في مواجهة واشنطن .. إيران تفضل المراوغة والغموض !


٠١ يوليه ٢٠١٩ - ٠٧:١٣ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

علق القائد العام للجيش الإيراني، عبد الرحيم موسوي، السبت الماضي، على المخاوف بشأن احتمال نشوب صراع عسكري بين إيران وأمريكا في المنطقة، قائلا: "إن معلوماتنا الاستخباراتية لا تشير إلى نشوب حرب".

وأشار موسوي إلى القدرات الدفاعية الإيرانية ضد أي هجوم أجنبي، مضيفًا: "نحن على أهبة الاستعداد للحرب".

وأوضح موسوي أن "العدو يخضع للمراقبة بانتظام، وأن قوة الردع التي يتمتع بها الجيش الإيراني أحبطت العدو".

وتأتي هذه التصريحات بعد أن كان القائد العام للجيش الإيراني قد اعتبر سابقًا أن خطر نشوب الحرب على إيران أمر جدي.

وكان القائد العام للجيش الإيراني، قد صرح سابقًا بأن "التهديدات الراهنة جادة"، لافتًا إلى أن "هذه التهديدات لن تكون في بداية الأمر على الصعيد البري، ولكن القوات البرية بوصفها محور جميع العمليات يجب أن تكون على أهبة الاستعداد".

وقال موسوي أيضًا تعليقًا على مواقف الرئيس الأميركي الأخيرة بشأن الحرب: "أعتقد أنه من الأفضل أن نترك ترامب يقوم بمناوراته العسكرية".

وکان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قد حذر، في وقت سابق، المسؤولين الإيرانيين من مغبة الهجوم على المواقع والمقاتلات الأميركية، مضيفًا أن الحرب مع إيران ستكون "ساحقة" وفي حال نشوبها فإنها "لن تدوم طويلاً".

وكان الحرس الثوري الإيراني قد هاجم، في وقت سابق من هذا الشهر، طائرة مسيرة أميركية في مضيق هرمز، فيما أعلن ترامب في صفحته الشخصية على "تويتر" عن إصدار أمر بالهجوم على ثلاثة مواقع إيرانية، ثم ألغى الأمر قبل تنفيذه بـ10 دقائق.

وعقب ختام قمة العشرين في مدينة أوساكا اليابانية، أكد دونالد ترمب، أن الولايات المتحدة تملك لائحة بعشرات الأهداف المحتملة في إيران، في إشارة إلى احتمال توجيه ضربة عسكرية.

إلا أن الرئيس الأميركي كان أكد أكثر من مرة أنه لا يسعى إلى الحرب مع إيران، وأنه مستعد للتفاوض دون أي شروط مسبقة.

استفزاز واشنطن

يقول المحلل السياسي الإيراني، علي حيدري، في الأشهر القليلة الماضية، اتخذت هجمات إيران على أهداف الولايات المتحدة ومصالح حلفائها في الشرق الأوسط، وتیرةً تصاعدیة. هذه الهجمات، بطبيعة الحال، تقوم بها القوات الموالية، وخاصة الحوثيين اليمنيين والميليشيات الشيعية العراقية.

اللافت أن الهجمات الأخيرة لم تقم بها قوات موالية للجمهورية الإسلامية، ولكن، وفقًا لمجموعة تقصي الحقائق الدولية، التي تکونت للتحقيق في الهجوم على السفن في الفجيرة، وأشرطة الفيديو الصادرة عن المخابرات الأميركية، فإن القوات الإيرانية هي التي قامت بهذه الهجمات مباشرة.

وعلى الرغم من أن جمهورية إيران الإسلامية نفت رسميًا الاتهامات بمهاجمة ناقلات النفط والسفن الراسیة في ميناء الفجيرة ومهاجمة ناقلتي النفط في بحر عمان، فقد كانت هذه الهجمات في إطار تحقیق التهديدات التي أطلقتها السلطات الإيرانية بعد بدء موجة جديدة من العقوبات الأميركية، لا سیما وأن المرشد الأعلى لجمهورية إيران الإسلامية، ورئيس الجمهوریة، ووزير الخارجية، والمسؤولین العسكريین، هددوا مرارًا وتکرارًا، بإحباط بيع النفط عبر مضيق هرمز إذا واجهت مبيعات النفط الإيرانية مشكلة. لذلك، فإن الحقائق الموضوعیة تتفق تمامًا مع تهديدات السلطات الإيرانية الرسمية.

ومن ناحية أخرى، بعد انهيار نظام صدام حسين في العراق، ونهاية استراتيجية "الاحتواء المزدوج" للولايات المتحدة ضد إيران والعراق، حددت جمهورية إيران الإسلامية منطقة الشرق الأوسط، وخاصة المشرق العربي، كمجال حيوي لعملها الدولي، وأنشأت ميليشيات طائفية في بلدان المنطقة، خاصة العراق وأفغانستان، وذلك بعد هزيمة الربيع العربي في سوريا واليمن، وذلك من أجل مواجهة سياسة الولايات المتحدة في الإقليم، وضرب المصالح الأميركية بشكل غير مباشر، بحيث لا تستطيع الولايات المتحدة أن تتهم إيران مباشرة بتهديد مصالحها في الشرق الأوسط.

