رحلة إلى "درب الجماميز".. سكن أمراء المحروسة


٠٨ سبتمبر ٢٠١٩ - ٠٩:٢٠ ص بتوقيت جرينيتش

كتب - عاطف عبداللطيف وهدى إسماعيل

 على بعد أمتار من مسجد السيدة زينب بوسط القاهرة، وبجوار المباني الخرسانية الحديثة الفارعة، التي طمست معالم القاهرة التاريخية يقع "درب الجماميز" يحارب غزوات التمدن والحداثة.

وعن سبب التسمية بهذا الاسم، ذكر في كتاب لـ"أبوالعلا خليل"، الباحث المصري في التاريخ الإسلامي، أن "درب الجماميز" سمي بذلك نظرًا لأشجار عظيمة من الجميز، تعرف بـ"جماميز السعدية" منذ العصر المملوكي في مصر، حيث كان سكنًا لأكابر الأمراء، في عصور المماليك والعثمانيين والعلويين بمصر، وأقاموا به قصورهم ومنشآتهم الدينية.

الرحلة إلى الشارع العتيق ممتعة، وإن كانت محزنة نتيجة تردي أحوال الكثير من محتوياته ومبانيه الأثرية، ويبقى لنا أن نفخر بتاريخ الأجداد مهما شوه الأبناء الماضي بسواعد النسيان والإهمال، الرحلة ترصدها "رؤية" في السطور التالية..

سبيل يوسف الكردي




شجرة كبيرة تختفي خلفها المئذنة لا يظهر منها إلا ارتفاعها، شروخ وتصدعات يعيشها مسجد سبيل وكتاب "يوسف الكردي". بمجرد دخولك "درب الجماميز" تجده بين المباني المرتفعة، يمكنك أن تمر أمامه دون أن يجذبك بسبب تداخله في المباني المجاورة، مظهره الخارجي يجعلك تتساءل: كيف سكتت حوائطه على الابتلاء بالإهمال كل هذا الوقت؟

 مجرد لوحة علقت على بابه تقول: "تحت الترميم"، لكن الواقع أنه ليس هناك أي عمليات ترميم فحاله كما هو منذ سنوات، فواجهة السبيل بها تشققات ورشح ظاهرة، وبسبب إهماله اتخذ سكان الدرب ساحاته جراجًا للسيارات.

وفقًا لموسوعة آثار جنوب القاهرة، يحمل سبيل وكتاب يوسف الكردي رقم (213) وهو الرقم المسجل به كأثر تاريخي أهم ما يميز السبيل أنه ملحق بمجموعة معمارية تتألف من زاوية وتكية ومدفن للشيخ "جمال الدين يوسف الكردي".

ويشغل السبيل الركن الغربي من المجموعة المعمارية، وكان يعلوه كُتّاب لكنه غير قائم حاليًا، وفي الجهة الشمالية المدفن ثم التكية، وفي الجهة الجنوبية الشرقية الزاوية المخصصة للصلاة.

أغرب مئذنة




وصلنا على رأس حارة السادات المتفرعة من درب الجماميز، حيث مسجد "سيف الدين قرقجا"، أحد أمراء مماليك السلطان برقوق، الذي بناه سنة 845هــ، ويحوي أغرب مئذنة بمصر، المسجد يقع على جانب من الشارع، والمئذنة في الجانب الآخر.

بداية الشارع لا تعطي مؤشرًا على أنه أثري، فيمكنك أن ترى السيارات الخردة وورش دهانات الدوكو ومطاعم الفول والطعمية المصرية برائحتها المميزة التي يسيل لها لعابك من مدخل الدرب، والمباني التي زحفت فوق المباني الأثرية فحجبت نور الحضارة.

ويعتبر مسجد "قراقجا الحسني" المسجد الوحيد في مصر الذي لا تتصل مئذنته به وتعتبر قائمة بذاتها، ولا يربطها سوى جسر خشبي، كان يمر عليه المؤذن في الماضي لإقامة الصلاة ورفع الأذان فقط، لكن مع استخدام مكبرات الصوت في المسجد لم يعد للمئذنة أهمية.

تعاني المئذنة من المياه الجوفية التي تنتشر أسفلها وتتسبب في تآكل جدرانها، كما تعاني من تشققات واضحة خاصة في الجزء الأعلى منها، ولا يختلف الحال، فجدار المسجد بالحارة هو الآخر تظهر عليه آثار الرطوبة والمياه الجوفية، حيث تهتكت الجدران بشكل واضح للعيان.

ووفقًا لما تذكره موسوعة "الآثار الإسلامية": "فإن مساحة المسجد تبلغ 400 متر تقريبًا، وهو بناء غير منتظم الأضلاع، حيث إن المئذنة تقوم على قاعدة مربعة يعلوها جسم يتكون من طابقين: الأول مثمن الشكل، والثاني شكله أسطواني، ويفصل بينهما شرفة، في حين تعلو الطابق الثاني قبة آخرها هلال".

الكتبخانة

من بين الآثار التي لم تعد موجودة في المنطقة رغم أن مولدها كان في "درب الجماميز" كانت هيئة دار الكتب والوثائق القومية، والتي عرفت باسم "دار الكتب المصرية"، وهي مكتبة ضخمة في القاهرة، أنشأها الخديوي إسماعيل بناءً على اقتراح من علي باشا مبارك ناظر المعارف سنة 1870 وجمع فيها كتبًا ومخطوطات من كل نواحي مصر.

بدأت الكتبخانة من سراي مصطفى باشا فاضل في درب الجماميز، لكنها وبعد 34 عامًا انتقلت لمبنى جديد في منطقة باب الخلق قبل أن يتم نقلها من جديد على النيل بمنطقة بولاق.

وتعتبر "الكتبخانة"، وهي أقدم مكتبة عامة في الوطن العربي على غرار المكتبة الوطنية الفرنسية بشارع ريشليو بباريس، وكانت الكتبخانة التي سبقت دار الكتب بـ31 عامًا، تضم قاعة واسعة للمحاضرات العامة المفتوحة للجماهير والأدباء والعلماء، يلقون فيها محاضراتهم، وكان العلماء الأجانب يحاضرون في العلوم والجغرافيا والفلك مع ترجمة مباشرة.

مدرسة الفنون الجميلة

مبنى آخر ليس له وجود الآن ولكن كانت بدايته من "درب الجماميز"، مدرسة الفنون الجميلة، التي أسستها أسرة محمد علي باشا، حاكم مصر، عام 1908، على يد نحات فرنسي يدعى "جيوم لابلان". وكانت المدرسة مفتوحة لأصحاب المواهب، حيث خرج منها رائد فن النحت المصري محمود مختار وآخرين.



























اضف تعليق