المحور الفرنسي الألماني على المحك للنهوض بالاتحاد الأوروبي


٠٢ يناير ٢٠٢٠ - ٠٩:٢٨ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد

يشهد المحور الفرنسي الألماني" الكثير من التحديات، في قيادة دول الاتحاد الأوروبي، التي باتت منقسمة على نفسها حول مجمل القضايا، أبرزها قضية  الهجرة، وتوزيع اللاجئين، وكذلك علاقات دول الاتحاد الأوروبي ما بين موسكو و واشنطن.

كثيرا ما وصفت ألمانيا بزعامة المستشارة الألمانية، ميركل، قاطرة هذا الاتحاد، وهي المنقذ للعديد من المشاكل الاقتصادية التي تواجه هذا الاتحاد، بالتوازي مع قوة عسكرية نووية أوروبية، المتمثلة في فرنسا. وتعتبر كل من ألمانيا وفرنسا تعاونهما بأنه أساس نجاح الاتحاد الأوروبي، وبالاشتراك مع ميركل يراهن ماكرون على شراكة مع إفريقيا لإدارة الهجرة، وفي ضم دول البلقان الغربية  للاتحاد الأوروبي وتأسيس جيش مشترك واتباع سياسة مالية مشتركة.

التحالف الفرنسي الألماني

كان التحالف الفرنسي الألماني عبر التاريخ، حجر الزاوية الذي تعتمد عليه القوة الأوروبية، لاقت فكرة الزعامة الفرنسية لأوروبا في البداية قبولاً لدى ألمانيا خصوصًا أن امتلاك فرنسا السلاح النووي ضمن لها تفوقًا استراتيجيًا داخل أوروبا الغربية، بالإضافة إلى موقع فرنسا القوي داخل مجلس الأمن باعتبارها إحدى الدول الخمس المتمتعة بممارسة حق الفيتو الذي أكسبها مكانة محترمة على الصعيد العالمي.

برز الدور الألماني داخل دول الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة، مع صعود نجم، المستشارة الألمانية ميركل عام 2005، ليكون دورها في إصلاح الاتحاد الأوروبي وحل المشكلات والأزمات المالية التي ضربت جنوب أوروبا أبرزها اليونان، لتكون ألمانيا الممول الأكبر لمؤسسات الاتحاد الأوروبي.

وقد سعت ألمانيا جاهدة، من أجل إحياء المحور الفرنسي الألماني من داخل أوروبا، الرئيس "إيمانويل ماكرون" من جانبه انتهج سياسة إحياء المحور الفرنسي الألماني، بدعوته إلى استحداث منصب وزير للمالية وميزانية لمنطقة اليورو.

ويقول الرئيس الفرنسي ماكرون، إن فرنسا في حاجة إلى ألمانيا للوقوف إلى جانبها لتحقيق إصلاحات كبيرة في الاتحاد الأوروبي. وأضاف قائلا: "طموحاتنا لا يمكن أن تتجسد بمفردها وقلت ذلك بالفعل مرات عديدة إنها يجب أن تصاحبها الطموحات الألمانية".

اتفاقية الإليزيه

وضعت اتفاقية الإليزيه بين ألمانيا وفرنسا سنة 1963 أسس الصداقة الجديدة بين البلدين في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وذلك بعد عقود من العداء. وقع تلك الاتفاقية الرئيس الفرنسي شارل ديغول، مع المستشار الألماني كونراد أديناور، بعد مباحثات مطولة شملت التعاون بين البلدين على مختلف المستويات. 

وينص الفصل الرابع من المعاهدة على "تبادل المساعدة والدعم بكل الوسائل المتاحة، ومن ضمن ذلك القوة العسكرية؛ في حالة الاعتداء المسلح على أراضي أحد البلدين.

 الاتفاقية تنص أن الثنائي الفرنسي الألماني يجب أن يكون مستعداً، وفعالاً، وملتزماً، ومتناسقاً؛ في أعقاب تداعيات البريكسيت، وصعود الأحزاب الشعبوية إلى الحكم في عدة دول أوروبية.