لهذا السبب، كان أحد أكثر الانتقادات التي وجهها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلی الاتفاق النووي، هو أن الاتفاق لم يمنع إيران من مواصلة سياستها الإقليمية، بل إن استعادة طهران لـ150 مليار دولار من رأسمالها المصادر أدی إلى أن یقوم هذا البلد باستثمارات واسعة النطاق في مجال برنامجه الصاروخي وتسلیح الجماعات الطائفية بأسلحة نوعية مثل الطائرات المسیرة والصواريخ متوسطة المدى، لتهدید الممرات المائية الدولية وتهديد الأمن القومي الأمريكي والسلام والاستقرار العالميين.

وقد كان انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، وعودة العقوبات الأمريكية الأكثر صرامة ضد إيران، نكسة كبيرة لاستراتيجية إيران الإقليمية، التي کانت تبدو ناجحةً، مما تسبب في تغییر اتجاه المشاكل والأزمات التي سعت إيران إلى خلقها في المنطقة، إلی الداخل الإیراني، وتفعيل الفجوات والأزمات الکامنة في المجتمع الإيراني في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

إن خفض صادرات النفط الإيراني، كمصدر رئيسي للدخل في البلاد، من 2.5 مليون برميل يوميًا إلى أقل من 300 ألف برميل، وتوقع حدوث نمو سلبي في الاقتصاد قدره 6 في المائة، العام المقبل، سیجعل جمهورية إيران الإسلامية بلا شك، تواجه تحديات داخلية وتهديدات كبيرة.

ومع ذلك، فإن الاحتجاجات على مستوى البلاد في يناير (کانون الثاني) 2018، وانتشار الإضرابات والاحتجاجات النقابیة، وتفعيل الفجوات العرقية والطبقية، ومعارضة المظاهر الآيديولوجية للخطاب الرسمي مثل الحجاب، وتحدي مبدأ ولاية الفقيه من قبل الجماعات والطوائف الشیعية؛ أظهرت مدى الاضطراب الذي يعيشه المجتمع الإيراني الحالي، وأن هناك احتمالية لأن یخرج عن السيطرة في أي لحظة، في حال التأثر بأي عامل داخلي أو خارجي.

وبهذه الطريقة، تمکنت الولايات المتحدة من أن تجعل استراتيجية إيران الإقليمية، (من خلال خطوتي الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة العقوبات الموجهة والقاسیة)، تنقلب ضدها، وتُحوّل وجود الميليشيات الموالية لها إلی تهدید ضد کیان النظام من جانب القوى الاجتماعیة والسیاسیة في الداخل.

من هذا المنظور، لا يمكن لاستراتيجية تهديد المصالح الأمريكية من خلال القوى العاملة بالوكالة في هذه المرحلة أن تلبي بالكامل المصالح الإقليمية لجمهورية إيران الإسلامية والاستقرار الداخلي للبلاد.

وفي ظل هذه الظروف الجديدة، كانت مراجعة إیران لاستراتيجيتها أمرًا ضروريًا، لذا فإن الهجوم المباشر من قبل القوات العسكرية لجمهورية إيران الإسلامية على طائرة أميركية مسیرة في مضيق هرمز يدل على استعداد إيران لمواجهة أميركا بشکل مباشر وخاضع لسیطرتها.. وهذا التغيير في الاستراتيجية يسعى إلى تحقيق هدفين رئيسيين:-

1) المواجهة المباشرة والمحدودة مع الولايات المتحدة وهي أزمة خارجية تريح النظام من الضغط الداخلي، إلی حد کبیر، وتبرر عملیات القمع والإرهاب الأمنیة، وفي الوقت نفسه، تؤجج المشاعر الوطنية ضد العدوان الأجنبي لدی الطبقات المختلفة من المجتمع.

2) قد تُجبر هذه المواجهات، الولايات المتحدة على الرد عسكريًا. هذا الرد، اعتمادًا على شدته، يمكن أن يخلق تحدیًا لترامب، على عتبة انتخابات الولايات المتحدة لعام 2020، وأن يوفر فرصة للمنافسين الديمقراطيين للعودة إلى الاتفاق النووي، وتقليل فرص نجاح دونالد ترامب إلی أقل قدر ممکن.


إن النظر إلی الوضع الداخلي في إيران والوعي بتأثير العقوبات، وأیضًا المناخ الانتخابي للمجتمع الأميركي، كل ذلك جعل ترامب یأمر بإيقاف الهجوم، قبل 10 دقائق فقط من رد الفعل العسكري على تحطم طائرة أميركية مسیرة. وبدلاً من ذلك، وقّع علی تکثیف العقوبات الموجهة والفعالة ضد الجمهورية الإسلامية والمسؤولين الإيرانيين.

تجارب سابقة

يقول مايكل آيزنشتات، مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن: إن إيران تُظهر ثباتاً استراتيجياً ومرونة تكتيكية. حالما يلتزم النظام الإيراني باتجاه استراتيجي معين، غالباً ما يكون من الصعب صرفه عن هذا المسار.

