أن جرائم هؤلاء العناصر أثرت على الوضع العام، وثبت انتماؤهم إلى تنظيم داعش، سيطبق عليهم قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 عام 2005.

وأوضح أن قانون مكافحة الإرهاب العراقي يخص الذين ارتكبوا جرائم تصنف أنها إرهابية على الأراضي العراقية، وكشفت مصادر استخبارية عراقية أن العراق يمتلك وثائق وأدلة على تنفيذ هؤلاء المقاتلين الفرنسيين لجرائم داخل أراضيه.

وكانت قوات سوريا الديمقراطية - قوات كردية وعربية مدعومة من الولايات المتحدة- قد اعتقلت 12 فرنسيا من أعضاء تنظيم داعش في سوريا، ونقلت الثلاثة المدانين إلى العراق لمحاكمتهم في فبراير2019. 

وتلك هي المرة الأولى التي يُدان فيها مقاتلو داعش من الفرنسيين ويُحكم عليهم بالإعدام، وقالت وزيرة العدل الفرنسية نيكول بيلوبي، في وقت سابق ، إن باريس "ستتدخل" إذا صدرت أحكام بالإعدام بحق فرنسيين قاتلوا في صفوف "داعش" يحاكمون في العراق وسوريا.

أسباب رفض فرنسا استقبال عناصر داعش

أعلنت الحكومة الفرنسية يوم 28 فبراير الماضي أن باريس ليست في عجلة من أمرها لاستعادة 13 إرهابيًا يحملون الجنسية الفرنسية قاتلوا في صفوف تنظيم داعش وسلمتهم القوات الكردية في سوريا إلى الجيش العراقي، ملوحة بأنها ترغب في عدم عودتهم إلى البلاد.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، صرح منذ يومين بأنه يجب محاكمة مقاتلي تنظيم "داعش" الفرنسيين الذين تم أسرهم في العراق وسوريا في الدول التي يواجهون فيها اتهامات.

وترى الحكومة الفرنسية أن محاكمة هؤلاء الدواعش الفرنسيين في العراق بعد أن قُبض عليهم في سوريا، يُقلل من عدد الإرهابيين الفرنسيين الذين تشكل عودتهم إلى البلاد أزمة سياسية تهدد أمن المجتمع الفرنسي، ولهذه الأسباب فإن فرنسا ليست في عجلة من أمرها لاستعادتهم، معتبرة هذه التصريحات مناورة بين أجهزة الاستخبارات الغربية.

كشفت صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية  في عددها الصادر يوم السادس من مايو 2019 عن اتفاق بين العراق وفرنسا، لمحاكمة مواطنين فرنسيين منتمين لـ"داعش" في العراق، معتقلين لدى "قوات سوريا الديمقراطية" في سوريا، مقابل مساعدات عسكرية ومالية تقدمها فرنسا للعراق. 

وترى المحامية والدكتورة في القانون الدولي سلوى بو شلاغم من فرنسا، أن هذا الأمر جزء من الثقافة وعقيدة فرنسية قديمة، أن من يرتكب عمل غير قانوني أو إرهابي في بلد آخر، يفضل أن يعاقب في البلد الذي تم فيه الجرم، وتتابع : هذا بسبب أن المجرم لو نقل إلى الأراضي الفرنسية فإن جميع جمعيات حقوق الإنسان في فرنسا ستتحرك من أجله، وهذا ما لا يحبذه قصر الإليزيه، والسبب الثاني هو حماية فرنسا والمواطنين الفرنسيين، حيث لا يرغب المجتمع الفرنسي بعودة عناصر متهمة بقضايا إرهابية، والحكومة تحاول الحفاظ على مظهرها، لذلك هذا الأمر كان متوقعا.  

وتتابع: لا يحق لفرنسا طلب أي معاملة خاصة لمواطنيها، وهم سيكونون تحت القانون العراقي، ولن يخرجوا عن قانون الإجراءات الجزائية وقانون مكافحة الإرهاب العراقي، حتى لو كانوا من أي جنسية كانت.
 
النتائج

"الجهاديون" العائدون من مناطق الصراعات هاجسا أمنيا  يؤرق المسؤولين الفرنسيين الذين يرون في "العائدين" تهديدا أمنيا جديا نظرا لما عرفوه في سوريا والعراق ولآيديولوجيتهم "الجهادية" وللخبرات التي اكتسبوها فى القتال، وتباينت مواقف الحكومة الفرنسية حول كيفية التعامل مع عودة المقاتلين الأجانب وذويهم. 

وسبق أن أعلنت الحكومة الفرنسية أن الدواعش الفرنسيين سيحاكمون من قبل السلطات القضائية المحلية، ولن يرحلوا إلى فرنسا، ولكن من الممكن إعادة أولادهم وحدهم إلى فرنسا عبر الصليب الأحمر.

إن سياسات دول أوروبا في محاربة الإرهاب مازالت تركز على قضية المقاتلين الأجانب من أوروبا، أكثر من محاربة التطرف والإرهاب في دول المنقة او حتى دوليا.

جهود دول أوروبا خاصة وزراء العدل والداخلية، تأتي وسط الانتقادات الحادة التي وجهت إليها من قبل المنظمات الدولية، بضرورة أن تتحمل عبيء المقاتلين الأجانب وتنهض بمسؤولياتها القانونية والأخلاقية.

بدون شك فرنسا لا تريد استعادة الدواعش من حملة الجنسية الفرنسية، وتكمن المشكلة، بأن فرنسا إلى جانب دول أوروبا، تنظر لهم، بأنهم تهديد لأمنها القومي، ولا تتحدد هذه التهديدات بالوقت الحاضر، بل بتحول محتمل إلى عائلات الدواعش إلى التطرف من جديد مستقبلا.

التوصيات

ما ينبغي أن تقوم به فرنسا إلى جانب دول أوروبا، أن تجد تعاون حقيقي وليس جزئي مع دول المنطقة، وخاصة الدول التي تشهد صراعات ونزاعات، مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا على سبيل المثال.

التعاون الأمني لا يعني فقط ما يتعلق في بيانات وقاعدة المعلومات وبنك المعلومات حول المقاتلين الأجانب بقدر، دعم دول المنطقة، إلى تعزيز سياسات مكافحة الإرهاب والتطرف، بما تملكه من تكنلوجيا إلى جانب الدعم اللوجستي.

دول أوروبا هي الأخرى يجب أن تعالج التطرف محليا، وألا تعتمد فقط في سياسات مكافحة الإرهاب، من خلال إيجاد تطبيقات فاعلة لمعالجة التطرف والإرهاب مجتمعيا.


اضف تعليق