تحديات المحور الفرنسي الألماني:

ـ اليمين الشعبوي : تنامي النزعات الشعبوية واليمينية المتطرفة في العديد من دول الاتحاد، مدفوعة بمشكلات اقتصادية وتحديات اجتماعية وسياسية، داخلية وخارجية، هي ما تكشّف عن مأزق أوروبا اليوم

ـ تراجع شعبية المستشارة الألمانية داخل ألمانيا وكذلك في أوروبا، وضعف الائتلاف الحاكم الذي تقوده.

ـ معارضة مجموعة "فيسغراد" التي تمثل غالبية دول أوروبا الشرقية، تتزعمها هنغاريا وبولندا.

ـ انقسام الاتحاد الأوروبي، على  نفسه في موضوعات الهجرة واللجوء.

ـ الخلافات مع واشنطن، حول مجمل القضايا الأمنية والسياسية والتجارية.

ـ خروج بريطانيا  المحتمل، من الاتحاد الأوروبي، وضرورة تصعيد فرنسا وألمانيا قدرتهم العسكري.

رغم الخلافات ما بين فرنسا وألمانيا، فما زال رهان الاتحاد الأوروبي يقوم على ديمومة المحور الفرنسي الألماني، وظهرت الحاجة أكثر إلى هذا المحور، في أعقاب، الخروج المحتمل إلى بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والذي يدفع فرنسا وألمانيا إلى تعزيز دورهما بالنهوض في هذا الاتحاد رغم الانقسامات.

الاقتصاد والقوة العسكرية، هما الجامع لهذا المحور، الذي شهد تقاربًا أكثر أمام تحديات الرئيس الأمريكي ترامب، وانسحاب ترامب من جملة معاهدات دولية أمنية وتجارية وغيرها من الاتفاقيات.

وتشترك كل من فرنسا وألمانيا برؤية متقاربة في مجمل القضايا الدولية، خاصة عندما يتعلق الموضوع بالأمن والمواقف السياسية، أبرزها، الملف النووي الإيراني خمسة زائد واحد، قوة عسكرية محتملة لحماية الممرات المائية ، مضيق هرمز، الملف السوري، وملف ليبيا والعراق وقضايا أخرى.

يشهد المحور تحديات كبيرة أبرزها تنامي التيارات الشعبوية والخلافات مع واشنطن، لكن هناك تحديات ذاتية، أبرزها، "كسوف" نجم ميركل، وتحديات داخلية لماكرون، أبرزها الإصلاحات الاقتصادية وتظاهرات السترات الصفراء.

المحور شهد خلافات أيضا، حول دعوة باريس لإشراك ألمانيا في قوة عسكرية لمكافحة الإرهاب في دول الساحل الأفريقي، هذا الطلب يتفاعل الآن داخل أروقة البرلمان "البندستاغ" الألماني، وممكن أن يشهد تفاعلا أكثر، أمام رفض محتمل من قبل ألمانيا لاستمرار إرسال قواتها إلى جانب القوات الفرنسية "قوة برخان".

السؤال الأهم، مدى قدرة هذا المحور بالنهوض بالاتحاد الأوروبي، الذي يواجه جملة تحديات داخلية وخارجية، ممكن أن تضع نهاية لهذا الاتحاد، الذي بدأ يتآكل من الداخل، الحقائق تقول إن هذا الاتحاد بالفعل أصبح ضعيفا، وهذا ينعكس على دوره إقليميا ودوليا. الاتحاد الأوروبي ممكن أن يواجه انقسامات أكثر، لكن المحور الفرنسي الألماني سوف يبقى دوره محدودا ثنائيا بالتقارب مع موسكو، على حساب واشنطن، وهذا يعني أن هناك توزيع قوى جديدًا غير معلن دوليا وإقليميا، يعيد خارطة موازين القوى، يبقى المحور الفرنسي الألماني متماسكا في داخله.





الكلمات الدلالية فرنسا ألمانيا

اضف تعليق