وستختبر طهران مراراً أو تحاول تفادي الخطوط الحمراء التي يفرضها خصم ما، وفي حين أنها قد تقلع عن نهج معين عندما تواجه رداً حازماً، فإنها سرعان ما تبحث عن وسائل بديلة لتحقيق أهدافها.

وقد تتخلى عن هذه الأهداف إذا أصبحت مكلفة للغاية، ولكن مثل هذا القرار قد يعتمد على تقييمها لدوافع واشنطن، وتحمّلها للمخاطر، واستعدادها لتحمّل تكاليف خاصة بها. وفي مواجهة حملة الضغط الأقصى التي تنفذها واشنطن، قد يعتقد القادة الإيرانيون أنهم يحاربون من أجل البقاء، وبالتالي فقد تتجاوز قدرتهم على المخاطرة والتكاليف التي سيتكبدونها تلك الخاصة بإدارة ترامب. 

إيران تفضّل المراوغة والغموض والخطوات المدروسة والصبر. أدرك قادة الجمهورية الإسلامية منذ فترة طويلة أن سياساتهم المعادية للوضع الراهن غالباً ما تُدخلهم في صراع مع الولايات المتحدة. ومن أجل الحد من احتمال التصعيد، اعتمدوا على الوسائل غير المباشرة أو السرية (على سبيل المثال، الألغام)، ولجأوا إلى الوكلاء لتوفير الحيطة وإمكانية النكران، كما اقتصرت ردودهم على تلك الانتقامية، وحافظوا على وتيرة عملياتية متدنية. 

وكانت بعض تصرفات إيران خلال الأزمة الراهنة متسقة مع هذه السوابق. وتماشياً مع مقاربتها الانتقامية، فجّرت إيران ناقلات نفط رداً على تجديد العقوبات النفطية، وكذلك ناقلات مواد بتروكيماوية رداً على العقوبات المفروضة على أكبر شركاتها البتروكيماوية. وفي خضم ذلك، حاولت تجنب وقوع خسائر في الأرواح، سواء من خلال زرع الألغام المغناطيسية بعيداً عن أماكن تواجد طاقم السفينة أو استهداف طائرة استطلاع بدون طيار. ويشير ذلك إلى أن إدارة المخاطر والتصعيد تبقى من أولويات طهران. 

لكن في حالات أخرى، ابتعدت إيران عن السوابق. ففي 2012-2013 على سبيل المثال، أطلقت النار على طائرات تكتيكية أمريكية بدون طيار، لكن خلال الأسبوع الماضي أسقطت طائرة استراتيجية بدون طيار من طراز "آر كيو-4 جلوبال هوك". فضلاً عن ذلك، فإن نطاق العمليات الحالية ووتيرتها قد يتجاوز الحملات السابقة عند الأخذ في الحسبان خطواتها الأخرى المنفذة مؤخراً في مياه الخليج (هجمات على ناقلات نفط)، وفي العراق (إطلاق صاروخ من وكلاء إيران على منشآت أمريكية)، وفي شبه الجزيرة العربية (هجمات الحوثيين بطائرات بون طيار على خط أنابيب نفط سعودي). ونظراً إلى العقوبات الأمريكية المتشددة على نحو متزايد والوضع الاقتصادي المتدهور في إيران، هناك احتمال في الابتعاد حتى بصورة حادة أكثر عن النمط المعتمد سابقاً. 

على واشنطن أن توازن بين التعقّل وضبط النفس والتصعيد. في بعض الأحيان، أدّى ضبط النفس الأمريكي إلى مواجهة تحديات إضافية من جانب إيران، مما أدى إلى نفس النتائج التي كان صناع السياسة يأملون في تجنبها.

وفي أوقات أخرى، حالت المخاوف المبالغ فيها من التصعيد دون قيام المسؤولين الأمريكيين باستخدام جميع الوسائل المتاحة لهم لتحقيق أهداف السياسة الرئيسية.

وخلال الأزمة الراهنة، تؤثر كلتا الديناميكيتين على أرض الواقع. واعتمدت حملة الضغط الأقصى التي تنتهجها إدارة ترامب بشكل رئيسي على عوامل الدعم الاقتصادية والدبلوماسية، متجنبةً إلى حدّ كبير الأداة العسكرية.

ومن شأن ذلك أن يحث إيران حتى على القيام بأعمال أكثر عدائية. وبالمثل، أظهر قرار الولايات المتحدة بتنفيذ هجمات إلكترونية رداً على حادثتي الناقلات و"آر-كيو 4" عزوف الرئيس ترامب عن اللجوء إلى الخطوات العسكرية.

ومع ذلك، فإن قدرة الإدارة الأمريكية على ردع ردّ إلكتروني إيراني يحمل عواقب استراتيجية قد تتوقف على الاستعداد الملموس لهذه الإدارة لاستخدام وسائلها العسكرية التقليدية التي تجنبتها حتى الآن. 


اضف تعليق